.
.
الانفصام الحضاري: إنسان القرن الحادي والعشرين بعقل العصر البرونزي
إن المشهد السريالي الذي تعيشه المجتمعات الناطقة بالعربية وذات الأغلبية المسلمة في مطلع الألفية الثالثة يمثل واحدة من أعقد المعضلات الإبستمولوجية في التاريخ الحديث، حيث يتجلى بوضوح صارخ ما يمكن تسميته بالانفصام الحضاري البنيوي. هذا الانفصام ليس مجرد تفاوت طبقي أو تقني، بل هو هوة سحيقة تفصل بين الأدوات المادية التي يستخدمها الفرد في حياته اليومية وبين البرمجيات الذهنية التي تدير وعيه وتفكيره. فنحن أمام إنسان يمتلك أحدث ما أنتجه العقل الغربي المادي من تقنيات النانو والذكاء الاصطناعي ووسائل الاتصال العابرة للقارات، لكنه في الوقت ذاته يسكن داخل شرنقة ذهنية نسجت خيوطها في صحراء جزيرة العرب قبل أكثر من أربعة عشر قرناً. هذا التناقض الجوهري يخلق حالة من "الاغتراب المعرفي" حيث يتم استهلاك نتاج المادة بعقلية تنكر سيادة المادة، وتستخدم العلم لتكريس الخرافة، مما يؤدي إلى هدر طاقة ذهنية ومادية كارثية كان من المفترض أن تكون وقوداً للنهضة والابتكار.
تبدأ مأساة هذا الانفصام من الطريقة التي يتم بها استيراد التكنولوجيا؛ فهي تدخل هذه المجتمعات كأجهزة صماء "مقطوعة الجذور" عن سياقها الفلسفي والمنطقي. فالهاتف الذكي الذي يحمله المرء ليس مجرد أداة للتواصل، بل هو تتويج لقرون من التفكير المادي الصرف، والشك الديكارتي، والمنهج التجريبي، والثورة على الكنيسة والغيبيات. لكن المستهلك في هذه البيئات يرفض استيعاب هذا السياق، ويحاول قسر هذه الأداة العلمية لخدمة "الفكر البدائي المتحجر". وهكذا نجد التطبيقات الأكثر تقدماً تُستخدم لنشر أحاديث عن "فوائد بول الإبل" أو "تفسير رؤى الجن" أو "ملاحقة الملحدين". إن هذا التوظيف المشوه للتقنية يثبت أن الحداثة المادية لم تلمس سوى القشرة الخارجية لهذه المجتمعات، بينما ظل اللب المعرفي حبيس نصوص العصر البرونزي التي لا ترى في الكون سوى ساحة للصراع بين الشياطين والملائكة، غافلة تماماً عن القوانين الفيزيائية التي تحرك هذا الكون فعلياً.
إن التكلفة الكارثية لهذا الانفصام تتجسد في "الهدر الذهني" الهائل الذي تمارسه المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية. فبدلاً من توجيه طاقات الشباب نحو البحث العلمي الرصين، وفهم ميكانيكا الكم، والبيولوجيا الجزيئية، وهندسة الفضاء، نجد أن الجزء الأكبر من الطاقة الفكرية للمجتمع يُستنزف في معارك "دون كيشوتية" مع طواحين الهواء الغيبية. تُصرف المليارات وتُهدر ملايين الساعات في محاولات بائسة لـ "أسلمة العلوم" أو البحث عن "إعجاز علمي" في نصوص أدبية قديمة، أو التوفيق بين نظرية التطور وحكايات الخلق الطينية. هذا الجهد الضائع يمثل خسارة مادية ومعنوية لا يمكن تعويضها، إذ يحول العقل البشري من أداة خلاقة ومبتكرة إلى "محامٍ" يستميت للدفاع عن خرافات لا تملك أدنى مقومات الصمود أمام التمحيص المخبري. والنتيجة هي بقاء هذه المجتمعات في ذيل القافلة البشرية، عالة على ما ينتجه الآخر "الكافر" مادياً، بينما تدعي التفوق عليه "روحياً" بأساطير لم تقدم للمرضى دواءً ولا للجوعى خبزاً.
علاوة على ذلك، يؤدي هذا الانفصام إلى بناء "هوية زائفة" تقوم على تقديس الماضي والعداء للمستقبل. فالهوية في هذه المجتمعات لا تُعرف بما يضيفه الفرد للرصيد الإنساني من علم أو فن أو إنتاج، بل بمدى تمسكه بـ "أساطير الأولين" ووفائه لنصوص صاغتها عقول بدوية كانت تظن أن الأرض مسطحة وأن الشهب قذائف للشياطين. هذا التمسك المرضي بالقديم يخلق سياجاً من "الخطوط الحمراء" التي تمنع العقل من طرح الأسئلة الجوهرية. فكل محاولة للنقد أو التفكيك تُجابه بتهمة "الردة" أو "العمالة للغرب"، مما يجعل البيئة الثقافية بيئة طاردة للعقول المبدعة ومحضنة للأفكار المتطرفة والجهل الممنهج. إن نزع القداسة عن هذه النصوص وعن المؤسسات التي تسترزق منها (كالأزهر وغيرها من المعاقل الكهنوتية) هو الخطوة الأولى والضرورية لكسر هذا القيد الحضاري. فالقداسة هي العدو الأول للعلم، وحيثما وجدت القداسة توقف السؤال، وحيثما توقف السؤال مات العقل.
إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب جرأة في طرح "مانيفستو مادي" جديد يعيد تعريف الإنسان والهوية بناءً على الواقع المادي والمنهج العلمي الصرف. يجب أن ندرك وبشكل قطعي أن الكون مادي في جوهره، وأن الوعي البشري هو نتاج تطور بيولوجي معقد لا يحتاج لتدخلات غيبية لتفسيره. هذا المانيفستو يدعو إلى ثورة تعليمية شاملة تقتلع جذور الخرافة من المناهج الدراسية، وتدرب الإنسان منذ طفولته على التفكير المنطقي، والشك المنهجي، والتحليل النقدي. التعليم يجب أن يتوقف عن كونه عملية "تلقين للنصوص" ليصبح عملية "صناعة للعقول". يجب أن يتعلم الطفل أن الحقيقة ليست مخبأة في كتاب قديم، بل هي نتاج بحث وتجربة وتصحيح مستمر للأخطاء في المختبرات والميادين المادية.
إن التحرر من أغلال الخرافة يقتضي أيضاً نبذ الاسترزاق بالدين وتفكيك طبقة الكهنوت التي تسيطر على المجال العام. هؤلاء المسترزقون هم "حراس السجن" الذين يخشون ضوء العلم لأنهم يدركون أن وعي الجماهير بحقيقة المادة يعني زوال سلطتهم المالية والمعنوية. إن الدولة الحديثة الحقيقية هي الدولة التي تفصل تماماً بين المجال العام المادي وبين المعتقدات الشخصية الغيبية، وتمنع استخدام الدين كأداة للسيطرة السياسية أو التوجيه الاجتماعي. الهوية الجديدة يجب أن تكون هوية "إنسانية كونية" تعتز بالانتماء لمنجزات العقل البشري الجماعية، وترى في تاريخ جزيرة العرب مجرد فصل تاريخي غابر له ظروفه السوسيولوجية والبيئية الخاصة، وليس مرجعاً كونياً صالحاً لكل زمان ومكان.
في الختام، إن المواجهة بين عقل القرن الحادي والعشرين وخرافات العصر البرونزي هي مواجهة وجودية بامتياز. فإما أن نقبل بحتمية التطور المادي وننخرط في بناء الحضارة الإنسانية الحديثة بصدق ونزاهة فكرية، وإما أن نستمر في هذا الانفصام الذي سيقودنا حتماً إلى الانهيار الكامل والاندثار التاريخي. إن "المانيفستو المادي" هو طوق النجاة الوحيد؛ فهو لا يدعو فقط لتبني التكنولوجيا، بل لتبني "العقلية" التي أنتجت التكنولوجيا. عقلية السؤال الذي لا يعرف الخطوط الحمراء، والمنطق الذي لا يقبل بالمعجزات، والعلم الذي لا يسجد للنصوص. إنها دعوة للعودة إلى المادة، المصدر الوحيد للحياة والحقيقة، والسبيل الوحيد لاسترداد كرامة الإنسان في هذه البقعة من العالم، بعيداً عن أوهام الغيب وقيود الأساطير التي طال أمد ليلها.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire