.
.
"لو كان الأمر مقلوباً": قراءة في فرضية القوة ونوايا الإبادة
إن الجدل الدائر في الأروقة السياسية والحقوقية العالمية حول مفهوم "الإبادة الجماعية" في سياق النزاعات الشرق أوسطية المعاصرة، وتحديداً في المواجهة بين إسرائيل والجماعات الإرهابية المدعومة من محاور أيديولوجية راديكالية، يمثل واحدة من أكبر المعضلات الفكرية التي يواجهها العقل الحديث. تكمن هذه المعضلة في الانفصام الصارخ بين الواقع الميداني وبين التوصيف القانوني والأخلاقي الذي تحاول البروباغندا العالمية فرضه. لكي نفهم حقيقة ما يحدث، لا بد من الخروج من حيز العاطفة الآنية والدخول في فضاء التحليل المقارن لنوايا الإبادة، وذلك عبر طرح تساؤل افتراضي وجوهري: ماذا لو كانت موازين القوى مقلوبة؟ إن الإجابة على هذا التساؤل تتطلب تفكيكاً عميقاً لسلوك الدول المؤسساتية مقابل سلوك الجماعات المسلحة، ليس بناءً على الشعارات المرفوعة، بل بناءً على العقيدة القتالية والممارسة الفعلية للقوة في لحظات الضعف والقوة على حد سواء.
يبدأ التحليل بنقد موضوعي لمصطلح "الإبادة الجماعية" الموجه ضد إسرائيل، والذي يمثل في جوهره تزييفاً فجاً للواقع العسكري والديموغرافي. إن مفهوم الإبادة في القانون الدولي يستوجب وجود "نية خاصة" للقضاء الكلي أو الجزئي على جماعة عرقية أو دينية. وعند النظر إلى السلوك الإسرائيلي، نجد أننا أمام دولة تمتلك تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً كاسحاً، وقدرة تدميرية قادرة على مسح مساحات جغرافية شاسعة في غضون ساعات قليلة. ومع ذلك، نرى أن الدولة تمارس نوعاً من ضبط النفس الاستراتيجي الذي يمليه انتماؤها للمنظومة الدولية وقيمها المؤسساتية. إن استمرار وجود ملايين الفلسطينيين في غزة والضفة، بل وزيادتهم العددية المطردة على مدار العقود الماضية، يتناقض جذرياً مع تعريف الإبادة. فالمبيد لا يحذر المدنيين قبل القصف، ولا يفتح ممرات إنسانية، ولا ينسق لإدخال المساعدات الغذائية والطبية لخصمه في عز المعركة. لذا، فإن استخدام هذا المصطلح ليس إلا أداة في "حرب الروايات" لقلب الأدوار الأخلاقية، وتحويل المدافع عن وجوده إلى جلاد، في محاولة لنزع الشرعية عن حق الدولة في حماية مواطنيها.
وعند الانتقال إلى الاستشراف العسكري لفرضية "قلب الأدوار"، نجد أنفسنا أمام سيناريوهات مرعبة لمحو شامل. ماذا لو امتلكت جماعات مثل حماس أو الجهاد الإسلامي، أو حتى تنظيمات عابرة للحدود مثل داعش، قوة الردع التي تمتلكها إسرائيل اليوم؟ إن الإجابة لا تحتاج إلى تخمين، بل تظهر بوضوح في "ميثاق" هذه الجماعات وفي سلوكها الميداني المحدود بقدراتها الحالية. هذه الجماعات لا تؤمن بحدود الدولة الوطنية ولا بالتعددية، وعقيدتها قائمة على إفناء الآخر المختلف أيديولوجياً أو دينياً. لو امتلكت حماس سلاح الجو الإسرائيلي أو قدراته الصاروخية الدقيقة، لكانت المدن الإسرائيلية قد سويت بالأرض منذ اليوم الأول، ولتمت تصفية كل من لا ينتمي لمعسكرها دون تمييز بين طفل وشيخ. إن الفرق الجوهري هنا هو أن إسرائيل تمتلك القدرة ولا تملك النية للإبادة الكلية، بينما تملك الجماعات الإرهابية النية الصريحة والمقدسة للإبادة لكنها تفتقر حالياً للقدرة العسكرية الشاملة. هذا التناقض هو ما يغفل عنه الناعقون بالبروباغندا الغربية، الذين يتجاهلون أن ضعف القوة لدى الإرهابي لا يعني سمواً أخلاقياً، بل هو مجرد عجز تقني يمنعه من تنفيذ مجزرته الكبرى.
ويتجلى الفارق البنيوي أيضاً في التمييز بين "الضرر الجانبي" في الحروب النظامية وبين "الاستهداف المباشر" في عقيدة الجماعات المسلحة. في الحروب التي تخوضها الدول المؤسساتية، يظل المدني عائقاً عملياتياً يحاول الجيش تحييده لتقليل الكلفة الأخلاقية والدبلوماسية، ويكون سقوط الضحايا نتيجة حتمية للتموضع العسكري للخصم داخل التجمعات السكانية، وهو ما يُعرف بالضرر الجانبي الذي يفرضه واقع الميدان. أما في عقيدة الجماعات الإرهابية، فإن المدني الإسرائيلي هو "هدف أولي" بحد ذاته. إن الصواريخ البدائية والعبوات الناسفة والعمليات الانتحارية لا تهدف إلى تدمير رادار أو قاعدة عسكرية، بل تهدف إلى قتل أكبر عدد ممكن من الأبرياء في الحافلات والمقاهي والبيوت. بالنسبة للإرهابي، لا يوجد مدني في الطرف الآخر، بل كفار أو أعداء تجب تصفيتهم. هذا القلب للمفاهيم يجعل من الصعب إجراء مقارنة أخلاقية متكافئة؛ فالدولة تقاتل لتدمير "القدرة" العسكرية للخصم، بينما تقاتل الجماعة المسلحة لتدمير "الوجود" الإنساني للآخر.
هذا النزوع نحو التدمير الكلي ليس محصوراً في فصيل بعينه، بل هو سمة مشتركة تجمع بين الإرهاب السني والشيعي، رغم صراعاتهما البينية. هناك وحدة هدف واضحة في تدمير "الآخر" الذي يمثل القيم الليبرالية أو التحالف مع الغرب. النظام الإيراني وأذرعه الشيعية، تماماً مثل الحركات السلفية الجهادية السنية، يرون في وجود دولة يهودية ديمقراطية في قلب الشرق الأوسط "غدة سرطانية" يجب استئصالها. هذا الاستئصال ليس سياسياً فحسب، بل هو تطهير ديموغرافي وديني شامل. إن ما فعله داعش بالإيزيديين والمسيحيين، وما تفعله الميليشيات التابعة لإيران في سوريا والعراق من تغيير ديموغرافي قسري، هو "بروفة" مصغرة لما قد يفعله هؤلاء لو تمكنوا من موازين القوى الكبرى. إنهم لا يفرقون في عدائهم بين اليهودي والمسيحي والمسلم الليبرالي، فالكل أهداف مشروعة في حرب استرداد "الأمجاد" الغيبية. لذا، فإن فرضية "لو كان الأمر مقلوباً" تكشف أن العالم سيواجه كارثة إنسانية لم يشهدها التاريخ منذ الحرب العالمية الثانية لو سقطت التكنولوجيا والسلاح المتطور في يد هؤلاء المهووسين بالمقدس التدميري.
إن استمرار البروباغندا في تصوير الإرهابيين كضحايا مظلومين هو فعل متعمد يهدف إلى شل قدرة العقل الغربي عن رؤية الخطر القادم. هؤلاء الغربان الذين ينعقون في الجامعات الأمريكية والأوروبية يدافعون عن أيديولوجيات لو وصلت للحكم لكانت أول من يعلقهم على المشانق. إنهم يتجاهلون أن إسرائيل هي خط الدفاع الأول عن قيم التنوير والحياة في مواجهة ثقافة تمجد الموت وتستثمر في الجثث. إن نية الإبادة موجودة في صلب الخطاب الإرهابي، ويتم التعبير عنها يومياً في المنابر والمناهج التعليمية في غزة وطهران، بينما يتم اتهام الدولة التي تبني الملاجئ وتحمي مواطنيها وتلتزم بقواعد الاشتباك الصارمة بالإبادة. هذا النفاق ليس جهلاً بالمعايير، بل هو انحياز أيديولوجي ضد النجاح الغربي وضد الوجود اليهودي في أرضه التاريخية.
وفي الختام، إن القراءة في فرضية القوة ونوايا الإبادة تخلص إلى حقيقة واحدة: إن السلام والاستقرار في هذه المنطقة والعالم يعتمدان على بقاء القوة المتفوقة في يد الدول التي تحترم القانون المؤسساتي وتخضع للمساءلة والرقابة. إن سقوط هذه القوة في يد قوى الظلام والأنفاق سيعني نهاية الحضارة كما نعرفها. "لو كان الأمر مقلوباً"، لما بقي هناك من يكتب مقالاً، ولا من يرفع شعاراً، ولا من يتباكى على حقوق الإنسان، لأن ثقافة السيف والدم لا تترك وراءها سوى الصمت والخراب. إن الدفاع عن سردية الحق في القوة لمواجهة نية الإبادة هو الواجب الأخلاقي الأول في عصر اختلطت فيه المفاهيم وضاعت فيه الحقيقة تحت ركام التضليل الإعلامي المنظم.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire