.
.
تسفيه الدنيا كجيفة: أثر الزهد القسري على التخلف الحضاري وفصام ونفاق النخبة الدينية
تبدأ جذور الانحطاط الحضاري في أي أمة من اللحظة التي يتم فيها ضرب العلاقة العضوية بين الإنسان وبين واقعه المادي، حيث يُدفع الفرد دفعاً نحو ازدراء الوجود الذي يعيشه لصالح غيب مجهول لا يمكن إثباته. في المنظومة الإسلامية، مورس هذا النوع من التجريف الذهني عبر قرون من خلال نصوص وأدبيات دأبت على وصف الحياة الدنيا بأنها "لعب ولهو"، وبأنها "متاع الغرور"، بل ووصل الأمر في الأدبيات الوعظية إلى وصف الدنيا بأنها "جيفة" لا يلهث وراءها إلا الكلاب. هذا التسفيه الممنهج للحياة لم يكن مجرد دعوة روحية للسمو، بل كان معولاً هدم القيم البنائية في المجتمعات، حيث أدى هذا الزهد القسري إلى خلق أجيال معطلة تنظر إلى العلم والفن والعمل كأنها أنشطة هامشية أو حتى رجس من عمل الشيطان، مما ألقى بهذه المجتمعات خارج سياق الزمن والتطور البشري الحديث، وجعلها تعيش في حالة من الانتظار السلبي للموت كبوابة وحيدة للخلاص والنعيم.
إن الأثر النفسي والاجتماعي لوصف الحياة بأنها زائلة ولا قيمة لها يخلق حالة من "العدمية المؤمنة"؛ فالإنسان الذي يقتنع بأن كل مجهود يبذله في إعمار الأرض هو مجهود ضائع في "دار فناء"، سيفقد بالضرورة الحافز نحو الاكتشاف العلمي أو الإبداع الفني. العلم يتطلب إيماناً بقيمة المادة وقوانينها، والفن يتطلب تقديساً للجمال الحسي واللحظة الآنية، بينما الزهد الإسلامي يرى في هذه الأمور ملهيات عن "الغاية الكبرى". هذا التوجه أنتج عقولاً ترى في البحث عن علاج لمرض أو في اختراع آلة نوعاً من الركون إلى الدنيا، مما جعل المجتمعات الإسلامية مجرد مستهلك عالة على ما تنتجه الحضارات التي قدست الحياة وعظمت من شأن التجربة البشرية على الأرض. لقد تحول الموت في هذه المنظومة من نهاية بيولوجية إلى "هدف أسمى"، وصار الانشغال بالآخرة ذريعة للهروب من استحقاقات الحاضر، وهو ما يفسر الفجوة الهائلة بين هذه المجتمعات وبين ركب التطور الذي يزداد اتساعاً كلما انغمس الناس في "ثقافة المقابر".
المفارقة الصادمة، والتي تكشف عمق النفاق في هذه المنظومة، تكمن في سلوك "سدنة الموت" أنفسهم، أي الشيوخ والوعاظ الذين يحثون الناس على الزهد والجهاد وازدراء الدنيا. بينما يغسلون أدمغة الشباب ليدفعوا بهم إلى ساحات القتل أو الانتحار تحت مسمى "إعلاء راية الإسلام"، نجد أن هؤلاء الشيوخ هم أكثر الناس لهثاً وراء ملذات هذه الدنيا التي يصفونها بالجيفة. إننا أمام طبقة كهنوتية تمارس "الانفصام الأخلاقي" بأبشع صوره؛ فهم يبنون إمبراطوريات مالية ضخمة من عرق وتبرعات البسطاء الذين أقنعوهم بأن المال شر وزينة زائلة. ولعل ما كُشف عن إمبراطورية محمد حسان المالية يمثل النموذج الصارخ لهذا التحايل؛ حيث تُجمع الأموال تحت ستار "نصرة الدين" لتتحول إلى أرصدة وعقارات وسيارات فارهة، بينما يظل الأتباع في فقرهم ينتظرون كنوز الجنة. هؤلاء الوعاظ لم يرسلوا يوماً ابناً لهم ليفجر نفسه أو ليقاتل في جبهات "الجهاد" التي ينظرون لها، بل يرسلون أبناءهم إلى أرقى جامعات الغرب "الكافر" في نظرهم، ليضمنوا لهم حياة دنيوية رغدة ومستقبلاً آمناً بعيداً عن الجحيم الذي يزرعونه في نفوس أبناء الفقراء.
هذا الفصام يتجاوز المال ليصل إلى الشهوات الحسية التي يزعمون الزهد فيها. ففي الوقت الذي يُطلب فيه من الشاب المسلم أن يكبت غرائزه وينتظر "الحور العين" في الجنة، نجد وعاظاً مثل محمد حسين يعقوب يلهثون خلف الزيجات المتكررة التي فاقت العشرين، مع تركيز مهووس على الفتيات الصغيرات السن، مما يكشف أن "الدنيا" في نظرهم ليست جيفة كما يدعون، بل هي فرصة للاستمتاع بكل ما لذ وطاب من الملذات الجسدية. إنهم يبيعون "الوهم الأخروي" للجماهير ليشتروا به "الواقع الدنيوي" لأنفسهم. هذا التناقض ليس مجرد سقطات فردية، بل هو جزء من بنية "الاستثمار في الدين"، حيث يعمل الشيخ كتاجر يبيع الموت للآخرين ليعيش هو حياة البذخ، مستغلاً جهل العامة الذين تم تعطيل عقولهم عبر التلقين والحفظ الصم وازدراء المنطق.
ولعل الحالة الأكثر فجاجة في هذا السياق هي حالة الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي كان يمثل الأب الروحي لهذا الزهد المزيف. لقد وصل الأمر بهذا الشيخ إلى حد الإفتاء بحرمة غسيل الكلى وبحرمة التداوي لبعض المرضى، متسائلاً بنوع من السادية "لماذا تمنعونه من لقاء ربه؟"، محرضاً الناس على الاستسلام للموت بحجة الرضا بالقضاء والقدر. ومع ذلك، عندما اعتلت صحته هو شخصياً، لم يهرع إلى "لقاء ربه" ولم يكتفِ بالدعاء في زاويته، بل طار إلى مستشفيات الغرب المتقدمة، مستخدماً العلم الذي يزدريه والأطباء الذين لا يؤمنون بخرافاته، لينقذ حياته "الفانية". هذا السلوك يختصر المأساة كلها؛ الموت للفقراء والبسطاء والجهلة، والحياة والطب والرفاهية للشيوخ الذين يزرعون الموت. إنهم يدركون تماماً أن الحياة هي اليقين الوحيد، لكنهم يخفونها عن الناس ليظلوا مسيطرين على عقولهم وأموالهم.
إن أثر هذا الخطاب المزدوج على التطور الحضاري كان تدميرياً؛ فالمجتمعات التي تُقاد بواسطة وعاظ يعبدون المال واللذة سراً ويمجدون الفناء علناً، هي مجتمعات تفقد بوصلتها الأخلاقية والمعرفية. العلم في هذه البيئات يُنظر إليه بريبة، والفنون تُحارب بدعوى أنها من مفسدات القلب، مما أدى إلى تجريف كامل للساحة الثقافية. الإنسان الذي يتربى على أن "الآخرة خير وأبقى" بطريقة سلبية، لن يسعى أبداً لاختراع تقنية جديدة أو لتحسين نظام سياسي أو لبناء مؤسسة علمية، لأنه يرى في كل ذلك "بناءً فوق الرمال". هذا الزهد القسري حول هذه الدول إلى مجرد بقايا حضارة، تعيش على هامش التاريخ، تستورد غذاءها ودواءها وسلاحها من أمم "عشقت الدنيا" فأبدعت فيها، بينما تكتفي هي بالدعاء على هؤلاء في صلواتها، في مفارقة مضحكة مبكية تعكس عمق التخلف والضياع.
إن التحرر من هذا السجن الذهني يتطلب أولاً فضح النفاق البنيوي لهذه النخبة الدينية، والاعتراف بأن "تسفيه الدنيا" هو سلاح سياسي واجتماعي بامتياز يُستخدم لتدجين الجماهير ومنعها من المطالبة بحقها في حياة كريمة وعادلة. الحياة ليست جيفة، بل هي الفرصة الفريدة لكل إنسان ليترك أثراً، وليبني، وليكتشف. إن المجتمعات التي تخرج من "فخ الزهد" وتعيد الاعتبار لقيمة العمل والعلم والتمتع بالوجود هي فقط التي تستطيع اللحاق بركب الحضارة. أما البقاء تحت سلطة وعاظ يبيعون الموت ويشترون القصور، فهو انتحار جماعي بطيء. إن الشعراوي وحسان ويعقوب وأمثالهم ليسوا سوى تجار في سوق الأوهام، يستخدمون النص الديني كأداة للتحيل المادي والعاطفي، بينما يظل ضحاياهم غارقين في التخلف، ينتظرون موتاً وُعدوا بأنه "عرس"، بينما هو في الحقيقة مجرد نهاية لفرصة ضائعة في حياة لم يعيشوها بسبب خرافات هؤلاء الكهنة.
في الختام، يظل التحدي الأكبر أمام العقل المعاصر هو إعادة "أنسنة" الحياة وتقديس الوجود الأرضي. إن كسر احتكار الشيوخ للحقيقة وفضح تهافتهم على ملذات الدنيا التي يحرمونها على غيرهم، هو الخطوة الأولى لتجفيف منابع التخلف. لا يمكن لأمة أن تنهض وهي ترى في الموت غاية، وفي الجسد نجاسة، وفي الدنيا جيفة. إن الحضارة هي ابنة "حب الحياة"، والزهد القسري هو ابن "اليأس والتبعية". العالم الحديث لا يحترم إلا من يحترم حياته ويستثمر في عقله، أما الذين ينتظرون الموت ليعيشوا، فسيبقون دائماً في ذيل القافلة، يتجرعون مرارة التخلف بينما يشاهدون وعاظهم يتنعمون بذهب الدنيا وفتياتها، في أكبر عملية نصب عرفها التاريخ البشري باسم السماء. إن استعادة قدسية الحياة هي المعركة الحقيقية، وهي الطريق الوحيد للخروج من نفق الموت المظلم الذي حشرنا فيه سدنة المصحف والسيف وتجار الغيب.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire