Translate

تفكيك خرافة حي بن يقظان وأوهام الفطرة والتدين (مقال)

.


.
تفكيك خرافة حي بن يقظان وأوهام الفطرة والتدين





يشكل نص "حي بن يقظان" لابن طفيل علامة فارقة في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، إذ يُقدّم كعمل فلسفي يهدف إلى البرهنة على قدرة العقل البشري، من خلال التأمل الذاتي والاستدلال الطبيعي، على الوصول إلى المعرفة الإلهية واليقين الديني. لكن هذا النص، على قيمته الأدبية والتاريخية، يبقى أسير رؤية مثالية للوجود الإنساني تقوم على افتراضات غير مثبتة حول ما يسمى "الفطرة"، تلك الكلمة التي تحمل في طياتها إرثاً ثقافياً ودينياً هائلاً، وتُستخدم كأداة بلاغية فعالة لترسيخ فكرة أن التدين حاجة طبيعية وملازمة للكائن البشري. غير أن القراءة المتأنية لهذا التراث، في ضوء ما وصلت إليه العلوم الإنسانية والطبيعية من تقدم في فهم نشأة الوعي وتطور المجتمعات، تكشف عن هشاشة هذه الافتراضات، وتؤكد أن الإنسان يمكنه أن يعيش حياة كاملة وناجحة وسعيدة بعيداً عن أي إطار ديني، وأن ما يُروّج له كفطرة أو كحاجة فطرية هو مجرد بناء ثقافي وتاريخي لا يقوم على أي أساس علمي أو منطقي متين.

لقد صُمّمَت قصة حي بن يقظان لتكون نموذجاً درامياً لهذه الأطروحة، حيث ينمو بطلها في جزيرة نائية بعيداً عن أي تأثير اجتماعي، ليبدأ رحلة استكشافية للعالم من حوله، تبدأ بحواسه وتنتهي بتجارب روحية يعتبرها ذروة المعرفة. والجميل في هذه القصة أنها تقدم سرداً دقيقاً لمراحل تطور الوعي الإنساني عبر الملاحظة والاستدلال، غير أنها سرعان ما تنحرف عن مسارها المنطقي عندما تُلبس هذه الملاحظة ثوباً غيبياً، وتُحمَّل بدلالات غير موجودة في الواقع المادي الذي يدرسه الطفل الناشئ. فحي، الذي بدأ بعقل فارغ، لم يقتنع بوجود قوة خارقة للطبيعة إلا بعد أن أضفى على حركات الأجرام السماوية ونظام الطبيعة صفة الإرادة والعلم، وهذه بالضبط هي القفزة النوعية غير المبررة التي تفصل بين المنهج العلمي والتفكير الأسطوري. فالعلم الحديث يُفسر نظام الكون من خلال قوانين فيزيائية وكيميائية وبيولوجية، ولا يحتاج إلى التدخل المستمر لكائن واعٍ ومتدخل، ذلك التدخل الذي جاء كنتاج لخيال بشري قديم حاول سد فجوات فهمه للظواهر الطبيعية. ما فعله ابن طفيل في قصة حي لم يكن أكثر من وضع سيناريو تخيلي يبدأ بمنطق وينتهي بخيال، ثم يروّج له كبرهان عقلي على وجود الله، في خلط منهجي بين التفكير العقلاني والتفكير الأسطوري.

عندما نتجاوز النص إلى ما يرمز إليه، نجد أن نظرية "الفطرة" هي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها هذا البناء الأيديولوجي. إن مصطلح الفطرة، كما يُستخدم في السياق الديني، يحمل معنى مزدوجاً ومتضارباً؛ فهو من جهة يدعي أن الإنسان يولد على استعداد فطري للإيمان بالله، ومن جهة أخرى يُقر بأن البيئة والتلقين هما اللذان يوجهان هذا الاستعداد نحو دين معين أو نحو الإلحاد. وهذا التعريف في حد ذاته يكشف عن دائرية مريبة، فكيف يمكن أن تكون الفطرة ثابتة وفطرية في حين أن نتائجها تختلف اختلافاً جذرياً حسب المكان والزمان؟ فالطفل الذي يولد في مجتمع هندوسي يتربى على الإيمان بآلهة متعددة، والطفل الذي يولد في مجتمع بوذي قد لا يؤمن بوجود إله خالق أصلاً، والطفل الذي ينشأ في بيئة علمانية قد لا يطرأ على ذهنه أي سؤال عن الدين إلا عند مواجهته مع فكرة الدين لأول مرة. هذا التنوع الهائل في المعتقدات، والذي يمكن رصده عبر التاريخ وعبر الثقافات المختلفة، يقدم دليلاً دامغاً على أن ما يسمى بالفطرة ليس أكثر من مرونة معرفية تتيح للطفل استيعاب أي نظام ثقافي يُلقّن إياه، وليس ميلاً طبيعياً نحو الإيمان أو التدين.

إن الواقع الأنثروبولوجي والتاريخي يفضح ادعاءات الفطرة فصلاً بعد فصل. فالحضارات الإنسانية القديمة، كحضارة وادي السند أو حضارات بلاد الرافدين القديمة، لم تعرف الأديان التوحيدية التي ندعي اليوم أنها تمثل قمة الفطرة السليمة، بل آمنت بتنوع هائل من الآلهة والأساطير التي كانت تعكس مخاوفها وآمالها البيئية والاجتماعية. وحتى عندما ظهرت الأديان التوحيدية الكبرى، لم يكن انتشارها نتيجة لاكتشاف البشر لفطرتهم الحقيقية، بل نتيجة لعوامل تاريخية وقوة وسياسة، فالمسيحية انتشرت مع الإمبراطورية الرومانية، والإسلام انتشر مع الفتوحات العربية، وهذا لا يختلف كثيراً عن انتشار أي أيديولوجية أخرى في التاريخ. ولو كانت الفطرة حقيقة ثابتة، لما احتاجت هذه الأديان إلى كل هذه الأدوات من التلقين والتربية والعقاب والثواب لتثبيت نفسها في قلوب الناس وعقولهم، ولما كان هناك خوف دائم من الارتداد أو الشك أو الخروج عن الجماعة. إن الحاجة إلى مؤسسات دينية ضخمة تمتد عبر القرون، وإلى نصوص مقدسة تُحفظ وتُتلى، وإلى وعاظ وقساوسة وأئمة يشرحون ويذكرون، كل هذا يشير بوضوح إلى أن الإيمان ليس فطرياً بل مكتسباً، ليس طبيعياً بل اصطناعياً، وأن استمراره مرهون بجهود بشرية مستمرة لإعادة إنتاجه جيلاً بعد جيل.

إن مناقشة الفطرة كحاجة إنسانية جوهرية لا يمكن فصلها عن النظر إلى الدين بوصفه ظاهرة تاريخية ونفسية واجتماعية قابلة للفهم والتفسير. العلوم الحديثة، في مجالات البيولوجيا التطورية وعلم النفس وعلم الأعصاب وعلم الاجتماع، تقدم لنا فهماً أكثر عمقاً لأصول الدين واستمراره، فهي تفسر الدين كنتاج لتطور آليات معرفية كانت مفيدة في الماضي البعيد للبشرية، كآلية كشف النوايا في الآخرين والتي جعلت أسلافنا يفسرون الظواهر الطبيعية كأنها نتاج نوايا وكيانات مشابهة لهم، أو كوسيلة لتقوية التماسك الاجتماعي في المجموعات البشرية البدائية عبر توفير إطار مشترك من المعتقدات والطقوس. هذه التفسيرات العلمية تلغي بشكل كامل فكرة أن الدين هبة إلهية أو حاجة فطرية ملازمة للنفس البشرية، وتُعيده إلى سياقه المادي والتاريخي، كأحد المنتجات الثقافية التي اخترعها الإنسان لتلبية حاجات محددة في ظروف معينة، تماماً كما اخترع الزراعة أو الكتابة أو القوانين. وحين تتغير الظروف وتتطور المعرفة، يصبح من الطبيعي أن تتغير هذه المنتجات أو حتى تختفي، وهذا ما نراه اليوم في المجتمعات ذات المستويات التعليمية المرتفعة حيث تتراجع نسبة التدين بشكل ملحوظ، ويصبح العيش دون دين خياراً متاحاً وممارساً من قبل ملايين البشر الذين يعيشون حياة أخلاقية وسعيدة ومنتجة.

إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بقوة في سياق هذا النقاش هو: هل يمكن للإنسان أن يعيش حياة سعيدة ناجحة دون أي انتماء ديني أو إيمان بوجود قوة خارقة للطبيعة؟ والإجابة التي يقدمها الواقع المعاصر، بالإضافة إلى النظريات الفلسفية والعلمية، هي نعم بكل وضوح. إن السعادة والنجاح في الحياة لا يرتبطان أبداً بوجود الإيمان أو غيابه، بل يرتبطان بعوامل أخرى أكثر ملموسية، كالصحة النفسية والجسدية، والعلاقات الاجتماعية الداعمة، وتحقيق الذات والإحساس بالمعنى، والاستقرار المادي، والحرية الشخصية. كل هذه العوامل يمكن الحصول عليها تماماً خارج أي إطار ديني، والعديد من الناس حول العالم يعيشون حياة مليئة بالرضا والإنجاز وهم لا يؤمنون بأي دين، بل إن بعض الدراسات تشير إلى أن المجتمعات الأكثر علمانية، كتلك الموجودة في الدول الإسكندنافية، تحتل مراتب متقدمة في مؤشرات السعادة والرفاهية وجودة الحياة. مما لا شك فيه أن الحاجة إلى المعنى، والرغبة في فهم العالم، والبحث عن الأخلاق والقيم، كلها احتياجات إنسانية حقيقية، لكن الدين لم يكن ولن يكون الطريق الوحيد لتلبيتها، فالفلسفة والعلم والأخلاق العلمانية والقيم الإنسانية المشتركة تقدم بدائل عملية وعقلانية تغني عن أي إطار ديني.

إن الوصول إلى هذه النتيجة يقودنا بالضرورة إلى نقد الفكرة الأساسية التي يسوقها خطاب التدين، وتحديداً تلك التي تصور الإنسان بلا دين ككائن ناقص أو مشوه أو غير سوي. هذه الصورة المسيئة للإنسان هي نتاج لقرون من الهيمنة الدينية على الفكر والثقافة، وهي تستند إلى أسطورة سقوط الإنسان وحاجته إلى الخلاص، وهي قصة بديعة الأدب لكنها هشة كدليل. الإنسان الذي ينشأ في جزيرة منعزلة، أو في بيئة خالية تماماً من أي تلقين ديني، لن يخطر بباله مطلقاً أن هناك كائناً خفياً يتحكم في الكون، ولن يشعر بأي حاجة لتأليف قصة إلهية ليشرح بها ما يراه، بل سيكتفي بالملاحظة والتجربة والاستدلال، وهو بالضبط ما كان سيحدث لحي بن يقظان لو تمت كتابة قصته بروح علمية حديثة تلتزم بمنهجية الملاحظة الموضوعية والتفسير الطبيعي للظواهر. إن وصول حي في القصة إلى الإيمان بالله لم يكن نتيجة للفطرة، بل نتيجة للافتراضات المسبقة التي زرعها ابن طفيل في النص، وتلك هي بالضبط عقدة الخلاف، فالقصة لم تثبت الفطرة، بل افترضتها مسبقاً ثم صاغت سرداً يخدمها.

الحديث النبوي الشهير الذي يزعم أن كل مولود يولد على الفطرة، ثم أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، هو نص بالغ السطحية من الناحية العلمية والمنطقية، ولا يعدو أن يكون تعبيراً عن رغبة جماعية في تسويغ الهيمنة الدينية وتقديمها كأمر طبيعي. فهذا الحديث، حتى لو كان صحيح السند في التراث الإسلامي، يظل فكرة بشرية تحمل كل علامات الافتراض غير المبرر؛ فهو يتجاهل التنوع الثقافي والديني الهائل في العالم، ويعتبر التجربة الإنسانية برمتها انحرافاً عن نموذج وحيد هو النموذج الإسلامي الذي صادف أن نشأ في بيئة معينة في فترة زمنية محددة. والأكثر إشكالاً في هذا الحديث هو تناقضه الداخلي، فهو من جهة يجعل الفطرة الإيمانية كامنة في كل إنسان، ومن جهة أخرى يجعل تأثير الأبوين قادراً على طمسها وتحويلها إلى أي دين آخر، وهذا يعني أن الفطرة ليست قوية بما فيه الكفاية لمواجهة التلقين الاجتماعي، وبالتالي فوجودها أو عدم وجودها لا يغير شيئاً في النتيجة النهائية وهي أن الإنسان سيؤمن بما يلقن في بيئته. فكيف يمكن الاعتماد على فكرة بهذا القدر من الضعف لتكون أساساً لأهم قضية وجودية في حياة الإنسان؟

إن الخطاب الديني المعاصر يُصر على تقديم التدين كضرورة إنسانية وثابتة، ويُسقطها على كل زمان ومكان، لكن التاريخ والواقع ينفيان هذه الضرورة بنفس القوة التي يُصر بها عليها الخطاب الديني. فحضارات عظيمة ازدهرت لقرون طويلة دون أن تعرف الأديان التوحيدية، وشعوب كثيرة عاشت وتعمل وتنتج وتتساءل وتفرح وتحزن دون أن يكون للإله حضور في وجدانها. والمجتمعات الحديثة التي تخلت عن الدين كمرجعية أساسية، لم تنهار أخلاقياً أو اجتماعياً، بل على العكس، استطاعت أن تبني أنظمة قانونية وأخلاقية مستقلة تقوم على العقل البشري والتفاهم الاجتماعي، وأن تحقق تقدماً في المجالات العلمية والصحية والتعليمية لم تشهده المجتمعات الأكثر تديناً في العصور التي كانت تهيمن فيها الكنيسة أو المؤسسة الدينية على الحياة العامة. إن العيش بلا دين ليس حالة من الفراغ الأخلاقي أو الضياع الوجودي، بل هو انفتاح على إنسانية أوسع، تقوم على الاعتراف بأن المسؤولية عن حياتنا وعن مجتمعاتنا تقع علينا وحدنا، دون انتظار تدخل إلهي، ودون التسلح بفكرة الخلاص أو الجزاء الأخروي كحافز للخير والعدل.

في المحصلة النهائية، يمثل تفكيك خرافة حي بن يقظان وما تحمله من إرث حول الفطرة، خطوة ضرورية في نقد البنى الفكرية التي هيمنت على الثقافة العربية الإسلامية لقرون. لقد نجح ابن طفيل في بناء سردية جذابة تخلط بين العقل والخيال، وتقدم نموذجاً للإنسان الذي يكتشف الله بمفرده، لكن هذه السردية لا تصمد أمام التحليل العلمي والمنطقي للنشأة البشرية وتطور المعرفة. إن الفطرة، كما صاغتها الأيديولوجيات الدينية، ليست أكثر من مصطلح جوفاء فارغ، يُستغل لتمرير فكرة أن الدين جزء لا يتجزأ من هوية الإنسان، في حين أن الواقع العلمي والتاريخي يكذبان هذه الفكرة جملة وتفصيلاً. الإنسان ليس مولوداً على دين بعينه، ولا يحتاج إلى وصاية إلهية ليكون أخلاقياً أو سعيداً، بل هو كائن متطور ثقافياً، يتشكل وعيه ومعتقداته بحسب الظروف التي ينشأ فيها، وله القدرة الكاملة على إعادة بناء فهمه للعالم ونفسه بدون الاحتكام إلى نصوص قديمة أو رموز غيبية. لذا، فإن التحرر من أوهام الفطرة والتدين، لا يعني فقدان المعنى أو الانهيار الأخلاقي، بل يعني استعادة الثقة في العقل الإنساني وفي قدرته على خلق أسس الحياة الكريمة بنفسه، وبعيداً عن أي خرافة تستلب حريته وتحدد مصيره.






.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...