Translate

نسب محمد إلى إسماعيل بين التقرّب لليهود ورفضهم له (مقال)

.

.
نسب محمد إلى إسماعيل بين التقرّب لليهود ورفضهم له




إذا كان نسب يسوع إلى داود قد سقط بسبب غياب الأب البيولوجي، وإذا كان نسب محمد إلى إسماعيل قد سقط بسبب ضعف الروايات التاريخية، فإن هناك إشكالية ثالثة أكثر عمقاً، وهي إشكالية الهوية العرقية والدينية. فحتى لو افترضنا جدلاً أن السلسلة النسبية بين عدنان وإسماعيل صحيحة، وأن محمداً هو حقاً من نسل إسماعيل، فإن هذا لا يحل المشكلة الأساسية، بل يفتح باباً من الإشكاليات الأكبر: كيف يمكن لإسماعيل، وهو ابن إبراهيم من هاجر المصرية، أن يكون أباً للعرب؟ وإذا كان العرب من نسل إسماعيل، فلماذا لا يعترف بهم اليهود كجزء من العهد الإبراهيمي؟ ولماذا رفض اليهود محمداً رغم أنه ادعى أنه من نسل إسماعيل، وتقرّب إليهم بكل الطرق الممكنة؟

لنبدأ من البداية: إبراهيم، بحسب النص التوراتي والقرآني، هو من أور الكلدانيين، وهي مدينة في بلاد الرافدين، ولم يكن عربياً بأي معنى من المعاني، بل هو آرامي أو كلداني، أي من سلالة سامية ولكنها ليست عربية. هاجر، أم إسماعيل، كانت جارية مصرية، أي أنها من أصول أفريقية، وليست عربية أيضاً. إذن، إسماعيل هو نصف آرامي ونصف مصري، وليس عربياً، لأنه لم يكن له أي صلة بالعرب إلا بعد أن استقر في مكة وتزوج من قبيلة جرهم العربية، وهذا الزواج جعل ذريته عرباً، لكن بالانتماء القبلي، وليس بالدم الإبراهيمي الخالص. فالعرب الذين ينتمون إلى إسماعيل هم في الواقع من نسل إسماعيل من زوجته الجرهمية، وليس من إسماعيل وحده، لأن إسماعيل نفسه لم يكن عربياً، بل هو ابن إبراهيم الهاجر المصري.

وهنا تظهر المفارقة الأولى: اليهود يعتبرون أنفسهم وحدهم ورثة إبراهيم، لأنهم من نسل إسحاق الابن البكر لسارة، وليس من نسل إسماعيل ابن الجارية. في التوراة، يتم طرد إسماعيل مع أمه بعد أن رأت سارة أنه يلهو مع إسحاق، ويتم التأكيد على أن العهد الإلهي سيكون مع إسحاق ونسله، وليس مع إسماعيل. وهذا النص واضح في سفر التكوين: "وقال الله لإبراهيم: لا يَسُؤْ في عينيك من أجل الغلام ومن أجل أمتك. كل ما تقول لك سارة فاسمع لقولها، لأنه بإسحاق يُدعى لك نسل". وهذا يعني أن اليهود لا يعترفون بإسماعيل كأب شرعي للنسل الإبراهيمي، ولا يعترفون بأي نبوة تنبثق من نسله، مهما كانت سلسلة النسب التي يقدمها المسلمون.

فلماذا إذن أصر محمد والمسلمون على ربط نسبهم بإسماعيل، وهم يعرفون أن اليهود لا يعترفون بهذا النسب؟ الجواب يكمن في أن محمداً كان يسعى إلى كسب ود اليهود والاعتراف به كنبي، لأنه كان يعتقد أن اليهود سيكونون أول من يؤمن به، باعتبارهم أهل الكتاب الذين ينتظرون نبياً آخر. وقد ورد في السيرة أن محمداً كان يتقرب إلى اليهود في المدينة، ويغيّر القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ويصوم عاشوراء، ويأمر باتباع شريعة التوراة في بعض الأحكام، كل ذلك أملاً في أن يعترفوا به. ولكنه صدم برفضهم القاطع، لأنهم رأوا فيه نبياً أعجمياً لا ينتمي إلى بني إسرائيل، ولا يحمل أي صفة من صفات المسيح المنتظر، ولا يأتي بمعجزات تثبت نبوته، بل إنهم سخروا منه لأنهم رأوا أنه لا يفقه التوراة ولا يعرف العبرانية.

والأكثر إحراجاً أن اليهود لم يكتفوا برفض محمد، بل اتهموه بأنه ليس من نسل إسماعيل أصلاً، لأن العرب في نظرهم هم من نسل إسماعيل، ولكنهم ليسوا أمة مختارة، ولا يحملون أي صفة نبوية، بل هم مجرد وثنيين يعبدون الأصنام، ولا علاقة لهم بعهد إبراهيم. وقد ورد في التلمود أن إسماعيل ذريته ستصبح أمة كبيرة ولكنها ستعبد الأصنام وتقاتل بني إسرائيل، وهذا النص جعل اليهود ينظرون إلى العرب نظرة دونية، ويعتبرون أنفسهم وحدهم أصحاب الحق في النبوة والعهد مع الله.

وحين جاء محمد بقرآنه، الذي يقدّم إسماعيل كنبي وشريك في العهد الإبراهيمي، كان اليهود يرون ذلك تحريفاً للتاريخ، وتزويراً للنصوص التوراتية، ومحاولة لسرقة إرثهم الروحي. ففي التوراة، إسماعيل ليس نبياً، ولا يُذكر عنه أي وحي، بل هو مجرد رجل صيّاد قوس، تزوج من امرأة مصرية، وذريته سكنت في برية فاران، ولا يوجد أي نص يذكر أن الله أوحى إليه أو اختاره ليكون رسولاً. فكيف يمكن لمحمد أن يدعي أنه من نسل إسماعيل، وأن إسماعيل كان نبياً، وأن العرب هم ورثة العهد الإبراهيمي، بينما التوراة لا تذكر أي شيء من هذا؟ هذا هو السبب الأساسي لرفض اليهود لمحمد، ليس فقط لأنه نبي جديد، بل لأنه غير معترف به في كتابهم المقدس، ولا ينتمي إلى سلالتهم النبوية، ولا يحقق أي نبوءة من نبوءاتهم.

ولكن لماذا لم يذهب محمد إلى الادعاء بأنه من نسل إسحاق، لكي يسهّل على اليهود قبوله، خاصة أنه ادعى في القرآن أنه على ملة إبراهيم؟ الإجابة تكمن في أنه كان عربياً، وكان يعرف أن العرب لا يقبلون نبياً ليس من أصولهم، وأن القبيلة العربية تفتخر بنسبها، وأن أي نبي عربي لا بد أن يكون من نسل إسماعيل ليكون مقبولاً عند العرب. ولو ادعى أنه من نسل إسحاق، لكان قد فقد دعم قبيلته قريش، التي كانت تفتخر بأنها من نسل إسماعيل، ولما استطاع أن يؤسس دولة عربية جديدة. لذا فضّل محمد أن يخسر اعتراف اليهود على أن يخسر اعتراف العرب، لأنه كان يعلم أن مشروعه النبوي يعتمد على القوة العربية أولاً، وليس على الشرعية اليهودية.

ولكن هذا الخيار جعله في موقف صعب، فهو بين مطرقة اليهود الذين رفضوه، وسندان العرب الذين قبلوه ولكنهم لم يكونوا بحاجة إلى إثبات نسبه إلى إسماعيل، لأنهم كانوا يعرفون أنفسهم كعرب بغض النظر عن هذا النسب. فالعرب لم يكونوا يعرفون عن نسبهم شيئاً قبل الإسلام، لأنهم كانوا قبائل متفرقة، ليس لديهم كتاب مقدس يسجل أنسابهم، ولا كانوا يعرفون إسماعيل إلا من روايات قليلة عن اليهود والمسيحيين. فكان السهل على محمد أن يقول للعرب: أنتم من نسل إسماعيل، وهذا يمنحكم مكانة دينية، ولكن هذا لا يغير حقيقة أن العرب كانوا وثنيين قبل الإسلام، ولم يكن لهم أي دور في التاريخ المقدس كما يصوره اليهود.

والآن، إذا أردنا أن ننظر إلى الأمر بموضوعية، سنجد أن نسب محمد إلى إسماعيل هو أشبه بقصة خيالية اختلقها المسلمون لإعطاء أنفسهم مكانة في التاريخ الديني، وإثبات أنهم ليسوا مجرد أمة من الوثنيين، بل هم من نسل نبي. ولكن هذه القصة تتعارض مع النص التوراتي الذي لا يعترف بإسماعيل كأب شرعي لنسل إبراهيم، وتتعارض مع التاريخ المعروف للعرب، الذين كانوا يعيشون في الجزيرة العربية منذ آلاف السنين، ولم يكن لهم أي صلة بإبراهيم أو إسماعيل قبل ظهور الإسلام. ولا توجد أي وثيقة تاريخية أو أثرية تثبت أن إسماعيل سكن مكة أو أن ذريته هي التي أسست الكعبة، فكل هذه الروايات مأخوذة من المصادر الإسلامية وحدها، وهي غير قابلة للتحقق بأي دليل خارجي.

والأغرب من ذلك، أن القرآن نفسه لا يذكر أي شيء عن نسب محمد إلى إسماعيل، بل يكتفي بالقول إن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، وأن إسماعيل كان نبياً، ولكن لا يربط بين محمد وإسماعيل بعلاقة نسب محددة. فلو كان هذا النسب مهماً لأمر به الله في القرآن، ولكان آية واضحة، ولكن القرآن صمت، تاركاً الباب مفتوحاً للنسّابين ليختلقوا ما شاءوا، وهذا الصمت هو الدليل الأكبر على أن النسب ليس من الوحي، بل هو من صنع البشر، الذين حاولوا أن يملأوا فراغاً تاريخياً بإضافات غير موثوقة.

في النهاية، نجد أن محاولة محمد للتقرب إلى اليهود بنسب إسماعيل باءت بالفشل، لأن اليهود كانوا يعرفون أن إسماعيل ليس نبياً، وأن العهد مع إسحاق فقط، وأن أي نبي من خارج بني إسرائيل هو نبي كذاب بحسب معاييرهم. ولهذا السبب، لم يؤمن اليهود بمحمد، بل ناصبوه العداء، واتهموه بالجهل والتزوير. وهذا يثبت أن مشروعية محمد النبوية كانت قائمة على أساس وهمي من البداية، لأنه احتاج إلى نسب لا يملكه، وإلى اعتراف لم ينله، وإلى كتاب يخالف كتابهم، وإلى شريعة تتعارض مع شريعتهم. فكان المصير الطبيعي لهذا المشروع أن يرفضه اليهود، وأن ينقسم المسلمون عنه بعد وفاته، وأن تبقى قضية النسب معلقة بين روايات متضاربة لا تسمن ولا تغني من جوع، ولكنها تكفي لإثبات أن كل هذه الأنساب ليست أكثر من خرافات صنعها البشر لتبرير سلطتهم الروحية، وأن الله الحقيقي لو أراد أن يرسل نبياً لما احتاج إلى نسب مزوّر يصل إلى آدم، بل كان سيكتفي بحجة العقل والإيمان، دون الحاجة إلى هذه السلسلة الطويلة من الأسماء التي لا يصدقها إلا من غلبه الهوى على العقل.




.

نسب محمد بين اليقين التاريخي والخرافة النسبية (مقال)

.

.
نسب محمد بين اليقين التاريخي والخرافة النسبية




إذا كان نسب يسوع في الأناجيل يعاني من تناقضات جعلته ساقطاً من الناحية المنطقية والتاريخية، فإن نسب محمد في السيرة الإسلامية يعاني من إشكالية مختلفة، لكنها لا تقل إحراجاً. فبينما يقدّم المسيحيون نسباً مفصلاً ليسوع عبر يوسف رغم كونه ليس ابناً له، يقدّم المسلمون نسباً مفصلاً لمحمد يصل به إلى آدم، لكنهم يعترفون بأن هذا النسب غير مقطوع به، وأنه مبني على روايات غير موثوقة، وأن أيقوناتهم في علم الأنساب يختلفون حول التفاصيل، خاصة فيما فوق عدنان. وهنا تبرز المفارقة: في الوقت الذي يحتاج فيه المسلمون إلى إثبات أن محمداً من نسل إسماعيل لإضفاء الشرعية على عروبته وارتباطه بإبراهيم، تجد أن سلسلة النسب التي تربطه بإسماعيل هي نفسها محل خلاف، وأن الأسماء بين عدنان وإسماعيل ليست متفقاً عليها، وأن بعض المصادر تذكر أسماء تختلف عن بعضها، مما يجعل هذا النسب أقرب إلى الخرافة منه إلى التاريخ.

النسب المتفق عليه بين جميع النسابين المسلمين ينتهي عند عدنان، فهو آخر حلقة يقينية في سلسلة النسب النبوي. وما فوق عدنان، أي ما بين عدنان وإسماعيل، هو منطقة شائكة مليئة بالروايات المتضاربة والأسماء الغريبة التي لا يمكن التحقق منها، والتي تختلف من مصدر إلى آخر، ومن راو إلى آخر. ففي بعض المصادر، نجد أن عدنان هو ابن أد، وفي مصادر أخرى هو ابن أدد، وفي ثالثة هو ابن أد بن مقوم، وفي رابعة تجد أسماء مثل يشجب ويعرب ونابت، وهي أسماء لا توجد في أي مصدر تاريخي خارج السيرة الإسلامية، ولا يمكن إرجاعها إلى أي وثيقة أو نقش أثري، بل هي مجرد أسماء اختلقها النسّابون لملء الفراغ بين عدنان وإسماعيل، تماماً كما اختلق الأناجيل أسماءً لملء الفراغ بين إبراهيم وداود.

ولو نظرنا إلى سلسلة النسب التي ذكرها ابن هشام في سيرته، والتي أخذها عن ابن إسحاق، سنجدها تبدأ من عدنان ثم تصعد إلى إسماعيل عبر سلسلة من الأسماء العجيبة: عدنان بن أد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل. هذه الأسماء لا توجد في أي مصدر توراتي أو تاريخي معروف، ولا يمكن لأي باحث أن يتعقبها أو يثبت وجودها، بل إن بعضها مثل "تيرح" و"ناحور" هي أسماء توراتية تعود إلى عائلة إبراهيم، ولكن ترتيبها هنا غير دقيق، وكأن النسّابين خلطوا بين أسماء العائلات المختلفة لتكوين سلسلة تبدو مقنعة ظاهرياً. والأكثر من ذلك، أن ابن هشام نفسه يعترف بأن هذه الرواية مأخوذة عن ابن إسحاق، وهو راوٍ معروف بأنه كان يجمع الأخبار من اليهود والنصارى، وأن الكثير من مروياته عن الأنساب غير موثوقة، بل إن بعضها منقول عن كعب الأحبار الذي كان يروي الإسرائيليات دون تمحيص.

حتى ابن هشام نفسه، وهو أحد أئمة السيرة، لم يكتفِ برواية ابن إسحاق، بل أضاف رواية أخرى عن قتادة بن دعامة، وهي رواية تختلف عن رواية ابن إسحاق في بعض الأسماء، مثل "ناحور بن أسرغ بن أرغو" بدلاً من "ناحور بن تيرح بن يعرب"، وهذا الاختلاف بين الروايتين في نفس المصدر يدل على أن الأمر ليس علماً يقينياً، بل هو اجتهادات منقولة عن أشخاص مختلفين، كل منهم يروي ما سمعه من مصادره، ولا يمكن الجزم بصحة أي منها. وإذا كان ابن هشام، وهو أعظم من جمع السيرة النبوية، ينقل روايتين مختلفتين في نسب النبي، فهذا يعني أن النسب فوق عدنان ليس علماً مقطوعاً به، بل هو مجال للرأي والاجتهاد، وليس مجالاً للتحديد القطعي الذي يفترض أن يكون في مثل هذه المسائل الجوهرية.

لكن السؤال الأهم هنا ليس عن صحة الأسماء، بل عن الدافع إلى اختلاق هذه السلسلة الطويلة التي تربط محمداً بإسماعيل ثم بإبراهيم. والدافع واضح: كان المسلمون الأوائل في حاجة إلى إثبات أن محمداً ليس مجرد زعيم قبلي عربي، بل هو وريث شرعي لإبراهيم، وأن العرب ليسوا أمة وثنية منبوذة، بل هم من نسل إسماعيل ابن إبراهيم، وبالتالي فهم جزء من العهد الإبراهيمي، ولهم حق في النبوة والرسالة كما لليهود. هذه الحاجة السياسية واللاهوتية هي التي دفعت النسّابين إلى رسم خط نسب يصل بين محمد وإبراهيم عبر إسماعيل، رغم عدم وجود أي دليل تاريخي على هذا النسب، بل إن العهد القديم نفسه لا يذكر أي شيء عن نسل إسماعيل بعد أن أرسله إبراهيم إلى برية بئر سبع، ولا يذكر أي أسماء لأبنائه سوى اثني عشر رئيساً بحسب أسمائهم، وهي أسماء لا علاقة لها بالأسماء التي ذكرها ابن هشام أو غيره من النسابين المسلمين.

والأدهى من ذلك، أن القرآن نفسه لا يذكر أي شيء عن نسب محمد، ولا يقدم أي سلسلة نسب تثبت عروبته أو نسبه إلى إسماعيل، بل إن القرآن يتعامل مع محمد كرسول عربي دون أن يحتاج إلى إثبات نسبه، وكأن المسألة ليست ذات أهمية كبيرة في نظر الوحي الإلهي. فلو كان النسب إلى إسماعيل مهماً جداً، لذكره الله في القرآن بوضوح، ولكان آية محكمة لا تحتمل الاختلاف، ولكن القرآن صمت عن هذا النسب، تاركاً الأمر للنسّابين والمؤرخين الذين اختلفوا وتضاربوا، مما يثبت أن هذا النسب هو من صنع البشر، وليس من وحي السماء.

وهذا يقودنا إلى مقارنة طريفة بين نسب محمد ونسب يسوع. ففي النسب المسيحي، نجد محاولة لإثبات أن يسوع من نسل داود عن طريق يوسف، رغم أنه ليس ابناً له، وهذا تزوير بيّن. أما في النسب الإسلامي، فنجد محاولة لإثبات أن محمداً من نسل إسماعيل عن طريق عدنان، ولكن السلسلة بين عدنان وإسماعيل غير موثوقة، والنسّابون يختلفون عليها، مما يجعلها غير قابلة للإثبات علمياً. والفرق بينهما أن التزوير في النسب المسيحي هو تزوير منطقي، لأن يسوع لا يمكن أن يكون ابن يوسف، بينما التزوير في النسب الإسلامي هو تزوير تاريخي، لأن الأسماء غير معروفة ولا يمكن التحقق منها. وكلاهما يهدف إلى إضفاء شرعية دينية على شخصية النبي، سواء بأن يكون من نسل داود أو من نسل إسماعيل، وهذا الهدف هو الذي يفسر لماذا تمسك المؤمنون بهذه الأنساب رغم ضعفها، لأنها تمنحهم شعوراً بالارتباط بالتاريخ المقدس، وتجعل نبيهم جزءاً من سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين.

أما مسألة اتصال النسب بآدم، فهي ذروة الخرافة في علم الأنساب. فبعد أن ينتهي النسّابون من سلسلة عدنان إلى إسماعيل، يجدون أنفسهم أمام مهمة مستحيلة: ربط إسماعيل بنوح، ثم نوح بشيث، ثم شيث بآدم. وهنا تظهر الأسماء التوراتية المألوفة مثل شيث وأخنوخ ومتوشلخ ولمك، وهي أسماء موجودة في سفر التكوين، وقد تم استعارتها من اليهود عبر مصادر مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه، وأدخلت في النسب الإسلامي وكأنها حقائق تاريخية، ولكن الحقيقة أن هذه الأسماء هي نفسها أسطورية، ولا يمكن التحقق منها، لأنها تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، ولا يوجد أي دليل أثري على وجود أي من هؤلاء الأشخاص سوى النص التوراتي الذي هو نفسه محل شك تاريخي. فكيف يمكن لمسلم أن يزعم أن نسب محمد إلى آدم مؤكد، بينما آدم نفسه شخصية أسطورية لا توجد أي وثيقة تاريخية تثبت وجوده، والأسماء التي بينه وبين نوح هي مجرد أسماء وردت في التوراة، وهي غير مثبتة تاريخياً؟

ولعل أطرف ما في هذه السلسلة النسبية هو أن ابن هشام ينقلها عن ابن إسحاق، ثم ينقل رواية أخرى عن قتادة، ثم يترك القارئ حائراً بين الروايتين، وكأنه يقول: هذه رواية عن ابن إسحاق، وهذه رواية عن قتادة، وكلاهما غير مقطوع به، فاختر ما تشاء. هذا التردد من أعظم علماء السيرة هو دليل على أن النسب كله مبني على روايات غير ثابتة، وأنه لا يمكن الجزم بصحته، بل هو أقرب إلى التخمين منه إلى العلم. ولو كان هذا النسب مهماً جداً، لكان النبي نفسه قد حدده وأمر بتدوينه، ولكان الصحابة قد نقلوه بدقة، ولكن النبي لم يفعل، والصحابة لم ينقلوا شيئاً مفصلاً، مما يدل على أن الأمر لم يكن محل اهتمام في العصر النبوي، وأن الاهتمام به جاء لاحقاً لأسباب سياسية ودينية.

ويبقى السؤال الأهم: لماذا يصر المسلمون على هذا النسب رغم ضعفه؟ الجواب يكمن في أن هذا النسب يمنحهم هوية عربية إبراهيمية، تجعلهم ليسوا مجرد أمة من الوثنيين، بل هم ورثة إبراهيم من ابنه إسماعيل، وبالتالي فهم أصحاب الحق في النبوة والخاتمية. وهذا الشعور بالانتماء إلى العائلة الإبراهيمية هو ما جعلهم يتمسكون بهذا النسب رغم كل التناقضات، وكأنهم يقولون لأنفسهم: نحن لسنا غرباء عن التاريخ المقدس، نحن أبناء إبراهيم أيضاً، ونبينا هو خاتم أنبياء هذه العائلة. وهذه الرغبة في الانتماء هي التي تفسر لماذا يتجاهل المسلمون التناقضات في النسب، ولماذا يقرؤون السلسلة الطويلة من الأسماء وكأنها حقائق مسلّمة، رغم أنهم لو فكروا قليلاً لوجدوا أن هذه الأسماء لا تثبت ولا تنفي، وأنها مجرد خرافة نسبية اختلقها النسّابون لملء فراغ تاريخي لا يمكن ملؤه بأي دليل مادي.

ختاماً، يمكننا القول إن نسب محمد يشبه في هشاشته نسب يسوع، لكن بأسلوب مختلف. في المسيحية، التزوير منطقي، لأن يسوع ابن مريم وليس ابن يوسف. وفي الإسلام، التزوير تاريخي، لأن السلسلة بين عدنان وإسماعيل غير مثبتة، والأسماء فوق عدنان خرافية، والربط بآدم مستحيل التحقق. وكلا التزويرين يهدف إلى إضفاء الشرعية، وكلا التزويرين ينكشف عند أول اختبار علمي أو تاريخي. وإذا كان المؤمنون بحاجة إلى هذه الأنساب ليثبتوا لأنفسهم أن أنبياءهم ليسوا مجرد بشر عاديين، بل هم جزء من خطة إلهية تمتد من آدم إلى خاتم الأنبياء، فإن هذه الحاجة النفسية هي التي تفسر كل هذه الخرافات، وتجعل منها عقائد مقدسة لا يجوز نقاشها، حتى ولو كانت مبنية على روايات لا تصمد أمام النقد، وأسماء لا وجود لها في التاريخ، ونسب لا يمكن إثباته بأي دليل مادي أو منطقي.




.

يسوع ابن من؟ تفكيك نسب المسيح بين النصوص والواقع (مقال)

.


.
يسوع ابن من؟ تفكيك نسب المسيح بين النصوص والواقع




من بين كلّ الثرثرة الإنجيلية التي تملأ الأناجيل الأربعة، والتي تتناقض في تفاصيلها وتتضارب في رواياتها، تبرز مسألة نسب يسوع كواحدة من أكثر الإشكاليات تعقيداً، بل ربما تكون العقدة التي تحلّ كل العقد الأخرى، لأنها تمسّ صلب العقيدة المسيحية في هوية المسيح كملك مسيّاني من نسل داود. فالمسيحية تزعم أن يسوع هو المسيح المنتظر، وهذا المسيح بحسب التناخ اليهودي لا بدّ أن يكون من نسل داود الملك، من سبط يهوذا، من بيت لحم تحديداً. لذا كان من الضروري على كتّاب الأناجيل، وهم يكتبون بعد عقود من موت يسوع، أن يقدموا نسباً يثبت هذا الانتساب، ولكنهم وقعوا في متاهة من الأخطاء والتناقضات التي تجعل هذه الشجرة ساقطة من جذورها، ليس فقط من الناحية التاريخية، بل من الناحية المنطقية ذاتها.

إذا قرأنا إنجيل متى، نجد نسباً يبدأ من إبراهيم ويمر بداود وسليمان وصولاً إلى يوسف، زوج مريم. وإذا قرأنا إنجيل لوقا، نجد نسباً آخر يبدأ من يسوع نفسه ويعود إلى آدم، لكنه يختلف تماماً عن نسب متى في معظم الأسماء، بل يختلف حتى في من يسميه أباً ليوسف. ففي متى، يوسف ابن يعقوب، وفي لوقا، يوسف ابن هيلي. هذا ليس اختلافاً بسيطاً يمكن تداركه، بل هو اختلاف جوهري في الهوية الأبوية، فإما أن يكون والد يوسف هو يعقوب أو هو هيلي، ولا يمكن أن يكون كلاهما معاً. حاول المفسّرون القدماء تبرير ذلك بأن أحدهما هو النسب البيولوجي والآخر هو النسب القانوني، أو أن أحدهما يخص يوسف والآخر يخص مريم، أو أن أحدهما نسب سليمان والآخر نسب ناثان أخيه، وهذه كلها محاولات يائسة لإصلاح خطأ وقع فيه كتّاب الأناجيل، لأنهم لم يتفقوا على المصدر الذي نقلوا عنه، أو لأنهم كانوا يكتبون من الذاكرة أو من مصادر شفهية مختلفة، وكلّ منهم أدخل ما يراه مناسباً لسياقه اللاهوتي، دون أن يدرك أن التناقض سيكون واضحاً لكل قارئ منتبه.

ولكن الإشكالية الأكبر ليست في التناقض بين النسبين فقط، بل في أن النسبين معاً، حتى لو اتفقا، لا يقدمان حلاً للمشكلة الأساسية، وهي أن يسوع ليس ابناً بيولوجياً ليوسف، بل هو ابن مريم العذراء التي حملت به بطريقة خارقة للطبيعة، بدون تدخّل بشري. هذا هو الاعتراف الصريح في إنجيل متى ولوقا: "قبل أن يجتمعا وُجدت حبلى من الروح القدس". يعني أن يوسف لم يعرف مريم، لا بالمعنى الجنسي ولا حتى بالمعنى الزوجي الرسمي، قبل أن يتبيّن حملها. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يكون يسوع من نسل داود عن طريق يوسف، وهو ليس ابناً له؟ لا يوجد أي منطق بشري أو إلهي يجعل نسب الزوج ينطبق على ابن الزوجة غير الشرعي بيولوجياً، حتى وإن تبنّاه الزوج بعد ذلك، لأن التبني في الثقافة اليهودية لا ينقل النسب القبلي، والنسب كان يُنقل حصراً عن طريق الأب البيولوجي، وليس عن طريق الأم أو الزوج المتبنّي.

وحتى لو قَبِلنا جدلاً بأن التبني كان ينقل النسب، فإن هذا لا ينطبق على يسوع لأن يوسف لم يتبنّه رسمياً في أي نص، بل إن الأناجيل تتحدث عن يوسف كزوج مريم فقط، وليس كأب ليسوع، ويسوع نفسه في الأناجيل لا يدعو يوسف أباً، بل يدعو الله أباً، وهذا يقطع أي صلة بين يسوع ويوسف، وبالتالي بين يسوع وداود. وإذا أردنا أن نبحث عن نسب يسوع من جهة أمه مريم، فليس لدينا أي نسب لها في الأناجيل، فهي تظهر كامرأة بسيطة من الناصرة، ولا يوجد أي دليل على أنها من سبط يهوذا، بل بعض الروايات اليهودية تشير إلى أنها من سبط لاوي، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمكن أن تكون من نسل داود الذي هو من سبط يهوذا.

الأمر المضحك حقاً أن الأناجيل نفسها تعترف بالمشكلة، وتحاول حلها بطرق مختلفة، فمرة تجعل نسب يسوع من سليمان بن داود عبر يوسف، ومرة تجعله من ناثان بن داود، وكأنها تريد تغطية كل الاحتمالات، لكنها في الحقيقة تزيد الطين بلة، لأنها تثبت أن كتبة الأناجيل كانوا يعلمون أن يسوع ليس ابناً ليوسف، ولذلك حاولوا تزوير نسبه عبر يوسف، لكن التزوير كان فاضحاً ومكشوفاً لأي يهودي يعرف أن النسب ينتقل عن طريق الأب البيولوجي فقط. ولهذا السبب، رفض اليهود يسوع كمسيح، ليس فقط لأنه لم يحقق النبوءات السياسية عن ملك يحرر إسرائيل، بل لأنه لم يستطع إثبات نسبه لداود بأي طريقة علمية أو تاريخية، بينما كانوا هم يحتفظون بسجلات أنساب دقيقة في هيكلهم، وقد دُمّرت هذه السجلات مع دمار الهيكل سنة سبعين ميلادية، مما جعل ادعاء النسب بعد ذلك أمراً لا يمكن التحقق منه، وهو ما فتح الباب أمام المسيحيين لاختلاق أنساب لا يمكن لأحد أن يدحضها، ولكنها لا تصمد أمام المنطق والعقل.

وإذا انتقلنا إلى سؤال الزنى، الذي يطرحه النقاد والمشككون، نجد أن الأناجيل لا تقدم تفسيراً مقنعاً لكيفية حمل مريم دون زوج، والقول بأن الروح القدس نفخ فيها هو قول غيبي لا يمكن إثباته، بل هو هروب من الواقع البيولوجي إلى الخيال اللاهوتي. وما يزيد الأمر تعقيداً أن الحمل العذري ليس فكرة مسيحية اخترعوها، بل هي فكرة مستعارة من الأساطير الوثنية القديمة، حيث كانت الآلهة تحبل بالنساء البشرية وتلد أنصاف آلهة، مثل قصة زيوس وداناي التي أنجبت بيرسيوس، أو قصة زيوس وألكمينا التي أنجبت هرقل، فالمسيحيون استعاروا الفكرة وطبقوها على يسوع ليضفوا عليه قداسة خارقة، ولكنهم نسوا أن هذه الفكرة تتعارض مع النسب اليهودي الصارم، الذي لا يعترف إلا بالأبوة البيولوجية، ولا يعترف بالأبوة الروحية أو الخارقة كأساس للنسب القبلي.

وإذا افترضنا، جدلاً، أن مريم حملت من الله نفسه، كما تقول بعض الروايات، فما هو نسب يسوع؟ هل هو ابن داود من جهة الله؟ هذا كلام لا معنى له، لأن الله ليس له نسب، ولا يمكن أن ينتسب إلى داود، لأن داود مخلوق والله خالق، ولا يمكن للخالق أن يكون ابناً لمخلوق. وإذا كان يسوع إلهاً، فكيف يكون ابناً لداود؟ وإذا كان إنساناً، فكيف يحمل من الروح القدس دون أب بشري؟ هذا هو التناقض اللاهوتي الأكبر الذي تعاني منه المسيحية، والذي جعلها تنقسم إلى مذاهب تحاول تفسير طبيعة يسوع بين إله كامل وإنسان كامل، وكلها محاولات لتغطية عورة النسب التي لا يمكن ترميمها.

في إنجيل متى، نجد محاولة فجة لحل المشكلة، حيث يكتب: "ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يُدعى المسيح". هذه العبارة تحاول أن تلفّ وتدور، فهي لا تقول إن يوسف ولد يسوع، بل تقول إن مريم ولدت يسوع، ويوسف مجرد زوج مريم. ولكن النسب الذي يسوقه متى هو نسب يوسف، وليس نسب مريم، فلماذا يسوق نسب يوسف ثم يقول إن مريم ولدت يسوع؟ هذا يؤدي إلى نتيجة واحدة: يسوع ليس من نسل يوسف، وبالتالي ليس من نسل داود عن طريق يوسف، وهذا هو الاعتراف الضمني الذي حاول متى إخفاءه بصياغة ملتوية، لكن القارئ العادي يكتشف الخدعة بسهولة، فكيف باليهودي الذي يعرف أن النسب لا يُعطى إلا للأب البيولوجي؟

أما إنجيل لوقا، فيقدم نسباً مختلفاً تماماً، ويبدأ من يسوع ثم يرجع إلى الوراء، وهذا الأسلوب نفسه مشبوه، لأنه يجعل القارئ يظن أن النسب هو ليسوع مباشرة، لكن لوقا يعترف بأن يسوع كان يظن أنه ابن يوسف، أي أن النسب الذي يقدمه هو أيضاً نسب يوسف، وليس نسباً فعلياً ليسوع. وهذا يثبت أن كلا الكاتبين كانا يعرفان أن يسوع ليس ابناً بيولوجياً ليوسف، ومع ذلك أصرّا على تقديم نسب يوسف كأنه نسب يسوع، وهذا يدل على أن مشكلة النسب كانت معروفة لديهما، وأنهما حاولا تزييفها، لكن تزييفهما كان فاضحاً.

وإذا ذهبنا إلى الرسائل البولسية، نجد بولس لا يهتم بنسب يسوع إطلاقاً، بل يركز على موته وقيامته، ويقول في رسالة رومية إن يسوع "مُعيَّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة، بالقيامة من الأموات"، ويقول في موضع آخر إنه "من نسل داود من جهة الجسد"، لكنه لا يقدم أي نسب، بل يكتفي بالتأكيد، وهذا التأكيد لا قيمة له بدون سلسلة نسب موثقة، خاصة أنه يكتب بعد عقود من موت يسوع، ولا يمكنه الاعتماد على أي وثيقة تاريخية تثبت ذلك، لأن أوراق النسب كانت محفوظة في الهيكل الذي دُمّر لاحقاً، فلم يبقَ أي سجل يمكن الرجوع إليه.

والأكثر من ذلك، أن العهد القديم نفسه يذكر أن الله قطع عهداً مع داود بأن يكون له نسل على كرسيه إلى الأبد، وأن المسيح سيكون من صلبه، ولكن هذا النسل كان يُفهَم على أنه نسل بيولوجي من الذكور، وليس نسلًا روحياً أو بالتبنّي. ولما كان يسوع بلا أب، فإنه لا يمكن أن يكون هذا النسل، لأن النسل الذكوري ينقطع في حالة الحمل العذري، فلا يمكن لأي إله أن يجعله من نسل داود دون أن يكون له أب من نسل داود، لأن النسب عند اليهود يُورث عبر الأب، وليس عبر الأم، وهذا هو القانون الثابت في التوراة، وقد أكده العزرا في العودة من السبي حين طلب من الرجال التخلّي عن زوجاتهم الأجنبيات للحفاظ على نقاء النسب.

محاولات بعض المفسرين المسيحيين المعاصرين القول بأن النسب ينتقل عن طريق مريم لأنها من نسل داود هي محاولات غير مدعومة بأي نص، لأن الأناجيل لا تقدم نسباً لمريم، بل تقدم نسباً ليوسف، والنسب الذي يقدمونه ليوسف هو في الواقع نسب لا يمكن أن يكون ليوسف نفسه، لأن الاختلاف بين متى ولوقا كبير جداً، وإذا كان يوسف ابن يعقوب في متى وابن هيلي في لوقا، فهذا يعني أن أحدهما مخطئ حتماً، أو أن كليهما مخطئ لأنه لا يمكن أن يكون ليوسف أبوان مختلفان. وإذا سقط نسب يوسف، سقط ادعاء يسوع بالنسب الداودي بالكامل، وبالتالي سقطت دعواه كمسيح، لأنه بحسب العهد القديم، المسيح لا بد أن يكون ابن داود، وإن لم يكن، فهو نبي كذاب أو مدّعٍ كاذب.

هذه هي حقيقة قصة يسوع التي تختفي خلف الثرثرة الإنجيلية الطويلة. كل تلك الأسماء التي يسوقونها في الأنساب، كل تلك الأرقام الأربعة عشر التي يحاولون إقناعنا بها، كل تلك المحاولات لتوصيل يسوع إلى بيت لحم عبر يوسف، كلها ليست سوى ستار يخفي حقيقة واحدة: يسوع كان ابن مريم فقط، ولم يعرف أبوه، والناس عرفوه باسم ابن مريم، وليس ابن داود. وحتى لو افترضنا أنه من نسل داود من جهة مريم، فهذا لا ينفعه لأن النسب لا ينتقل عبر الأم، واليهود لم يعترفوا قط بنسب الأم في مسألة النبوة والملوكية. لذلك ظل اليهود يرفضون يسوع، لأنهم كانوا يدركون أن ادعاءه بالمسيانية قائم على نسب لا وجود له، وهو نسب وهمي اخترعه كتّاب الأناجيل بعد موته بأجيال، ولم يتمكنوا حتى من الاتفاق عليه، بل اختلفوا فيما بينهم، وهذا الاختلاف هو الدليل الأكبر على التلفيق والخرافة.

في النهاية، يسوع الذي تقدّمه المسيحية ليس له أي علاقة ببيت داود، ولا بأرض إسرائيل، ولا بعهود الله مع إسرائيل. هو ابن مريم المجهول الأب، الذي حاول أتباعه بعد موته أن يجدوا له مكانة في التاريخ اليهودي، فصنعوا له نسباً من مخيلاتهم، ثم تناقضوا في صنعته، ففضحهم اختلافهم، وبقيت القصة معلقة بين يد ضعيفة لا تنقل النسب، وأب غائب لا يحمل اسماً، وإله متناقض لا يعرف من هو، وهذه هي الحقيقة التي لا يجرؤ أحد على قولها وسط ضجيج النشيد والتبجيل.





.

המאבק על ראשות הממשלה בישראל באוקטובר 2026: קריאה בסקרים ובעלות הברית שלאחר הבחירות

.


.
המאבק על ראשות הממשלה בישראל באוקטובר 2026: קריאה בסקרים ובעלות הברית שלאחר הבחירות




הזירה הפוליטית הישראלית חווה בימים אלה את אחת התקופות השנויות ביותר במחלוקת מזה שנים. עם התקרבות מועד הבחירות לכנסת, ה-27 באוקטובר, עומדת במרכז הבמה תחרות עזה בין ראש הממשלה המכהן בנימין נתניהו לבין הרמטכ"ל לשעבר גדי איזנקוט. ואולם, יריבות זו אינה רק עימות אישי בין שני פוליטיקאים; היא משקפת תמורות עמוקות במבנה המפלגתי ובמערך הקואליציות העלולות לעצב מחדש את פניה של ישראל בשנים הבאות. מה שהופך את הבחירות הללו לשונות מקודמותיהן הוא שהסקרים אינם מספקים תשובה חד-משמעית באשר לזהותו של ראש הממשלה הבא. הם מציירים כמה תרחישים אפשריים, המשקפים שיתוק מפלגתי שעלול להימשך חודשים ארוכים לאחר הכרזת התוצאות הרשמיות.

סקרים שפורסמו על ידי תאגיד השידור הישראלי וכלי תקשורת נוספים מציגים תמונה מורכבת, המאופיינת במרוץ צמוד במיוחד בין שני הקטבים הפוליטיים המרכזיים. סקר חדשות 12, שנערך ב-20 באוגוסט, מעניק למפלגת "ישר" בראשות גדי איזנקוט עשרים וארבעה מושבים אילו היו נערכות היום בחירות, לעומת עשרים ואחד ל"ליכוד" של נתניהו . אך המדד הבולט ביותר הוא זה של "ההתאמה לראשות הממשלה": לפי סקר של תאגיד השידור, ארבעים וארבעה אחוזים מהמצביעים מעדיפים את איזנקוט, לעומת שלושים וארבעה אחוזים בלבד לנתניהו, בעוד שישה עשר אחוזים נותרו מתלבטים. פער זה בתפיסת ההתאמה משקף שינוי משמעותי בהעדפות הבוחרים, במיוחד לאור העובדה שנתניהו הסתמך זמן רב על תדמיתו כמנהיג ביטחוני שאין לו תחליף מול האתגרים הקיומיים העומדים בפני מדינת ישראל.

סקר נוסף, שפרסם עיתון "מעריב", מגלה פער גדול עוד יותר בין שתי המפלגות, עם עשרים ושישה מושבים ל"ישר" לעומת עשרים ל"ליכוד", ואילו מפלגת "יחד" בראשות נפתלי בנט ויאיר לפיד זוכה בארבעה עשר מושבים . פער זה במושבים משמעו שגוש האופוזיציה המתנגד לנתניהו יזכה לרוב ברור של שישים מושבים מול ארבעים ותשעה לקואליציה היוצאת . ואולם, נתונים אלה, משמעותיים ככל שיהיו, אינם מספרים את כל הסיפור. הנוף המפלגתי בישראל סובל מפיצול קיצוני המקשה מאוד על תרגום נתונים אלה לממשלה יציבה. המפלגות הקטנות הרבות החולקות את המטרה להדיח את נתניהו חלוקות באופן מהותי בסוגיות הביטחון הלאומי, ניהול תיק עזה, היחסים עם הפלסטינים וצורת הממשלה העתידית, מה שמונע הקמת גוש מגובש המסוגל לשלוט ביעילות.

ליבת המשבר הפוליטי הנוכחי נעוצה בחוסר היכולת של כל אחד מהמחנות להשיג רוב מוחלט של שישים ואחד מושבים. לפי סקר תאגיד השידור, מחנה נתניהו זוכה בארבעים ותשעה מושבים במקרה שהמפלגה החדשה של האלוף אופיר וינטר תיכנס לזירה – תרחיש המחליש למעשה את גוש הימין הקיצוני המזוהה באופן מסורתי עם נתניהו . לעומתו, גוש השינוי בראשות איזנקוט זוכה בשישים מושבים, כלומר הוא זקוק רק למושב נוסף כדי להגיע לרוב הנדרש להרכבת קואליציה . המפלגות הערביות, לפי אותו סקר, זוכות יחד באחד עשר מושבים. אך תרגום המספר הזה לתמיכה אפקטיבית בממשלת איזנקוט טומן בחובו מכשולים פוליטיים ואידאולוגיים רבים, במיוחד לאור סירובה של חלק ניכר מהציבור היהודי להסתמך על מפלגות ערביות בהרכבת הממשלה.

משוואה מורכבת זו הציבה את איזנקוט וצוותו בפני בחירות קשות. בשבועות האחרונים החלה מפלגת "ישר" להיערך לתרחיש חלופי: הקמת ממשלת מיעוט, המסתמכת על חמישים ושמונה או חמישים ותשעה מושבים בלבד . תרחיש זה מותר על פי החוק הישראלי, שאינו דורש מהממשלה לזכות באישור של שישים ואחד חברי כנסת, אלא רק ברוב פשוט של הנוכחים בהצבעה. תרחיש זה משקף את הכרתו העמוקה של איזנקוט כי השיתוק המפלגתי עלול להימשך גם לאחר הבחירות, וכי הדרך הריאלית ביותר להדיח את נתניהו אינה בהכרח השגת רוב מוחלט, אלא ניצול פרצות במערכת הפרלמנטרית המאפשרות הקמת ממשלה בפחות מהרוב המספרי . מעניין לציין כי מקורבי איזנקוט מציגים בפני דעת הקהל שאלה יסודית: האם ממשלת מיעוט הנתמכת על ידי חמישים ושמונה חברי כנסת, המייצגים כארבעים ותשעה אחוזים מהבוחרים, פחות לגיטימית מהשארת נתניהו בתפקיד ראש הממשלה בפועל, בגיבוי גוש של לא יותר מחמישים מושבים המייצגים ארבעים ואחד אחוזים מהבוחרים? שאלה זו משקפת שינוי בשיח הפוליטי הישראלי, שבו הוויכוח אינו עוסק רק במי שמחזיק ברוב, אלא גם בלעדיות השלטון בהיעדר רוב ברור.

שורשיו של משבר זה משתרעים עד לתקופה 2019-2021, אשר עדה לארבע מערכות בחירות רצופות, שכל אחת מהן הסתיימה במבוי סתום ובחוסר יכולת להקים ממשלה יציבה. לאורך תקופה זו נותר נתניהו כראש ממשלה בפועל, לא משום שנהנה מרוב פרלמנטרי, אלא פשוט משום שכבר כיהן בתפקיד. מצב זה נמשך עד אמצע 2021, אז הצליחה קואליציה הטרוגנית להדיחו באופן זמני. מחנה השינוי חושש כעת מחזרה על תרחיש זה, שבו נתניהו עלול להישאר במקומו בעוד הניסיונות להקים ממשלה חלופית עומדים במקום. בדיוק כאן מקבלת אופציית ממשלת המיעוט את מלוא משמעותה. גם אם ממשלה כזו לא תשרוד זמן רב, גם אם כישלונה יוביל לפיזור הכנסת ולבחירות חדשות, היא תשנה באופן מהותי את המשוואה הפוליטית, שכן היא תהפוך את איזנקוט לראש הממשלה בפועל במהלך תקופת המעבר, ותשלול מנתניהו את יתרון הכהונה עליו הסתמך זמן רב.

החלופה להקמת ממשלה טמונה בצירוף מפלגת רע"ם בראשות מנסור עבאס לקואליציה. אופציה זו תוסיף ארבעה או חמישה מושבים מכריעים, שתאפשר לאיזנקוט לעבור בקלות את רף הרוב. ואולם, היא נתקלת בהתנגדות עזה בקרב הציבור היהודי: חמישים וחמישה אחוזים ממצביעי מחנה נתניהו דוחים בתוקף אפשרות זו . אפילו בתוך מחנה השינוי, בחירה זו אינה מוסכמת. נפתלי בנט הצהיר כי לא יחדש את הברית עם רע"ם במקרה של ניצחון, סימן ברור לשינוי האווירה הפוליטית לאחר אירועי 7 באוקטובר, שהפכו כל שיתוף פעולה גלוי עם מפלגות ערביות לרגיש יותר מכפי שהיה ב-2021 . שורש רגישות זו נעוץ בזהותה של רע"ם, כזרוע דרומית של התנועה האיסלאמית בישראל. למרות מאמציו המתמשכים של עבאס להרחיק את המפלגה מההנהגה הרוחנית-דתית של התנועה, חלק גדול מהציבור היהודי ממשיך לראות בשיתוף פעולה פוליטי עימה קו אדום שאין לחצותו. מצב זה מעמיד את איזנקוט בפני משוואה עדינה: לבחור בממשלת מיעוט, פחות יציבה אך מקובלת יותר על בסיסו האלקטורלי, או להסתכן באובדן תמיכת מצביעיו בשל שיתוף פעולה גלוי עם מפלגות ערביות.

מנגד, מפלגת "יחד", המאחדת את נפתלי בנט ויאיר לפיד, מהווה ניסיון נוסף לאחד את שורות האופוזיציה. ואולם, ברית זו בעצמה חושפת חילוקי דעות מהותיים בין מנהיגיה. בנט דוגל בתפיסה התקפית, המבוססת על שינוי משוואת ההרתעה מול איראן וחיזבאללה: כל מתקפה של חיזבאללה צריכה לגרור תגובה ישירה נגד איראן. הוא גם קורא לבחון מחדש את המדיניות הישראלית כלפי עזה, להרחיק את טורקיה וקטאר מהסדרי הפוסט-מלחמה לטובת מצרים, תוך שמירה על חופש הפעולה הצבאי הישראלי ברצועה . לעומתו, לפיד נראה זהיר יותר כלפי טורקיה, ומצדיק הסלמה ולא עימות, מתוך אמונה שהמשך החיכוך אינו לטובת ישראל . הבדלים אלה בין שני שותפים לאותה ברית משקפים את ההטרוגניות של מחנה השינוי, ומעלים שאלות לגבי יכולתו להציע חזון ממשלתי אחיד וקוהרנטי במקרה של ניצחון על נתניהו. שאלות אלו מתחדדות ככל שהסקרים מראים את איזנקוט מתחזק, ומגבירות את חששות יריביו מפני הפיכתו לגורם הדומיננטי בתוך האופוזיציה, העומדת בפני אתגר כפול: להפיל את נתניהו מחד, ולמנוע ממאבקי הנהגה פנימיים ומחלוקות על צורת הממשלה לפזר את כוחה האלקטורלי מאידך.

את המורכבות מעצימה הדינמיקה המתמדת של בריתות מפלגתיות. סקר עדכני של תאגיד השידור מראה כי האיחוד בין מפלגות חד"ש, תע"ל ובל"ד במסגרת הרשימה המשותפת העלה את כוחן של המפלגות הערביות במושב אחד, כשהרשימה המשותפת זוכה בשבעה מושבים לעומת חמישה לרע"ם . במקביל, "ישר" נותרת המפלגה הגדולה ביותר עם עשרים וארבעה מושבים, בעוד הליכוד יורד לעשרים ושלושה . שינויים מזעריים אלו בחלוקת המושבים עלולים להיות מכריעים במשוואת הרכבת הממשלה, במיוחד ככל שמועד הבחירות מתקרב, ומאפשר למפלגות קטנות להתאים את אסטרטגיותיהן. סקר נוסף מצביע על כך שגוש איזנקוט – הכולל את בנט, לפיד, ליברמן והדמוקרטים – יזכה בכחמישים ושמונה או חמישים ותשעה מושבים, נתונים המתקרבים לרוב אך אינם מגיעים אליו . קרבה זו הופכת כל מושב נוסף ליקר ערך, ומסבירה את הלחצים העצומים שמפעילות המפלגות השונות על מצביעיהן כדי ללכוד את הקולות הנוספים העלולים להטות את כל הכף.

חשוב להדגיש כי סקרים אלו משקפים כוונות הצבעה ברגע נתון, ועשויים להשתנות באופן משמעותי עם התקרבות הבחירות, במיוחד לאור העובדה שמפלגות הימין הקיצוני שהיוו חלק מקואליציית נתניהו נמצאות תחת איום קיומי בשל כניסת מפלגות חדשות לזירה. לדוגמה, מפלגת "הציונות הדתית", שהחזיקה בארבעה מושבים, עלולה לאבד כל ייצוג פרלמנטרי במקרה שמפלגת האלוף וינטר תיכנס למירוץ, מה שיחלק מחדש את המושבים באופן שיחליש את גוש הימין הקיצוני ויחזק את עמדת האופוזיציה . דינמיקה זו מזכירה כיצד מפלגות קטנות יכולות להשפיע על מאזני הכוח בשיטות פרלמנטריות, וכיצד שינויים זעירים בחלוקת הקולות יכולים לייצר הבדלים משמעותיים בתוצאות הסופיות. זוהי בדיוק הסיבה שהתחזיות לבחירות הנוכחיות קשות יותר מהרגיל.

קריאת הנוף דרך סקרים וניתוחים אלה מצביעה על כך שראש הממשלה הבא יהיה ככל הנראה גדי איזנקוט. אך תוצאה זו אינה מובטחת עוד. הדרכים המובילות לתפקיד זה מרובות ומורכבות, וככל הנראה ידרשו מאמצים אינטנסיביים לגיבוש בריתות לאחר הבחירות. הפער בין איזנקוט לנתניהו במושבים ובמדד ההתאמה לתפקיד מעניק יתרון לרמטכ"ל לשעבר, אך ההיסטוריה הפוליטית הישראלית מלאה בהפתעות רגע האחרון ובמהפכים בלתי צפויים. השאלה הדוחקת ביותר, אם כן, אינה רק מי ינצח בבחירות, אלא אם ישראל תיכנס למשבר שלטוני חדש, בדומה לזה של 2019-2021, או שאחד המחנות יצליח סוף סוף לשבור את הקיפאון ולהקים ממשלה יציבה. את המורכבות מעצימה העובדה שהאופציות העומדות בפני איזנקוט – בין ממשלת מיעוט לבין הסתמכות על מפלגות ערביות – טומנות בחובן סיכונים פוליטיים העלולים לערער כל ממשלה שתקום. משמעות הדבר היא שהנוף הפוליטי הישראלי עלול להישאר במצב של אי-ודאות ותנודתיות גם לאחר הכרזת התוצאות הרשמיות. בסופו של דבר, המוקד האמיתי של בחירות אלה אינו רק זהותו של ראש הממשלה, אלא עתידה של המערכת הפוליטית הישראלית עצמה ויכולתה לצאת ממבוי הסתום בו היא שרועה זה שנים.





.

The Struggle for Israel's Premiership in October 2026: A Reading of Polls and Post-Election Alliances (article)

.


.
The Struggle for Israel's Premiership in October 2026: A Reading of Polls and Post-Election Alliances





The Israeli political scene is currently experiencing one of the most contentious periods in years. With the parliamentary elections scheduled for October 27 fast approaching, a fierce competition is unfolding between incumbent Prime Minister Benjamin Netanyahu and former Chief of Staff Gadi Eizenkot. Yet this rivalry transcends mere personal political confrontation; it reflects deep transformations in the partisan structure and political alliances that could reshape Israel's contours for years to come. What makes these elections different from their predecessors is that the polls do not offer a definitive answer regarding the identity of the next Prime Minister. Rather, they outline multiple scenarios, reflecting a partisan paralysis that could extend for months after the official results are announced.

Polls published by the Israeli Public Broadcasting Corporation and other media outlets paint a complex picture, marked by an extremely tight race between the two main political poles. A Channel 12 poll conducted on August 20 gives the "Yachar" party, led by Gadi Eizenkot, twenty-four seats if elections were held today, compared to twenty-one for Netanyahu's "Likud." Yet the most striking indicator is the "suitability for the premiership" metric: according to a Public Broadcasting Corporation poll, forty-four percent of voters prefer Eizenkot, compared to only thirty-four percent for Netanyahu, while sixteen percent remain undecided. This gap in perceived suitability reflects a significant shift in voter preferences, especially given that Netanyahu has long relied on his image as an indispensable security leader in confronting the existential challenges facing the Hebrew state.

Another poll, published by Maariv, reveals an even wider gap between the two parties, with twenty-six seats for "Yachar" against twenty for "Likud," while the "Yahad" alliance led by Naftali Bennett and Yair Lapid would secure fourteen seats. This seat gap means that the anti-Netanyahu opposition camp would command a clear majority of sixty seats against forty-nine for the outgoing coalition. Yet these figures, as significant as they are, do not tell the whole story. The Israeli partisan landscape suffers from extreme fragmentation, making the transformation of these numbers into a stable government exceedingly difficult. The numerous small parties that share the goal of ousting Netanyahu diverge radically on national security, the management of the Gaza file, relations with Palestinians, and the shape of the future government, preventing the formation of a coherent bloc capable of governing effectively.

The crux of the current political crisis lies in the inability of either camp to secure the absolute majority of sixty-one seats. According to the Public Broadcasting Corporation poll, Netanyahu's camp would win forty-nine seats if the new party of General Ofer Winter enters the electoral race – a scenario that effectively weakens the far-right bloc traditionally aligned with Netanyahu. In contrast, the change camp, led by Eizenkot, would secure sixty seats, needing only one additional seat to reach the majority required to form a coalition. Arab parties, meanwhile, would together hold eleven seats according to the same poll. But translating this number into effective support for an Eizenkot government remains fraught with political and ideological pitfalls, particularly given the refusal of a large segment of the Jewish electorate to rely on Arab parties in forming a government.

This complex equation has placed Eizenkot and his team before difficult choices. In recent weeks, "Yachar" has begun preparing a fallback scenario: the formation of a minority government, relying on only fifty-eight or fifty-nine seats. This scenario is permitted under Israeli law, which does not require the government to secure the approval of sixty-one Knesset members, but only a simple majority of those present at the voting session. This scenario reflects Eizenkot's deep recognition that partisan paralysis is likely to persist even after the elections, and that the most realistic path to unseat Netanyahu may not be through securing an absolute majority, but through exploiting loopholes in the parliamentary system that allow a government to be formed with less than the numerical majority. Interestingly, Eizenkot's associates are posing a fundamental question to public opinion: is a minority government supported by fifty-eight MKs, representing approximately forty-nine percent of voters, less legitimate than keeping Netanyahu in his post as interim Prime Minister, backed by a bloc of no more than fifty seats representing forty-one percent of voters? This question reflects a shift in Israeli political discourse, where the debate is no longer solely about who holds a majority, but also about the legitimacy of governance in the absence of a clear majority.

The roots of this crisis extend back to the 2019-2021 period, which witnessed four successive general elections, each ending in deadlock and the inability to form a stable government. Throughout this period, Netanyahu remained Prime Minister in an interim capacity, not because he enjoyed a parliamentary majority, but simply because he already occupied the office. This situation persisted until mid-2021, when a heterogeneous coalition briefly succeeded in removing him. The change camp now fears a repetition of this scenario, where Netanyahu might once again remain in place while attempts to form an alternative government falter. It is here that the minority government option takes on its full significance. Even if such a government does not survive long, even if its failure leads to the dissolution of the Knesset and new elections, it would fundamentally alter the political equation, as it would make Eizenkot the interim Prime Minister during the transition period, depriving Netanyahu of the incumbency advantage he has long relied upon.

The alternative path to forming a government lies in including the Arab party "Raam," led by Mansour Abbas, in the coalition. This option would add four or five decisive seats, allowing Eizenkot to easily cross the majority threshold. Yet it faces fierce opposition among the Jewish electorate: fifty-five percent of Netanyahu-camp voters strongly reject this possibility. Even within the change camp, this choice is far from consensual. Naftali Bennett has declared that he would not renew the alliance with Raam in case of victory, a clear sign of the shifting political mood after the October 7 events, which have made any open cooperation with Arab parties more sensitive than it was in 2021. The root of this sensitivity lies in Raam's identity as a southern offshoot of the Islamic Movement in Israel. Despite Abbas's persistent efforts to distance the party from the movement's religious-spiritual leadership, a large segment of the Jewish public continues to view political partnership with it as a red line not to be crossed. This situation places Eizenkot before a delicate equation: either opt for a minority government, less stable but more acceptable to his electoral base, or risk losing his voters' support by engaging in open cooperation with Arab parties.

On its side, the "Yahad" alliance, bringing together Naftali Bennett and Yair Lapid, represents another attempt to unify opposition ranks. Yet this alliance itself reveals fundamental disagreements between its leaders. Bennett advocates an offensive doctrine, based on changing the deterrence equation vis-à-vis Iran and Hezbollah: any Hezbollah attack should trigger a direct retaliation against Iran. He also calls for rethinking Israel's policy toward Gaza, excluding Turkey and Qatar from post-war arrangements in favor of Egypt, while preserving Israel's freedom of military action in the Strip. Lapid, in contrast, appears more cautious toward Turkey, advocating de-escalation rather than confrontation, believing that continued friction is not in Israel's interest. These differences between two partners in the same alliance reflect the heterogeneity of the change camp, and raise questions about its ability to offer a unified and coherent vision of governance should it succeed in unseating Netanyahu. These questions grow sharper as polls show Eizenkot advancing, heightening his rivals' fears that he may become the dominant force within the opposition, which faces a dual challenge: overthrowing Netanyahu on one hand, and preventing internal leadership struggles and disagreements over the shape of government from dissipating its electoral strength on the other.

Compounding the complexity is the ongoing dynamism of partisan alliances. A recent Public Broadcasting Corporation poll shows that the merger of the "Front" and "National Democratic Assembly" parties within the Joint Arab List increased the Arab parties' seats by one, with the Joint List winning seven seats against five for Raam. Meanwhile, "Yachar" remains the largest party with twenty-four seats, while Likud slips to twenty-three. These minute variations in seat distribution could prove decisive in the government formation equation, especially as the election date nears, allowing small parties to adjust their strategies. Another poll indicates that Eizenkot's bloc – including Bennett, Lapid, Lieberman, and the Democrats – would command approximately fifty-eight or fifty-nine seats, figures that approach the majority but fall short. This closeness makes every additional seat precious, and explains the intense pressure exerted by different parties on their voters to capture the extra votes that could tip the entire balance.

It is important to note that these polls reflect voting intentions at a specific moment, and may shift significantly as the elections approach, especially given that the far-right parties that formed part of Netanyahu's coalition face an existential threat from the entry of new parties into the arena. For instance, the "Religious Zionism" party, which held four seats, could lose all parliamentary representation should General Winter's party enter the race, redistributing seats in a way that weakens the far-right bloc and strengthens the opposition's position. This dynamic recalls how small parties can influence power balances in parliamentary systems, and how minimal shifts in vote distribution can produce significant differences in final outcomes. This is precisely what makes forecasting the current election results more difficult than usual.

Reading the landscape through these polls and analyses suggests that the next Israeli Prime Minister will most likely be Gadi Eizenkot. But this outcome is not yet assured. The paths leading to this post are multiple and complex, and will likely demand intensive efforts to form post-election alliances. The gap between Eizenkot and Netanyahu in seats and in the suitability index gives the former chief of staff an advantage, but Israeli political history is replete with last-minute surprises and unexpected reversals. The most pressing question, therefore, is not simply who will win the elections, but rather whether Israel will enter a new governance crisis similar to that of 2019-2021, or whether one of the camps will finally manage to break the deadlock and form a stable government. Complicating matters further, the options available to Eizenkot – whether minority government or reliance on Arab parties – carry political risks that could undermine any government formed. This means the Israeli political landscape may remain in a state of suspense and flux well after the official results are announced. Ultimately, the real stakes of these elections lie not only in the identity of the Prime Minister, but in the future of the Israeli political system itself and its capacity to emerge from the impasse in which it has been mired for years.






.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...