.
.
أحد أهمّ أسماء الله المنسيّة: الفاشل
ثمّة اسمٌ لله لم يذكره المتكلّمون ولا المفسّرون، اسمٌ لا نجده في قوائم الأسماء الحسنى عند المسلمين، ولا في صفات الربّ عند اليهود والمسيحيين، لكنّه الاسم الأكثر صدقاً والأكثر انطباقاً على مجمل الأفعال الإلهية المسرودة في الكتب المقدسة. إنّه اسم "الفاشل". ليس هذا استهزاءً مجّانياً، بل هو قراءة متأنية لمسار الأحداث الإلهية منذ بداية الخليقة حتى يومنا هذا. إذا جردنا أنفسنا من الهالة المقدسة التي تحيط بالنصوص، ونظرنا إليها كما ننظر إلى أيّ نصّ تاريخي أو أدبي، سنكتشف أنَّ الفعل الإلهي يتّسم بتكرار مذهل للفشل، وأنَّ كلّ محاولة من محاولات الإله لإصلاح العالم أو توجيه البشر تنتهي إلى نتائج عكسية، أو إلى نتائج ضئيلة لا تتناسب مع القدرة المطلقة التي يزعمها لنفسه.
فلنبدأ من البداية، من لحظة الخلق نفسها. يخبرنا سفر التكوين أن الله خلق العالم في ستة أيام ورأى أن كل ما صنعه حسن جداً. ولكن سرعان ما يتبين أن هذا الحسن لم يدم طويلاً، فما إن خلق الإنسان ووضعه في جنة عدن حتى عصى الأمر الأول والأسهل: عدم الأكل من الشجرة المحرمة. هنا نرى أول فشل إلهي، إذ أن الله خلق إنساناً في أحسن تقويم، ووضعه في أحسن بيئة، وأعطاه أمراً واحداً، ومع ذلك لم يستطع هذا الإنسان أن يمتثل، وكأن الله لم يحسب حساباً لضعف خلقه، رغم أنه هو الذي خلقه وعلم بضعفه مسبقاً. لكن بدلاً من أن يعيد النظر في تصميم خلقه، قرر الله أن يلعن الأرض والإنسان والحيوان، وكأن العقاب هو الحل الأمثل لمشكلة فشل التصميم.
لم يمضِ وقت طويل بعد طرد آدم من الجنة حتى تفاقم الشر بين البشر، وبلغ حداً جعل الله يندم على خلقهم، وهذا النص في التكوين صريح: "فندم الرب على أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه". هنا نصل إلى مفارقة مذهلة: إله يندم! إله يتأسف! إله يكتشف بعد أن يخلق أن قراره كان خاطئاً! هذا ليس كلاماً من خارج النص، بل هو قلب النص التوراتي. فإذا كان الله يندم ويتأسف، فهذا يعني أنه لم يكن يعلم النتيجة مسبقاً، أو أنه علمها لكنه خاطر مع ذلك، والمخاطرة بخلق عالم سيفسد هي بحد ذاتها فشل في التقدير أو فشل في القدرة على منع الفساد. وبما أن الندم والتأسف هما رد فعل بشري على خطأ سابق، فإن إسنادهما إلى الله يجعله أشبه بكائن بشري يخطئ ويصحح، وليس بإله كامل.
ثم يأتي الحل العجيب: الطوفان. يقرر الله أن يعيد تشغيل النظام من الصفر، أن يمحي كل كائن حي من على وجه الأرض، ويبقي فقط نوحاً وعائلته وزوجين من كل حيوان، ثم يعد بعدم تكرار الطوفان أبداً. هنا كان من المفترض أن تبدأ صفحة جديدة ناصعة، أن ينشأ جيل جديد صالح لا يفسد في الأرض. لكن ما إن انتهى الطوفان وجفّت المياه، حتى بدأ نوح بالزراعة، ثم صنع الخمر، ثم سكر، ثم انكشفت عورته، ثم لعن ابنه حام، وهكذا عادت سلسلة الخطيئة من جديد وكأن الطوفان لم يكن. وهذا يعني أن المحاولة الإلهية لإعادة ضبط العالم قد فشلت تماماً، لأن آدم الثاني، وهو نوح، كان ضعيفاً كآدم الأول، بل والأدهى أن نوحاً لم يطع الله في شيء واضح، بل انحرف بعد النجاة مباشرة، وكأن التصميم البشري معيب بشكل لا يمكن إصلاحه إلا بتغيير جذري في الخلقة، وهو ما لم يفعله الله.
بعد الطوفان، اختار الله إبراهيم ليكون أبا لأمة مقدسة، ووعده بأن نسله سيكون كنجوم السماء. ونحن نعرف ما حدث لنسل إبراهيم: لقد استعبدهم المصريون أربعمائة سنة، ثم أخرجهم الله بموسى، فشق لهم البحر، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأعطاهم التوراة، ولكن ما إن صعد موسى إلى الجبل لتلقي الألواح حتى صنعوا عجلاً من ذهب وعبدوه، بعد كل تلك المعجزات التي رأوها بأعينهم! هنا فشل الله مرة أخرى، ليس في إنقاذهم فحسب، بل في قدرته على جعلهم يؤمنون به بعد كل تلك البراهين. ولو كان الله كلي العلم، لعلم أنهم سيفعلون ذلك، ولو كان كلي القدرة، لاستطاع أن يغيّر قلوبهم، لكنه فضل أن يغضب ويكسر الألواح ويعاقبهم بالتيه أربعين سنة، رغم أنه يعلم أن الجيل الجديد سيفسد أيضاً، وسيُفتن بآلهة كنعان كما افتتن آباؤهم بالعجل.
وهنا ندخل في دورة فشل مذهلة تتكرر طوال العهد القديم، وهي دورة السقوط والعقاب والخلاص والسقوط من جديد. الله يرسل أنبياء، فيكذبهم شعبه، فيعاقبهم بأن يسلمهم لأعدائهم، ثم يخلصهم حين يتوبون، لكن توبتهم لا تدوم طويلاً، فيعودون إلى الشر، فيعاقبهم من جديد. وكأن الله عالق في حلقة مفرغة لا يستطيع الخروج منها، كل محاولاته لإصلاح شعبه تنتهي إلى الفشل نفسه. ولو كان الله حكيماً، لكان أدرك أن إرسال أنبياء وإقامة معجزات ليس كافياً لتغيير الطبيعة البشرية، ولو كان كلي القدرة، لكان غيّر هذه الطبيعة من جذورها، ولكنه اختار أن يلعب لعبة العقاب والتوبة التي لا تنتهي، والتي تظهره كإله فاشل في تحقيق أي تغيير جذري دائم.
بل إن الفشل يصل إلى ذروته حين يقرر الله أن يرسل ابنه، أو كلمته، أو رسوله الأخير، حسب كل دين. في المسيحية، جاء يسوع ليخلص العالم، وكان من المفترض أن يعمّر على الأرض ويقيم ملكوتاً أبدياً، ولكنه انتهى مصلوباً، وتبعه عدد قليل من التلاميذ، بينما رفضه اليهود جميعاً تقريباً. ثم انتشرت المسيحية في الإمبراطورية الرومانية، لكنها لم توحد العالم ولا حملت السلام، بل انقسمت إلى طوائف ومذاهب تحارب بعضها، وكما قال نيتشه ساخراً: "لقد مات الله، لكن المسيحيين لا يزالون يصلبون بعضهم بعضاً". وفي الإسلام، جاء محمد ليكون خاتم الأنبياء، وكان من المفترض أن يوحد العرب ويجعلهم أمة واحدة، ولكن بعد وفاته بسنوات قليلة، اختلفوا وتقاتلوا، وانقسمت الأمة إلى سنة وشيعة، ثم إلى مذاهب متناحرة، ثم إلى دول وإمبراطوريات تحارب بعضها باسم الله نفسه. وهكذا نجح آخر الأنبياء في مضاعفة الفشل، إذ جعل أتباعه أكثر انقساماً من أتباع الأديان السابقة.
إذا نظرنا إلى أعداد المؤمنين الحقيقيين كما يصورهم النص، سنرى مشهداً مأساوياً. في قصة نوح، كان المؤمنون ثمانية فقط من بين ملايين البشر. في قصة لوط، كان المؤمنون عائلة واحدة، ومعظمهم هلكوا فيما بعد. في قصة موسى، كان المؤمنون حوالي ستمائة ألف في البداية، لكن جيل التيه مات بأكمله في الصحراء، ولم يدخل الأرض إلا اثنان فقط من بينهم. في قصة إيليا، كان المؤمنون سبعة آلاف لم يحنوا ركبة للبعل، وهذا رقم ضئيل جداً مقارنة بمملكة إسرائيل بأكملها. وفي قصة يسوع، كان التلاميذ اثني عشر، أحدهم خانه، وبعد صلبه تفرقوا، ولم يتجاوز عدد المؤمنين الأولين بضع مئات. أما محمد، فعدد المؤمنين في مكة قبل الهجرة كان بضع عشرات، وفي المدينة بعد الغزوات أصبحوا آلافاً، لكنهم لم يتجاوزوا حدود الجزيرة العربية في حياته، وعندما مات، كان معظم العرب ما زالوا وثنيين. إذا جمعنا كل هذه الأرقام، سنرى أن الله فشل في إقناع الغالبية العظمى من البشر بوجوده ودعوته، وأن نسبة النجاح في مشروع العبادة العالمي لا تتجاوز بضع نقاط مئوية، وهي نسبة أسوأ من أي شركة تجارية فاشلة.
في القرآن، نجد آيات تتحدث عن هذا الفشل بشكل لا إرادي، مثل قوله: "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" (يوسف: 103)، وقوله: "وإن تُطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" (الأنعام: 116). هذه الآيات تعترف بأن الإيمان لا يمثله أكثرية، بل أقلية، وأن الغالبية العظمى من الناس في ضلال. ولكن إذا كان الله قد خلق الناس ليعبدوه، فلماذا خلقهم على هذا النحو الذي يجعلهم لا يعبدونه؟ لماذا خلق الأكثرية على ضلال؟ وإذا كان يريدهم أن يعبدوه، فلماذا لا يقنعهم بآيات واضحة لا تحتمل الشك؟ بعض المفسرين يقولون إن الله أراد اختبار الناس، ولكن الاختبار الذي يعلم الله نتيجته مسبقاً ليس اختباراً، بل تمثيلية درامية عبثية، حيث يمثل الناس دور الضالين والله يمثل دور المنتظر، وكلاهما يعرف النهاية. وهذا لا يليق بكائن حكيم، بل يليق بفاشل يحب أن يفشل لأنه يجد في الفشل متعة غامضة.
ثم هناك مسألة إعادة عقارب الساعة إلى الصفر، وهي سمة إلهية أخرى تدل على الفشل. الله يغرق العالم بطوفان، ثم يعد بعدم تكراره. لماذا؟ لأنه لاحظ أن الطوفان لم يفد بشيء، وأن الشر عاد كما كان، وكأن الطوفان كان مجرد تنفيس عن غضب، وليس حلاً جذرياً. ثم يدمر سدوم وعمورة، وهما مدينتان كاملتان، ولكنهما لم تكونا الأخيرتين، فمدن كثيرة بعدهما استحقت الدمار بحسب النصوص، مثل أريحا التي دمرها يشوع. ثم يسبي شعبه إلى بابل، ويعودون، ثم يسبيهم إلى آشور، ويعودون، ثم يخرب هيكلهم، ويعيدون بناءه، وهكذا دواليك. وكأن الله لا يملك منهجية ثابتة في العقاب، بل يردد أفعالاً فاشلة أملتها عليه العادة لا الحكمة.
أما على الصعيد الأخلاقي، فالفشل الإلهي يصل إلى مستوى مضحك حين نرى أن الشر ليس فقط مستمراً، بل يتفشى حتى بين أتباع الله أنفسهم. داود الذي هو نبي عند اليهود والمسلمين، يزن بزوجة أوريا الحثي، ويقتل زوجها ليأخذها زوجة له، ومع ذلك يظل نبياً وملكاً. سليمان الذي هو نبي عند المسلمين أيضاً، وقد ملك الدنيا كلها، في نهاية حياته ارتد وعبد الأصنام حسب التوراة، ومع ذلك يظل حكيماً. هل يمكن أن يكون الله قد فشل في اختيار أنبياء صالحين؟ أم أنه اضطر أن يختار من بين الفاشلين نفسه لأن الخيارات محدودة؟
في العهد الجديد، يفشل الله في تحقيق السلام الذي وعد به، فبدلاً من أن يأتي يسوع ليقيم ملكوتاً على الأرض، نجد أن الكنيسة نفسها أصبحت مؤسسة فاسدة، وأصبح الباباوات يتناحرون على السلطة، واندلعت الحروب الصليبية باسم المسيح، وتم حرق الزنادقة والمفكرين، وكل هذا باسم الله الذي قال إنه محبة. وفي الإسلام، نجد أن الخلافة التي كان من المفترض أن تكون عدالة إلهية، تحولت إلى ملك عضوض، وقتل الخلفاء بعضهم بعضاً، وأصبحت الدولة الأموية والعباسية نموذجاً للاستبداد والخيانة، وكل ذلك باسم الله. وكأن الله قد فشل في تنظيم أتباعه، فلا هو استطاع أن يمنعهم من الفساد، ولا هو استطاع أن يوحدهم، بل تركهم يتقاتلون حتى يومنا هذا.
ولعل السؤال الأكثر إحراجاً هو: لماذا لا يتدخل الله الآن؟ لماذا يترك البشر يتقاتلون ويتظالمون ويتضورون جوعاً، بينما هو قادر على إنهاء كل هذا بكلمة كن فيكون؟ التبرير التقليدي هو أنه يمتحنهم، ولكن الامتحان الذي يدوم آلاف السنين ولا ينتهي ليس امتحاناً، بل هو فشل في إنهاء الامتحان. أو أنه يؤخر العقاب إلى يوم القيامة، ولكن إذا كان العقاب مؤجلاً، فلماذا عاقب قوماً في الماضي بالطوفان والدمار؟ ولماذا عاقب فرعون في الدنيا، بينما سيعاقبه أيضاً في الآخرة؟ هذا يعكس فوضى إلهية في إدارة العدالة، وكأن الله لا يملك سياسة ثابتة، بل يتصرف بعواطف متغيرة، وهذا ليس من صفات الكمال.
حتى الحجج الدفاعية عن فشل الله هي في حد ذاتها اعتراف بالفشل. يقول المؤمنون: إن الله يريد منا أن نعبده بإرادة حرة، ولهذا لا يجبرنا على الإيمان. ولكن هذا ينهار أمام حقيقة أن الله تدخل كثيراً في التاريخ وأظهر معجزات لأقوام، مما أثر على إرادتهم الحرة. وإذا كان التدخل يضر بالحرية، فلماذا تدخل مع موسى ويسوع ومحمد؟ ولماذا لا يتدخل معنا بنفس الطريقة؟ وإذا كانت المعجزات السابقة لم تنجح في إقناع الأكثرية، فلماذا يعتقد الله أن المعجزات القادمة ستنجح؟ هذا تكرار للفشل نفسه بنفس الأسلوب ونفس النتيجة المتوقعة.
وفي النهاية، يمكننا أن نقول إن كل السرديات الدينية هي قصة فشل متسلسل، تبدأ بخلق آدم وفشل تربيته، وتنتهي بيوم القيامة الذي لم يأتِ رغم مرور آلاف السنين على الوعد به. الله يفشل في جعل البشر يعبدونه، ويفشل في جعلهم يعيشون بسلام، ويفشل في توحيدهم، ويفشل في تحقيق أي من أهدافه المعلنة، باستثناء هدف واحد ربما تحقق: وهو أنه جعل بعض الناس يخافونه، لكن الخوف ليس عبادة، بل هو استسلام تحت التهديد، وأي إله لا يستطيع أن يجعل الناس يحبونه طواعية هو إله فاشل بكل معنى الكلمة.
لا يمكن لإله أن يكون كلي القدرة وكلي العلم وكلي الرحمة، ثم ينتج عنه هذا العالم المشوه المليء بالشر والألم والخلاف. إما أن يكون عاجزاً عن التغيير، أو جاهلاً بما سيحدث، أو غير مكترث بما يصنع خلقه. وأي من هذه الصفات هي صفات فشل، لا صفات إله. ولهذا نقول: إن فشل الله هو الاسم الخفي الذي تخفيه جميع النصوص، وهو الاسم الذي لو عرفه المؤمنون حق المعرفة، لتركوا عبادته وتوجهوا إلى عبادة الإنسان وقدرته على تحمل الفشل دون أن يلوم إلهاً وهمياً على إخفاقاته.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire