.
.
جدلية الثقافة والسياسة: تحالف السلطة والخرافة في حماية حصون التخلف
تعد العلاقة بين البنية الثقافية للمجتمع وطبيعة النظام السياسي الحاكم واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً وتشابكاً في مسيرة الشعوب نحو النهضة أو الانحدار، فهي ليست علاقة تجاور بسيط، بل هي علاقة عضوية تبادلية يتغذى فيها الاستبداد السياسي على الركود الثقافي، وتنمو فيها الخرافة في ظل القمع. إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه عند تأمل واقع الكثير من المجتمعات الناطقة بالعربية هو: من يحمي التخلف؟ وهل التخلف مجرد حالة طبيعية ناتجة عن نقص الموارد، أم أنه "صناعة" واعية ومنظمة تشترك فيها النخبة السياسية الشمولية مع الوعي الجمعي الغارق في الغيبيات؟ إن تحليل هذا الخليط الهجين يكشف عن وجود "تحالف غير مكتوب" بين السلطة التي تسعى للبقاء الأبدي وبين الفكر الخرافي الذي يقدم لها الغطاء المعرفي والشرعية الغيبية، مما يخلق سداً منيعاً أمام أي محاولة للتحديث العقلاني أو الإصلاح المؤسسي الحقيقي، ويجعل من التخلف حصناً محمياً بأدوات السياسة وقداسة الخرافة في آن واحد.
تبدأ ملامح هذا التحالف في البروز عندما تجد السلطة الشمولية نفسها عاجزة عن تقديم إنجازات مادية ملموسة على أرض الواقع، سواء في الاقتصاد أو التنمية أو الحريات، فتلجأ حينها إلى استدعاء "الخرافة الدينية" والغيبيات لتبرير الفشل وتحويله من إخفاق سياسي إلى قضاء وقدر إلهي. في هذا السياق، لا يعود الفقر نتاجاً لسوء الإدارة أو الفساد الهيكلي، بل يصبح "ابتلاءً" يختبر به الله عباده، ولا تعود الهزائم العسكرية ناتجة عن خلل في المنهج العلمي أو ضعف في التخطيط، بل تصبح عقاباً إلهياً على "الابتعاد عن الطريق" أو مجرد جولة في صراع كوني لا يحسمه العقل بل المعجزات. إن توظيف الخرافة هنا يؤدي وظيفة "المخدر الاجتماعي" الذي ينقل المواطن من مربع المحاسبة والمطالبة بالحقوق إلى مربع الاستسلام والتسليم، وبدلاً من أن يوجه الشعب غضبه نحو الحاكم الفاشل، يوجهه نحو ذاته في جلد ذاتي مستمر أو ينتظر الفرج من السماء. هذه الاستراتيجية لا تحمي السلطة من المساءلة فحسب، بل تمنحها شرعية "غيبية" تجعل من معارضتها خروجاً عن الإرادة العليا، مما يكرس الاستبداد كضرورة لحماية "الدين" أو "الفضيلة" في مواجهة مؤامرات متخيلة.
ولا يتوقف دور السلطة عند توظيف الخرافة القائمة، بل يمتد ليشمل "تجهيل التعليم" كاستراتيجية بقاء بعيدة المدى تضمن إعادة إنتاج التخلف بشكل آلي. إن الأنظمة الشمولية تدرك جيداً أن العقل العقلاني، النقدي، والتجريبي هو العدو الأول لاستقرارها، لأن هذا العقل يسأل عن الأرقام، ويحلل الجدوى، ويرفض التفسيرات الغيبية للأزمات المادية. لذلك، يتم إفراغ المؤسسات التعليمية من جوهرها التنويري وتحويلها إلى معامل لتلقين المعلومات وتكريس الطاعة والولاء. يتم التركيز في المناهج على الحفظ والاستظهار بدلاً من التحليل والاستنتاج، ويتم تهميش العلوم الفلسفية والمنطقية والعلوم التجريبية الصارمة لصالح مواد تكرس التواكل والقدرية والانسياق وراء "النقل" على حساب "العقل". هذا التجهيل المتعمد يخلق أجيالاً تمتلك شهادات جامعية لكنها تفتقر إلى "الأدوات العقلية" التي تمكنها من فهم العالم المعاصر، مما يجعلها لقمة سائغة للدعاية السلطوية أو للفكر المتطرف الخرافي، وكلاهما يخدم في النهاية استمرار النظام القديم عبر تغييب الوعي بالحقوق والواجبات المدنية المبنية على العقل والمنطق.
إن هذا الخليط بين القمع السياسي والركود الثقافي يخلق حالة من "الانسداد التاريخي" تضعنا أمام معضلة التغيير: هل يبدأ الإصلاح من "تثوير العقول" وبناء إنسان عقلاني يؤمن بالمنهج التجريبي، أم يبدأ من "إصلاح المؤسسات" السياسية والقانونية؟ إن وجهة النظر الواقعية تشير إلى أن الطريقين لا ينفصلان، لكن الأولوية الفلسفية تظل لصالح "العقل". فالمؤسسات، مهما بلغت دقتها في التصميم، تظل مجرد هياكل ميتة إذا لم يدب فيها روح العقلية العقلانية؛ فالديمقراطية في مجتمع غارق في الخرافة والقبلية والتبعية الغيبية قد تتحول إلى أداة لشرعنة الاستبداد أو لإيصال القوى الأكثر تخلفاً إلى سدة الحكم. وبالمقابل، فإن تثوير العقول في ظل نظام قمعي يواجه صعوبات هائلة، حيث يتم خنق كل بادرة تنويرية. ومع ذلك، يظل الرهان على "بناء العقل" هو الرهان الأكثر ديمومة، لأن العقل الذي يدرك قوانين المادة ومنطق التاريخ هو الذي سيفرض في النهاية إصلاح المؤسسات، وهو الذي سيمنع تحولها إلى ملكية خاصة للأفراد أو الأتباع. إن بناء مجتمع قوي لا يعتمد على الصدفة أو المعجزات يتطلب شجاعة في مواجهة الخرافة، وتحويل "العقلانية" من صفة للنخبة إلى ممارسة يومية للمواطن البسيط في عمله وتفكيره وحياته السياسية.
إن التخلف في منطقتنا ليس قدراً حتمياً، بل هو نتيجة لغياب المنهج العلمي في إدارة الشأن العام والخاص على حد سواء. إن السلطة التي تحمي التخلف هي سلطة تدرك أن نهايتها مرتبطة بيقظة العقل، والثقافة التي تقدس الغيبيات هي ثقافة توفر للسلطة أقوى أسلحتها. لذا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في صناديق الاقتراع أو في الميادين، بل هي في قاعات الدرس، وفي صفحات الكتب، وفي المختبرات، وفي كيفية تفسيرنا للظواهر من حولنا. إن الانتقال من "عصر الخرافة" إلى "عصر العقل" يتطلب قطيعة معرفية مع كل أشكال التواكل والقدرية، وتبني المنهج التجريبي كحكم وحيد في عالم المادة والسياسة. إن التاريخ لا يحمي من يكتفي بالدعاء، بل ينحاز لمن يمتلك الأدوات الأقوى ويحسن استعمالها بعقل بارد ومنطق سليم. إن "تثوير العقول" هو الشرط المسبق والضروري لضمان أن يكون "إصلاح المؤسسات" إصلاحاً حقيقياً وباقياً، لا مجرد تغيير في الوجوه مع بقاء نفس العقلية الاستنزافية الخرافية التي أضاعت قروناً من عمر المنطقة.
في الختام، إن جدلية الثقافة والسياسة تكشف لنا أن التحرر الحقيقي هو تحرر من "الخوف" و"الخرافة" معاً. إن السلطة الشمولية والخرافة الغيبية وجهان لعملة واحدة هي عملة "تغييب الإنسان". ولن تشرق شمس النهضة إلا عندما يدرك المجتمع أن مصيره بيد عقله وعمله، لا بيد سلطان جائر ولا بمعجزة منتظرة. إن كسر هذا الحلف المقدس بين المستبد والخرافي هو المهمة التاريخية الكبرى لكل مثقف وعالم وصانع قرار يؤمن بأن الإنسان العربي يستحق أن يعيش في رحاب الحقيقة العلمية والعدالة المؤسسية، بعيداً عن أوهام الغيب وقبضة القمع. إن العقل هو الميزان، والتجربة هي البرهان، وما دون ذلك هو استمرار في تيه التخلف الذي لا يحمي أحداً سوى أعداء الحياة والعقل.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire