.
.
صنم الهوية والهروب من المادة إلى القبيلة وتفكيك سجن الذات المتخيلة
تمثل الهوية في العقل العربي المعاصر، سواء كانت مغلفة بقداسة دينية أو بشوفينية قومية، أكبر عائق بنيوي يحول دون اندماج الفرد والجماعة في صيرورة العصر الحديث المادية، حيث تحولت هذه الهوية من مجرد تعريف سوسيولوجي بسيط إلى "صنم" ذهني متضخم يُعبد من دون الحقيقة العلمية. إن الهروب من مواجهة الواقع المادي المرير، المتمثل في الفقر المعرفي والتقني والإنتاجي، نحو الانكفاء على "القبيلة" المتخيلة هو فعل دفاعي ينم عن هزيمة نفسية عميقة، إذ يجد الإنسان المهزوم حضارياً في "الهوية" ملجأً يمنحه شعوراً زائفاً بالعظمة والتميز التاريخي، معوضاً بذلك عجزه عن المنافسة في مختبرات الفيزياء أو أسواق التكنولوجيا العالمية. وهذا الصنم ليس مجرد فكرة بريئة، بل هو "سجن اختياري" يحرس فيه السجين نفسه بوعي كامل، مفضلاً التمسك بخرقة بالية من التراث والتقاليد المتهالكة على الاعتراف بفقره المادي الصارخ، مما يخلق حالة من "العمى الاستراتيجي" تستغلها السلطات الدينية والسياسية لاستدامة التخلف وضمان بقاء الجماهير في حالة من "التنويم المغناطيسي" القومي أو الديني.
إن المأساة الحقيقية تكمن في أن الهوية أصبحت تُعرف بـ "المخالفة" وليس بـ "الإنجاز"، فالعربي اليوم لا يعرّف نفسه بما ينتجه عقله من نظريات أو ما تصنعه يده من أدوات، بل يعرّف نفسه بمدى اختلافه عن "الآخر" الغربي والمادي، معتبراً أن هذا الاختلاف هو "خصوصية مقدسة" يجب حمايتها حتى لو كانت مرادفة للجهل والقصور. إن التمسك بـ "الخرقة البالية" التي يسمونها تراثاً هو في جوهره محاولة للتغطية على العري المعرفي، فبدلاً من الاعتراف بأن المنظومات القديمة لم تعد صالحة لتفسير الذرة أو تنظيم الدولة الحديثة، يتم الالتفاف على الفشل عبر إضفاء طابع "الأصالة" على التخلف. هكذا يصبح الانغلاق هو "ثباتاً على المبادئ"، وتصبح معاداة المنهج العلمي المادي "حفاظاً على الشخصية"، وهي مغالطة كبرى تحول الهوية إلى جدار عازل يمنع الفرد من استنشاق هواء الحداثة، ويجعله يعيش في "زمن موازٍ" لا صلة له بقوانين المادة والفيزياء التي تحكم العالم المعاصر وتحدد موازين القوى فيه.
وعند تشريح سيكولوجية هذا الهروب نحو القبيلة، نجد أن "صنم الهوية" يوفر للإنسان العربي نوعاً من "الأمان المعرفي" الرخيص؛ فبدلاً من خوض غمار البحث العلمي المضني الذي قد ينتهي بتكذيب قناعاته الموروثة، يفضل الاستكانة إلى يقينيات الجماعة التي تمنحه إجابات جاهزة ومريحة لكل معضلات الوجود. إن الهوية هنا تعمل كـ "مخدر" يمنع الفرد من رؤية واقعه المادي البائس، فبينما يغرق في التخلف الاقتصادي والتبعية التقنية، يواسيه صنم الهوية بأنه يمتلك "الأخلاق" أو "الدين الحق" أو "الأمجاد الغابرة"، وهي كلها تعويضات وهمية لا تغير من حقيقة ماديته المأزومة شيئاً. إن هذا الانفصام بين "الادعاء الهوياتي" وبين "الواقع المادي" هو الذي يفسر لماذا يفضل العربي الموت في سبيل رمز أو قطعة قماش أو كلمة مقدسة بدلاً من العمل على تحسين شروط حياته المادية، فالهوية أصبحت هي "الوطن البديل" للإنسان الذي فقد سيادته على المادة والواقع.
علاوة على ذلك، فإن هذا الصنم يُستغل ببراعة من قبل "كهنة الهوية" لضمان استدامة التخلف؛ فالسلطة التي تفشل في توفير الرخاء المادي لمواطنيها تهرع دائماً لاستدعاء "الخطر على الهوية" لشغل الجماهير بمعارك وهمية ضد "الغزو الثقافي" أو "المؤامرات الخارجية". إن تحويل الانتباه من "المشكلات المادية" (مثل الفقر، الجهل، الاستبداد) إلى "المشكلات الهوياتية" هو تكتيك سياسي قديم أثبت نجاعته في تعطيل العقل النقدي، حيث يتم تصوير كل مطالبة بالاندماج في القيم الكونية للمادية والعلمانية كأنها خيانة للأصل وتنازل عن "الذات". وهكذا يصبح السجين هو الحارس الأمين لسجنه، يرفض أي محاولة لفك قيوده لأنه يخشى أن يفقد المعنى الوحيد الذي يبرر وجوده في هذا العالم، وهو معنى مستمد من "القطيع" وليس من "الفردية الواعية" التي هي أساس كل تقدم مادي ومعرفي.
إن نقد الهوية كعائق أمام الاندماج يتطلب جرأة في الاعتراف بأن "الخصوصية الثقافية" هي في كثير من الأحيان مجرد اسم حركي لـ "الاستثناء من التطور". فالعالم الحديث يقوم على مادية صارمة توحد البشر خلف قوانين المنطق والعلم، بينما الهوية تقوم على "تفتيت" البشر خلف جدران العقائد والعرقيات. إن العربي الذي يتمسك بهويته الدينية أو القومية كدرع يحميه من "الذوبان" في العصر الحديث، إنما يحمي في الحقيقة "عجزه" عن أن يكون فرداً فاعلاً في حضارة كونية. إن الهوية السجنية هي التي تمنع المثقف من نقد النصوص التاريخية، وتمنع العالم من تبني المنهج المادي دون تحفظات إيمانية، وتمنع المجتمع من تنظيم نفسه على أسس نفعية عقلانية. إنها القيد الذي يجعلنا نتحرك في دوائر مفرغة، نكرر فيها أمجاداً لم نصنعها، ونبكي على أطلال هوية هي في الحقيقة "تابوت" نعيش فيه ونظن أننا نحيا بداخل قصره.
إن الهدف من تحطيم "صنم الهوية" هو تحرير الإنسان من سلطة "الماضي الميت" ووضعه وجهاً لوجه أمام "الحاضر المادي" الصعب. فالاعتراف بالفقر المادي والمعرفي هو الخطوة الأولى والوحيدة نحو العلاج، أما التستر خلف الشعارات الهوياتية فهو مجرد إطالة لأمد الاحتضار الحضاري. يجب أن يدرك الفرد أن قيمته لا تنبع من كونه ينتمي لقبيلة أو دين أو عرق، بل تنبع من قدرته على فهم قوانين المادة وتسخيرها لخدمة الوجود البشري. إن الهوية الحقيقية للإنسان المعاصر يجب أن تكون "الهوية العلمية" و"الهوية المادية" التي لا تعرف حدوداً جغرافية ولا قيوداً غيبية، أما التمسك بـ "الخرقة البالية" فهو فعل انتحاري يضمن بقاءنا في قاع الترتيب العالمي، حراساً لمقبرة كبيرة نسميها "الهوية"، بينما العالم من حولنا يبني جسوراً من المادة والمنطق نحو النجوم.
إن الخيانة المعرفية التي يمارسها المدافعون عن الهوية تكمن في تصويرهم للحداثة المادية كأنها "عدو للشخصية"، بينما هي في الحقيقة "تحرير للشخصية" من قيود الجماعة العمياء. إن الاندماج في العصر الحديث لا يعني فقدان الذات، بل يعني اكتساب "ذات فاعلة" قادرة على الإنتاج والتفكير المستقل، بدلاً من أن تكون مجرد "صدى" لصوت القبيلة. إن "سجن الهوية" هو المكان الذي يموت فيه الإبداع ويولد فيه النفاق، حيث يضطر الفرد للتظاهر بالإيمان بقيم بالية لكي لا يُنبذ من الجماعة، فيعيش حياة مزدوجة يقدس فيها "المادة" سراً ويسبها علناً دفاعاً عن صنم الهوية. إن تحطيم هذا السجن يبدأ من الداخل، بقرار فردي شجاع يعلن أن "المادة والحقيقة" أسمى من "القبيلة والوهم"، وأن العيش كإنسان مادي حر أفضل من العيش كقديس هوياتي مكبل بالأصفاد والخرق البالية.
في الختام، يظل صنم الهوية هو العقبة الأخيرة التي يجب تجاوزها لكي يدخل العقل العربي في سن الرشد المادي. إن الهروب من المادة نحو القبيلة هو هروب نحو الموت، والاعتراف بفقرنا هو بداية ثرائنا الحقيقي. إن الهوية التي تحتاج لحراس ومقصات رقابة لكي تبقى، هي هوية لا تستحق البقاء، أما الإنسان الذي يكتشف حريته خارج سياج الهوية التقليدية هو الذي يملك مفتاح المستقبل. لقد حان الوقت لذبح هذا الصنم على مذبح العلم، ولإدراك أننا ذرات كونية محكومة بقوانين الطبيعة قبل أن نكون أعضاء في أي نادٍ هوياتي، وبدون هذه اليقظة المادية الصارمة، سنظل سجناء في زنزانة "الهوية" ننتظر معجزة لن تأتي، بينما يحرس كل واحد منا باب زنزانة الآخر بجهل مقدس ونفاق لا ينتهي.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire