Translate

ثنائية الخرافة والعقل: العائق غير المرئي وانحياز التاريخ للمنهج التجريبي (مقال)

.

.
ثنائية الخرافة والعقل: العائق غير المرئي وانحياز التاريخ للمنهج التجريبي




تظل جدلية العقل والخرافة الواجهة الأكثر عمقاً في الصراع الحضاري الذي خاضته البشرية عبر تاريخها الطويل، وهي ليست مجرد صراع فكري بين نقيضين، بل هي الصدام الجوهري الذي يحدد مصير الأمم بين الصعود نحو السيادة أو السقوط في قاع التبعية. إن قراءة مسار التاريخ البشري تكشف بوضوح عن حقيقة صارمة قد تبدو صادمة للذهنية التقليدية، وهي أن التاريخ، في موازينه المادية والجيوستراتيجية، لا ينحاز لمن يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة أو من يرى نفسه صاحب الحق الأخلاقي أو الديني الأسمى، بل ينحاز دوماً وبشكل حاسم لمن يمتلك "المنهج التجريبي" والقدرة على تطويع قوانين المادة لصالح الفعل البشري. إن العائق غير المرئي أمام أي نهضة حقيقية في المنطقة الناطقة بالعربية ليس نقص الموارد أو التآمر الخارجي فحسب، بل هو تلك البنية الذهنية التي لا تزال تراوح مكانها بين "الغيبي" الذي ينتظر المعجزة و"العقلاني" الذي يصنع الواقع، وهي ثنائية تفسر لماذا انتصر "المادي" الغربي ببراغماتيته على "الغيبي" الشرقي بسكونيته في ميزان القوى العالمي.
لقد شكلت القدرية والتواكل على مر القرون أدوات قتالة لتعطيل الفعل البشري في المجتمعات التي تخلت عن المنهج العلمي لصالح التفسيرات الغيبية المريحة. فعندما يتحول الإيمان من قوة دافعة للعمل والاستخلاف في الأرض إلى "درع زائف" يُفسر الفشل بكونه قضاءً وقَدراً لا يمكن دفعه، فإننا نكون أمام حالة من الانتحار الجماعي للعقل. إن العقلية القدرية ترى في الكوارث الطبيعية، والأوبئة، وحتى الهزائم العسكرية، إشارات ما ورائية لا تستوجب البحث في الأسباب المادية المباشرة، بل تستوجب الاستسلام وانتظار الخلاص الغيبي. هذا التواكل لم يكن مجرد سلوك فردي، بل تحول إلى "ثقافة مؤسساتية" عطلت ملكات النقد والتحليل، وجعلت من الإنسان كائناً سلبياً يرى أن حركة التاريخ تُدار بعيداً عن إرادته وعمله المادي. في المقابل، نجد أن النهضة الغربية بدأت فعلياً عندما تجرأ العقل على سحب الطبيعة من حقل "المقدس الغامض" إلى حقل "المختبر القابل للفهم والقياس"، حيث استبدل الإنسان الأوروبي السؤال بـ "لماذا حدث هذا غيبياً؟" بالسؤال بـ "كيف يعمل هذا مادياً؟"، وهذا الانتقال البسيط في صياغة السؤال كان هو الشرارة التي أحرقت غابات الخرافة وأضاءت دروب الثورة الصناعية.
إن انتصار "المادي" الغربي على "الغيبي" الشرقي لم يكن انتصاراً لجوهر إنساني على آخر، بل كان انتصاراً لـ "المنهج" على "الادعاء". فالغرب لم ينتصر لأنه يمتلك أخلاقاً أسمى، بل لأنه امتلك "عقلانية باردة" تدرك أن قوانين الفيزياء لا تحابي أحداً، وأن البارود لا يشتعل بالدعاء بل بالتركيبة الكيميائية الصحيحة، وأن السفن لا تجري في البحر بفضل النوايا الحسنة بل بفضل قوانين الإزاحة وتصميم الهياكل. هذا الإدراك المادي جعل الغرب يتحرك وفق "الواقعية السياسية" و"الجدوى الاقتصادية"، بينما ظل الشرق يقتات على أوهام "المركزية الكونية" واعتبار نفسه محور العناية الإلهية التي ستتدخل في اللحظة الأخيرة لإنقاذه من عثراته. هذا التباين خلق فجوة حضارية هائلة؛ فبينما كان العلم في الغرب يولد القوة، كان الجهل في الشرق يولد الاستبداد والفقر. إن التاريخ لا يسجل أسماء من تمنوا الخير للعالم، بل يسجل أسماء من امتلكوا الأدوات الأقوى لتحويل الواقع، وهذا الدرس القاسي هو ما أثبتته صدمة الاستعمار التي كشفت أن "الحقيقة المطلقة" التي كان يدعيها الشرق لم تحمه من المدافع التي صنعها "العقل التجريبي" الغربي.
تتجلى أهمية العقلانية في بناء اقتصاد ومجتمع قوي في كونها تخرج الفعل الإنساني من دائرة الصدفة والمعجزات إلى دائرة التخطيط والتراكم. فالاقتصاد القوي لا يبنى على "البركة" أو "الحظ المالي" المرتبط بارتفاع أسعار الموارد الطبيعية، بل يبنى على معرفة دقيقة بآليات الإنتاج، وسلاسل التوريد، والابتكار التقني المستمر. المجتمع العقلاني هو المجتمع الذي يقدس "المؤسسة" لأنها كيان مادي عابر للأفراد، وليس المجتمع الذي يقدس "البطل المنقذ" أو "الولي" الذي يُنتظر منه حل المشكلات بلمسة سحرية. إن بناء الدول الحديثة يتطلب "برمجة" اجتماعية قائمة على السببية؛ أي أن لكل نتيجة مقدمات مادية تؤدي إليها بالضرورة، وهذا يعني أن التعليم يجب أن يكون مخبراً للعقل لا مخزناً للذاكرة، وأن السياسة يجب أن تكون فناً لإدارة الممكن والمتاح لا خطابة في العواطف والغيبيات. عندما يدرك المجتمع أن رفاهيته مرتبطة بمستوى إنتاجيته العلمية وليس بمدى تمسكه بطقوس خرافية، فإنه يبدأ أولى خطواته نحو السيادة الحقيقية.
إن العائق غير المرئي أمام النهضة العربية اليوم يكمن في ذلك الصراع الداخلي بين رغبتنا في امتلاك منتجات الحداثة ورفضنا لامتلاك "روحها العقلانية". نحن نريد السيارة والطائرة والدواء، لكننا نرفض المنهج الفكري الذي أنتجها لأنه يصدم قناعاتنا الغيبية الراسخة. هذا التناقض يخلق مجتمعات مستهلكة مادياً لكنها "مستعمرة" فكرياً، لأنها لا تزال تنتج نفس الخطاب الذي يبرر العجز ويقدس السكون. إن الانحياز للمنهج التجريبي يعني الشجاعة في إخضاع كل المسلمات للنقد، والاعتراف بأن التجربة هي الحكم الوحيد على صحة الأفكار في عالم المادة. لا يمكن لأمة أن تنهض وهي لا تزال تعتقد أن الحلول لمشاكل الفقر والمرض والاستبداد تأتي من خارج دائرة الفعل البشري المنظم والعلمي. إن الله، وفق سنن الكون المادية، قد استخلف الإنسان في الأرض وزوده بالعقل كأداة وحيدة للفهم والتغيير، وكل محاولة للالتفاف على هذا العقل عبر الخرافة هي في جوهرها تعطيل للمشيئة الإلهية التي أرادت للإنسان أن يكون صانعاً لقدره بعمله وعلمه.
في الختام، إن معركة النهضة هي في جوهرها معركة "تحرير العقل" من قيود الميتافيزيقيا التعطيلية. التاريخ لا يرحم الضعفاء، والضعف في العصر الحديث ليس نقصاً في العضلات بل نقصاً في "المنهج العلمي". إن العالم الذي نعيش فيه اليوم هو عالم "المادة والمنطق"، ومن أراد أن يكون له مقعد في صياغة مستقبل البشرية، فعليه أن يترك "الحقيقة المطلقة" في حيز الإيمان الفردي، وينزل إلى ساحة "الحقيقة التجريبية" التي تبني المصانع، وتطور الأدوية، وتصون كرامة الإنسان عبر القوة المادية والعقلانية. إن النهضة ليست "معجزة" ننتظرها، بل هي "معادلة" نكتب أطرافها بوعينا وعملنا، والتاريخ سيبقى دائماً منحازاً لمن يحسن حل هذه المعادلة بلغة العقل لا بلغة الخرافة.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...