Translate

الاستعمار كصدمة حداثة: قراءة في النتائج الجانبية واصطدام العقول (مقال)

.

.
الاستعمار كصدمة حداثة: قراءة في النتائج الجانبية واصطدام العقول




يمثل الاستعمار الأوروبي في التاريخ الحديث للمنطقة الناطقة بالعربية لحظة فارقة تتجاوز في أبعادها مجرد الغزو العسكري أو الهيمنة السياسية العابرة، فهي في جوهرها كانت "صدمة حداثة" عنيفة وضعت مجتمعات تعيش في حالة من السكون التاريخي والركود المعرفي وجهاً لوجه مع قوة مادية وعلمية جبارة استمدت تفوقها من قطيعة معرفية مع الميتافيزيقيا واعتماد المنهج التجريبي. إن قراءة الاستعمار من زاوية النتائج الجانبية لا تهدف إلى تبرير دوافعه التي قامت بالدرجة الأولى على المصالح النفعية للمستعمر، بل تهدف إلى تفكيك تلك اللحظة التي اصطدم فيها "عقل الدولة" المنظم والبارد بالعقلية الرعوية والقدرية التي كانت تهيمن على المنطقة تحت وطأة قرون من التخلف والغيبيات. لقد كان هذا الصدام هو المحرك الأول الذي أخرج المنطقة من غيبوبة العصر العثماني المتأخر، ووضعها أمام حقيقة قاسية مفادها أن التفوق ليس قدراً إلهياً ثابتاً، بل هو نتيجة لامتلاك أدوات العلم وإدارة الواقع وفق قوانين المادة والمنطق.
لقد كانت المنطقة الناطقة بالعربية قبل وصول الجيوش الأوروبية تعيش في ظل "الرجل المريض"، حيث ساد نظام حكم عثماني لا يرى في الأرض إلا مصدراً للجباية، وفي الإنسان إلا وقوداً للحروب أو رعية صامتة. كانت الثقافة السائدة ثقافة اجترار للمتون القديمة، وإيمان مطلق بأن كل ما يحدث في العالم هو نتيجة لقوى ما وراء طبيعية لا يمكن ردها أو فهم قوانينها. وفي خضم هذا السكون، جاء المستعمر حاملاً معه ليس فقط المدافع والبارود، بل حاملاً معه "المختبر" و"المطبعة" و"أدوات المسح الجيولوجي" و"علم الآثار". هذا المكون المعرفي هو الذي أحدث الشرخ الحقيقي في بنية المجتمع المحلي، إذ اكتشف الإنسان العربي فجأة أن هناك آخراً يمتلك القدرة على التنبؤ بالظواهر، والتحكم في الطبيعة، وتنظيم الوقت والمكان بفاعلية مذهلة لم تكن تخطر على بال القابعين في ظل الخرافة.
من أبرز النتائج الجانبية لهذا الوجود الاستعماري كانت إعادة اكتشاف الهوية التاريخية للمنطقة، وهي عملية لم يقم بها أهل الدار بل قام بها "الغريب" المستكشف. لقد كانت معظم الشعوب العربية تعيش فوق كنوز من الحضارات القديمة (فرعونية، فينيقية، بابلية، قرطاجية) وهي تجهل عنها كل شيء، بل كانت تنظر إلى الآثار أحياناً كأوثان أو كأحجار صماء لا قيمة لها، أو تربطها بأساطير الجن والكنوز المخفية. جاء المستعمر بعقلية علمية لا تؤمن بالأساطير، وبدأ في فك رموز حجر الرشيد وفك شفرات اللغات القديمة، ليقدم لأهل المنطقة تاريخهم الذي لم يقرؤوه يوماً. إن تحقيق الكتب والمخطوطات القديمة وتنظيمها في فهارس علمية، ونبش القبور الملكية لدراسة التركيبة الاجتماعية والسياسية للعصور الغابرة، لم يكن مجرد رفاهية معرفية، بل كان فعلاً "تحديثياً" كشف للمنطقة أنها كانت يوماً مهداً للعلم والعقل، وأن انحدارها الحالي نحو الخرافة هو شذوذ عن تاريخها العريق. لقد أعاد الاستعمار كتابة التاريخ بمنهجية نقدية، وبينما كان يفعل ذلك لتعزيز سيطرته المعرفية، فإنه منح الشعوب المستعمرة دون قصد "مرآة" لرؤية عجزها المعاصر مقارنة بعظمتها الغابرة.
أما على مستوى الواقع المادي، فقد أوجد الاستعمار بنية تحتية وظيفية كانت تهدف في المقام الأول لتسهيل استنزاف الموارد ونقل الجيوش، إلا أنها مثلت أول نموذج للدولة الحديثة والمنظمة. إن مد خطوط السكك الحديدية وشق القنوات وتأسيس الموانئ الكبرى وتخطيط المدن على النسق الأوروبي (كما في القاهرة وتونس والدار البيضاء) لم يكن مجرد تغيير في المشهد المعماري، بل كان تغييراً في "إيقاع الحياة". لقد فرضت هذه البنيات نظاماً زمنياً دقيقاً، وربطت القرى بالمدن والمدن بالعالم، وكسرت العزلة الجغرافية والثقافية التي فرضتها القرون الوسطى. والمفارقة التاريخية المؤلمة تكمن في أن هذه البنية التي شيدها المستعمر بعقليته "النفعية العقلانية" ظلت لعقود طويلة هي الأساس الوحيد الذي تعتمد عليه تلك الدول بعد استقلالها، بل إن كثيراً من الأنظمة التي تعاقبت على الحكم بعد رحيل المستعمر فشلت حتى في صيانة تلك المرافق، ناهيك عن تطويرها أو بناء مثيل لها، وذلك بسبب غياب العقلية المؤسساتية واستبداد العقلية الغنائمية والمحسوبية التي لا ترى في الدولة إلا "كعكة" للاقتسام لا كياناً للبناء.
إن صدمة الحداثة هذه قد أنهت الهيمنة العثمانية التي كانت تمثل حالة من "الاستعمار باسم الدين"، حيث كان الولاء للسلطان والخليفة يغني عن الولاء للوطن أو للعلم. وبانهيار هذا النظام التقليدي أمام القوة الأوروبية، انفتح باب السؤال الوجودي الكبير: "لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن؟". هذا السؤال لم يكن ليطرح لولا تلك الصدمة التي هزت أركان العقل العربي الذي كان يظن أن "الله معه" وأن النصر مضمون بالدعاء والغيبيات. لقد اتضح للعيان أن سير التاريخ لا يحابي من يكتفي بالإيمان السلبي، بل يقف مع من يمتلك عقلاً علمياً تجريبياً ويحسن استغلال الأدوات المادية الأقوى. إن اكتشاف أن الحقيقة لا توجد فقط في النصوص القديمة، بل توجد أيضاً في المختبر وفي مراقبة النجوم وفي دراسة قوانين الحركة، كان هو الانقلاب الفكري الأهم الذي أحدثه الاحتكاك بالغرب.
لقد فتح الاستعمار عقول الناس على العالم، ونشر أفكاراً جديدة حول الدولة، والقانون، والمواطنة، والعلوم الحديثة. وبالرغم من أن الغرض الأساسي كان خلق طبقة من الموظفين المحليين لخدمة الإدارة الاستعمارية، إلا أن هؤلاء الموظفين والطلاب الذين أرسلوا في بعثات هم من شكلوا لاحقاً طليعة التنوير الذين حاولوا نقل المنهج العلمي إلى مجتمعاتهم. إن الفارق بين الإدارة الاستعمارية وإدارات ما بعد الاستقلال يكمن في "العقلانية"؛ فالمستعمر كان يعرف أن القوة تستمد ديمومتها من النظام والكفاءة، بينما سقطت الكثير من دول المنطقة بعد رحيله في فخ العواطف القومية الجوفاء التي تغطي على فساد إداري وبنيوي مرعب. لقد تحول الاستقلال في كثير من الأحيان من تحرر حقيقي إلى "استعمار داخلي" تمارسه نخب محلية لا تمتلك عقلية المستعمر التنظيمية ولا انتماء المواطن الحقيقي، بل مارست أسوأ ما في الاستعمار وهو الاستنزاف، وأهملت أفضل ما فيه وهو العقلانية والتدبير.
في الختام، يظل الاستعمار تجربة قاسية ومريرة في تاريخ الشعوب، لكن إنكاره كعامل تحديث "قسري" هو إنكار لواقع مادي ملموس. لقد كان المرآة التي رأى فيها العرب قبح تخلفهم وهشاشة بنائهم الفكري القائم على الأساطير. إن الدرس الذي لم تستوعبه الكثير من دول المنطقة حتى الآن هو أن القوة التي مكنت المستعمر من الدخول ليست في مدافعه فقط، بل في الطريقة التي يفكر بها؛ الطريقة التي تحول المادة إلى طاقة، والمعلومة إلى سلاح، والوقت إلى ثروة. إن مواجهة العوائق الثقافية المتمثلة في الخرافة، والعوائق السياسية المتمثلة في الاستبداد، هي السبيل الوحيد لإتمام ما بدأته "صدمة الحداثة" ولكن هذه المرة بإرادة وطنية عقلانية تدرك أن الله، في قوانين التاريخ، ينصر الدولة العادلة والعلمية وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة والجاهلة وإن كانت مؤمنة.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...