.
.
"Lawfare": التوظيف القانوني والإعلامي للمظلومية في غزة
يمثل مفهوم "الحرب القانونية" أو ما يُعرف اصطلاحاً بمصطلح "Lawfare" أحد أخطر الأسلحة غير التقليدية التي باتت تعتمدها التنظيمات الإرهابية وحركات الإسلام السياسي في العصر الحديث، حيث يتم استغلال المنظومة القانونية الدولية والمبادئ الأخلاقية الغربية كأدوات لتقويض السيادة العسكرية للدول المؤسساتية. وفي سياق النزاع بقطاع غزة، نجد أننا أمام نموذج صارخ لتحويل الفشل العسكري الميداني والهزيمة العملياتية لحركة حماس إلى ما يشبه "الانتصار القانوني" والدبلوماسي على الساحة الدولية. إن هذه الاستراتيجية لا تقوم على كسب المعارك في الميدان، بل على هندسة المشهد الجنائزي واستثمار دماء الأبرياء لاستدرار عطف العالم وشل قدرة الخصم المتفوق تكنولوجياً وعسكرياً عن طريق وصمه بجرائم الحرب. إن جوهر هذه الحرب يكمن في قلب الحقائق؛ حيث يصبح المعتدي الذي يتترس بشعبه ضحية، ويصبح المدافع الذي يحاول القضاء على مصدر النيران مجرماً دولياً، مما يخلق حالة من التزييف القانوني الذي يهدد بنسف مفهوم العدالة الدولية من أساسه.
تبدأ خيوط هذه الاستراتيجية من تحت الأرض، وتحديداً من "هندسة الأنفاق" التي كشفت عن وجه مظلم لاستغلال المدنيين. إن التساؤل الجوهري الذي يطرحه أي مراقب عقلاني هو: لماذا تم بناء آلاف الكيلومترات من الأنفاق المحصنة والمجهزة بأحدث الوسائل لتأمين المقاتلين والقيادات، بينما لم يُسمح لمدني واحد بالدخول إليها للاحتماء من القصف؟ إن الإجابة تكمن في استراتيجية "استحلاب" دماء الأبرياء؛ فالمقاتل في عقيدة حماس هو "الأصل" الذي يجب حمايته تحت الأرض، أما المدني فهو "الأداة" التي يجب أن تظل فوق الأرض لتشكل درعاً بشرياً في المقام الأول، ومادة دسمة لعدسات الكاميرات في المقام الثاني. إن بقاء المدنيين في مناطق الاشتباك رغم التحذيرات المتكررة ليس نتاج صمود طوعي في كثير من الأحيان، بل هو نتيجة إكراه تنظيمي يهدف إلى مراكمة الجثث لتقديمها كقربان إعلامي في المحافل الدولية. هذه الهندسة المقصودة للموت تسعى إلى وضع الجيش الإسرائيلي في معضلة أخلاقية: إما الامتناع عن ضرب الأهداف العسكرية المختبئة تحت المستشفيات والمدارس، وبذلك تنجو حماس، أو الضرب وسقوط المدنيين، وبذلك تبدأ الماكنة القانونية الدولية في العمل ضد إسرائيل.
وفي هذا السياق، يبرز نقد حاد للمنظمات الدولية والمحاكم الأممية التي وقعت، سواء بعمد أو بجهل، في فخ البروباغندا الإرهابية. إن المؤسسات التي أُنشئت لحماية السلم والأمن الدوليين باتت تُستخدم كمنصات لتوجيه اتهامات سياسية مغلفة بلغة القانون. عندما تتبنى المحاكم الدولية تقارير صادرة عن جهات تخضع لسيطرة حماس وتتعامل معها كحقائق مطلقة دون التثبت من السياق العسكري، فإنها تمنح الإرهاب "حصانة قانونية". إن الفشل في تصنيف استخدام المدنيين كدروع بشرية كجريمة حرب أساسية ومستمرة من قبل حماس، والتركيز فقط على نتائج الرد العسكري، يمثل انحيازاً بنيوياً يشجع المنظمات الإرهابية على الاستمرار في هذه الاستراتيجية. إن المؤسسات الأممية، عبر تبنيها خطاب "المظلومية" المبتور، تتحول من حكم محايد إلى طرف في الحرب القانونية، مما يعزز سردية الإبادة الجماعية المزعومة ويغض الطرف عن الجاني الحقيقي الذي اختار أن يجعل من بيوت المدنيين منصات لإطلاق الصواريخ.
ويلعب الدور الإعلامي، من خلال الفيديوهات والقصص الإنسانية المبتورة السياق، دوراً محورياً في توجيه الرأي العام الغربي وتزييف وعيه. إن ما يراه المشاهد الغربي عبر شاشات التلفزة ومنصات التواصل الاجتماعي هو "النتيجة النهائية" فقط؛ طفل مصاب أو بناية مدمرة، دون إظهار "السبب" أو السياق الذي أدى إلى ذلك، مثل وجود منصة صواريخ داخل البناية أو مقاتلين يطلقون النار من خلف الأطفال. هذه "السينما الجنائزية" تعتمد على استثارة العواطف البدائية لإلغاء التفكير المنطقي. إن البروباغندا المدعومة من تحالف اليسار والإسلام السياسي نجحت في تسويق صورة نمطية تختزل الصراع في "قوي شرير" و"ضعيف طيب"، متجاهلة تماماً أن هذا الضعيف يمتلك أيديولوجيا إبادة ويستخدم شعبه كوقود بشري. إن القصص المبتورة لا تروي كيف تمنع حماس الناس من النزوح، ولا كيف تسرق المساعدات الغذائية لتمويل أنفاقها، بل تكتفي بتصوير "الضحية" لتحقيق انتصار معنوي يضغط على الحكومات الغربية لاتخاذ مواقف معادية لحليفها الاستراتيجي الوحيد في المنطقة.
إن هذه الحرب القانونية والإعلامية تهدف في النهاية إلى إخفاء "المسؤولية الجنائية الحقيقية". فوفقاً للقانون الدولي الإنساني، تقع المسؤولية عن حياة المدنيين على الطرف الذي يتواجد بينهم ويستخدم أعيانهم لأغراض عسكرية. القاتل الحقيقي للمدني في غزة هو من حول غرف الأطفال إلى مخازن للسلاح، ومن جعل من المستشفيات مراكز قيادة وسيطرة، ومن يرفض تسليم السلاح وإنهاء المعاناة رغم علمه بالنتائج الكارثية على شعبه. إن حماس، عبر استراتيجية "Lawfare"، تقتل المدني مرتين؛ مرة عندما تضعه في طريق النيران، ومرة عندما تتاجر بدمائه في المحاكم الدولية لتحقيق مكاسب سياسية. إن غياب المحاسبة الدولية لحماس على جرائمها ضد شعبها يعطي الضوء الأخضر لكل التنظيمات الإرهابية في العالم لتبني نموذج "غزة" كطريقة مثالية لتحييد الجيوش النظامية وحماية الإرهابيين تحت مظلة القانون الدولي.
علاوة على ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية في الجامعات الغربية والمنظمات الحقوقية يمثل تهديداً للمنظومة القيمية الليبرالية نفسها. عندما يتم قبول سردية "المظلومية" دون تمحيص، فإننا نقرّ بفعالية الإرهاب كوسيلة لتحقيق الغايات السياسية. إن التوظيف الإعلامي للمظلومية يعتمد على خلق حالة من "العمى الاستراتيجي" لدى الجمهور، حيث يتم التركيز على الألم الفردي لتغطية الجريمة الجماعية التي يرتكبها التنظيم ضد المجتمع ككل. إن "الانتصار القانوني" الذي تسعى إليه حماس هو انتصار زائف، لأنه مبني على ركام من الأكاذيب والتضحية بالبشر، ولكنه انتصار فعال في كسب تعاطف الملايين الذين لا يفقهون من تفاصيل النزاع سوى ما تمليه عليهم خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي الملوثة بالأيديولوجيا.
في الختام، يظهر أن "الحرب القانونية" في غزة هي معركة وعي بامتياز، تهدف إلى نزع الشرعية عن الدفاع عن النفس وتحويل الإرهاب إلى قضية حقوقية. إن كشف وجه "القاتل الحقيقي" المختبئ خلف الدروع البشرية وفي أعماق الأنفاق هو الواجب الأول لكل من ينشد العدالة الحقيقية. إن القانون الدولي وُجد لحماية الأبرياء من بطش المسلحين، وليس ليكون غطاءً للمسلحين للبطش بخصومهم عبر دماء الأبرياء. إن مواجهة استراتيجية "Lawfare" تتطلب شجاعة أخلاقية لإدانة الطرف الذي يستثمر في الموت، وتوضيح أن المظلومية المصطنعة لا تعفي الجاني من مسؤوليته الجنائية والأخلاقية عن الدمار الذي جلبه لشعبه قبل خصمه.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire