.
.
الفاشية الجنائزية وتبخيس قيمة الحياة: قراءة في الأبعاد السيكولوجية والوجودية لقصيدة "لا تصالح"
تظل القراءة الثقافية النقدية للمنجز الإبداعي واحدة من أهم الأدوات المعرفية القادرة على تفكيك بنى الوعي الجمعي وإعادة فحص المسلمات التي استقرت لقرون أو عقود بصفتها رموزاً طهرانية غير قابلة للمراجعة. وضمن هذا السياق، تبرز قصيدة لا تصالح للشاعر المصري أمل دنقل كحالة نموذجية لدراسة سيكولوجية الرفض في الثقافة المعاصرة، وهي السيكولوجية التي تتحرك في عمقها ضمن إطار ما يمكن تسميته بالفاشية الجنائزية. إن الخطاب السائد لطالما احتفى بهذا النص بوصفه درة تاج شعر المقاومة والتعبير الأسمى عن صون الكرامة واسترداد الشرف، إلا أن التمعن السيكولوجي والوجودي البنيوي في سطور القصيدة ومفرداتها يحيلنا إلى منطقة أشد قتامة؛ حيث يتحول الشعر من أداة لترقية المشاعر والانتصار للحياة وحماية الفرد إلى منصة لتبخيس قيمة الحياة الإنسانية، وتقديس الموت، وتحويل الرماد والدم إلى آلهة جديدة تُطلب محارقها لذاتها، مما يؤسس لوعي عدمي ينفي الحاضر ويفخخ المستقبل لحساب رؤية لاهوتية ماضوية ترى في الفناء المطلق الانتصار الوحيد الممكن.
إن المرتكز السيكولوجي الأول الذي تتأسس عليه القصيدة هو إقامة تعارض حاد وصارم بين مفهوم الشرف والكرامة من جهة، ومفهوم الحياة والرفاه والاستقرار من جهة أخرى؛ فالخطاب الشعري عند دنقل لا يرى في السيادة أو الأرض وسيلة لتمكين الإنسان من العيش بكرامة وأمن، بل يرى في الإنسان وحياته مجرد قربان لاستمرار قداسة الرمز المعنوي. يتجلى هذا بوضوح في النبرة الاحتقارية والازدراء الشديد الذي يبديه النص تجاه كافة خيارات العيش المستقر وتطوير جودة الحياة، حيث تصبح الكلمات الدالة على الرفاه والبهجة مرادفات للمذلة والدنس والمَسخ البنيوي. حين يتساءل الشاعر مستنكراً كيف تنظر في وجه امرأة أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها، وكيف تصبح فارسها في الغرام، وكيف ترجو غداً لوليد ينام، فإنه يقوم بعملية تجريد سيكولوجي تسلب الفرد حقه الطبيعي في ممارسة الحياة وبناء علاقاته الإنسانية والعاطفية المستقرة ما لم يكن منخرطاً في طقوس الحرب الدائمة والقتل المشترك، جاعلاً من شقاء الإنسان وبؤسه وعزلته المعيار الوحيد لنقائه الأخلاقي العقدي.
هذا العداء السيكولوجي المتأصل تجاه مظاهر الاستقرار والبناء يعكس عمق التأثر بثقافة البداوة والصحراء التي عجزت تاريخياً عن إدراك مفهوم المدينة والحضارة والتنمية المستدامة، فرأت في خشونة العيش والمكابدة الدائمة وفي الغزو الدائم جوهر الشرف والبطولة. إن تعبيرات مثل أوجه البهجة المستعارة واستطبت الترف والنسيم المدنس تكشف عن رؤية وجودية مأزومة، ترى في الرغبة الطبيعية للشعوب في الخروج من دائرة الحروب وبناء اقتصاد قوي وتأمين مستقبل الأبناء عيباً ونقيصة، وتدعو بالمقابل إلى إبقاء المجتمع في حالة استنفار حربي وجنائزي مستدام، يقتات على تذكر الفواجع واستدعاء الجثث الملطخة بالدماء. الشاعر هنا يمارس شكلاً من أشكال الابتزاز العاطفي والأيديولوجي الفج على الوعي الجمعي؛ إذ يجعل من كل لفتة نحو الحياة أو التمتع بثمار السلام بناءً مشيداً فوق دماء الشهداء وعاراً يلاحق صاحبه، وبدلاً من أن يسعى الأدب لشفاء الجروح وإعمار الخراب، يتحول في هذا النموذج إلى بوق يحث على نكء الجراح وتعميق الآلام ورفض التئامها، وكأن كرامة الأمة لا تتحقق إلا بفقر شعوبها وتشرد أطفالها ودورانها السرمدي في فلك الجريمة والدمار.
وتكتمل هذه البنية الفاشية الجنائزية عبر النزوع الوجودي العدمي نحو المطالبة بالمستحيل وإغلاق كل مساحات الممكن البشري والتفاوض السياسي؛ فالقصيدة عندما تضع شروطاً كونية وفلكية وفيزيائية للصلح، مثل عودة النجوم لميقاتها والطيور لأصواتها والرمال لذراتها والقتيل لطفلته الناظرة، فإنها لا تمارس شطحاً شعرياً أو خيالاً مجازياً بريئاً، بل تضع قيداً لاهوتياً صارماً يعطل العقل عن إنتاج أي حلول واقعية تحمي ما تبقى من حيوات البشر. إن هذا الإصرار على مطابقة شروط السلام مع حدوث المعجزات الغيبية وعكس حركة الزمن الفيزيائي هو التعبير الأسمى عن الحماقة والعدمية السياسية، لأنه يترك المجتمع أمام خيارين مدمرين: إما انتظار حدوث المستحيل الكوني الكلي، أو الاستمرار في التضحية بالأجيال المتعاقبة في محرقة حربية بلا نهاية. هذا التكتيك السيكولوجي يهدف بالأساس إلى إلغاء مفهوم الزمن الحاضر، وتحويل الحرب من مجرد وسيلة سياسية اضطرارية ومؤقتة لتحقيق غايات مادية ملموسة إلى غاية وجودية مقدسة مطلقة، تستمد مشروعيتها الدائمة من فكرة الفناء الكلي والوفاء الجنائزي للموتى.
إن هذا التقديس الأعمى للموت على حساب الحياة يعيد إنتاج المنظومة اللاهوتية التقليدية التي ترى في العالم الدنيوي مجرد دار ابتلاء ممر ومسرح للملاحم الفنائية الموعودة، وتزدري المنجز البشري والقانوني لصالح سرديات النبوءة والأخرويات. حين يطلب الشاعر صراحة من المتلقي أن يروي قلبه بالدم، ويروي التراب المقدس، ويروي أسلافه الراقدين في القبور إلى أن ترد عليه العظام، فإنه ينقلنا مباشرة من فضاء الشعر الحديث إلى أجواء الطقوس الجنائزية البدائية وحضارات تقديم الأضاحي البشرية للآلهة الغاضبة المتطرفة، حيث لا يهدأ غيظ الأرض ولا يكتمل الشرف إلا بتقديم المزيد من جثث الأبناء وقوداً لتراب مقدس مفترض. الأرض في هذا المنظور الفاشي تفقد قيمتها كمجال حيوي للعيش والنماء والتطور الإنساني، لتتحول إلى وثن ومقبرة شاسعة تبتلع الأحياء لإرضاء الأموات، ويصبح التراب أثمن من الإنسان الذي يعيش فوقه، مما يشرعن تصفية الأفراد وتدمير المدن وإحراق الحواضر العمرانية طالما أن النتيجة النهائية تخدم طهارة الرمز أو تطابق الواقع مع سردية الثأر الأبدية الموروثة.
ويمتد السقوط الإنساني والحقوقي لهذا الخطاب السيكولوجي ليمارس نوعاً من الإرهاب الثقافي الفج من خلال تصفية التعددية الفكرية والسياسية داخل المجتمع، وإسقاط صفة الإنسانية كلياً عن كل من يجنح للسلم أو يبحث عن عقلانية التدبير السياسي. فالقصيدة لا تكتفي بوضع شروطها الانتحارية، بل تعمد إلى شيطنة وتكفير كل من يحاول التفكير خارج خندق الرفض المطلق، ناعتة إياهم بالمسوخ والرجال التي ملأتها الشروخ والعمائم المتدلية فوق الأعين التي نسيت سنوات الشموخ. هذا التقسيم الثنائي الحاد والإقصائي الصارم، الذي يصنف المجتمع إلى فرسان طهرانيين يحملون السيوف ويسيرون نحو حتفهم بشرف واهم، وإلى مسوخ وخونة ومرجفين يستحقون النبذ والازدراء بمجرد أنهم أرادوا حماية أرواح البشر وتجنيب بلادهم ويلات الدمار والفقر، هو البنية الذهنية والسيكولوجية ذاتها التي تشتغل بها خطابات الجماعات والتنظيمات الراديكالية والتكفيرية عَبْر التاريخ. إنه خطاب يلغي مساحات المراجعة، ويمنع العقل من إعمال النقد، ويمارس نوعاً من الوصاية الأخلاقية واللاهوتية المطلقة التي تكمم أفواه العقلاء وتفتح الباب على مصراعيه لسيادة الغوغائية والتطرف والتحريض الجماعي الأعمى.
وتكمن الخطورة الكبرى لهذه البروباغندا الجنائزية في اشتغالها الممنهج على تفخخ وعي الأطفال وتوريث الأحقاد التاريخية كتركة بيولوجية وثقافية إجبارية عابرة للأزمنة. إن الطفولة، في الفكر الحقوقي والإنساني المعاصر، هي المساحة المحمية التي يجب تربيتها على قيم الانفتاح، والتعلم، والابتكار، والتعايش الخلاق، لتكون قادرة على بناء مستقبل أفضل وأكثر إنسانية. لكن أمل دنقل في لا تصالح يمارس انتهاكاً سيكولوجياً صارخاً لهذه القيمة؛ إذ يستغل مأساة الطفلة اليمامة بنت كليب لا لإنقاذ طفولتها أو وقف الدمار الذي حل بعشها، بل ليحول دموعها وعذاباتها وجلوسها فوق الرماد بثياب الحداد إلى سوط أخلاقي يُجلد به وعي المتلقي لمنعه من إلقاء السلاح وحقن الدماء. يتم تجريد الطفل من إنسانيته وحريته الإرادية، ويُصاغ مستقبله مسبقاً بوصفه حلقة في السلسلة الطويلة للأحقاد المتوارثة، حيث يتحول الأبناء في هذا الفكر الرجعي إلى مشاريع مقاتلين وانتحاريين يُحقنون بالكراهية قبل أن يولدوا، ويُطالبون بإيقاد النيران الشاملة واستيلاد الحق من أضلع المستحيل عبر فوهات البنادق ولغة الحراب، مما يسهم في إبقاء المجتمع رهيناً للتخلف والحروب الأهلية والإقليمية المستدامة، عاجزاً عن تقديم أي منجز حضاري أو علمي للبشرية سوى قوائم الضحايا وسرديات المظلومية.
إن هذا التمجيد الراديكالي للموت والخراب، والاحتقار الشديد لخيارات الحياة والرفاه والبناء، هو الحصاد المر والنتيجة البنيوية الحتمية لسيادة منطق الرفض الصِفري في الثقافة العربية المعاصرة التي تأثرت بهذا النمط من الشعر. فالمجتمعات التي تسلم قيادها الفكري والنفسي لقصائد التحريض العاطفي وشعارات الثأر الأبدي الميثولوجي تجد نفسها في نهاية المطاف خارج التاريخ، غارقة في الفقر والتراجع التنموي والانهيار الاقتصادي، بينما تتقدم الأمور وتزدهر لدى الشعوب الأخرى التي آمنت بسياسة الواقع والتفاوض المحكوم بالقانون والمصالح المشتركة والعلوم الحديثة والقوانين الوضعية البانية للإنسان. إن أمل دنقل، برغم موهبته الفذة وصياغاته الشعرية المتينة التي انطلت على الملايين، قد قدم خدمة جليلة للفكر الرجعي والانغلاق العقلي والعدمية السياسية، وصنع من فكرة الانتحار الجماعي وتقديس الفواجع معياراً وحيداً للشرف والبطولة الزائفة، مما جعل العقل الجمعي رهيناً لصراعات لاهوتية صحراوية وتاريخية غريبة عن طبيعة وبنية الدولة الوطنية المعاصرة.
بناءً على كل ما تقدم، يتضح أن قصيدة لا تصالح تمثل سقوطاً مدوياً وكاملاً من النواحي السيكولوجية والوجودية والحقوقية والإنسانية، وأن نزع الهالة الرومانسية والثورية عنها لم يعد مجرد ترف نقدي أدبي، بل هو معركة فكرية وجودية ضرورية لتحرير العقل البشري من أوهام الرفض العدمي والفاشية الجنائزية. إن الانتقام للضحايا الحقيقيين والانتصار للمستقبل لا يتحققان بالدوران في حلقة مفرغة من تدفق الدماء وإيقاد النيران الشاملة، بل بالانتقال نحو وعي مدني حقيقي وحديث يُعلي من شأن العقل، ويقدس حياة الفرد، ويحمي براءة الطفولة، ويجعل من بناء الإنسان ورفاهيته وحريته الغاية الأسمى وفوق كل الميثولوجيات والشعارات البائدة التي لم تجلب لهذه المنطقة سوى الموت والدمار والتجميد الحضاري المستمر.
.
.


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire