Translate

هزيمة جماعة "الله أكبر" في مونديال أمريكا 2026 (مقال)

.


.
هزيمة جماعة "الله أكبر" في مونديال أمريكا 2026





شهدت الملاعب المستضيفة لبطولة كأس العالم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك فصلاً جديداً من فصول الصدام الحتمي بين السرديات الغيبية والواقع المادي، وهو الصدام الذي تتجاوز أبعاده حدود المستطيل الأخضر لتكشف عن أزمة معرفية وبنيوية عميقة تعيشها المجتمعات المأزومة حضارياً. فمع إطلاق الحكم لصافرة نهاية مباراة الدور ربع النهائي بين منتخبي فرنسا والمغرب، معلنة فوز الديوك الفرنسية وإقصاء آخر ممثلي الفضاء الثقافي المرتبط بشعار "الله أكبر"، تلاشت آخر الأوهام التي حاولت استثمار الرياضة الحديثة كأداة لإثبات التفوق الروحي أو انتزاع صكوك الشرعية الميتافيزيقية. لم يكن خروج المنتخب المغربي، وقبله بقية المنتخبات العربية والإسلامية كمصر والجزائر والسعودية وإيران، مجرد خسارة كروية عابرة في تظاهرة رياضية عالمية، بل جاء كإعلان صريح عن تهافت منطق "الدروشة" والتعبئة العاطفية أمام صرامة المنظومات الاحترافية والمؤسسات العلمية التي تدير كرة القدم في العالم الغربي. لقد أثبت مونديال أمريكا 2026، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن القوانين الكونية وحركة الكرة على العشب لا تجامل أحداً بناءً على هويته العقائدية أو صلواته الجماعية، وأن السقوط المتتالي لجماعة الشعارات الدينية يعكس هزيمة بنيوية متكاملة الأركان لنمط تفكير يرفض مغادرة القرون الوسطى والاعتراف بحيادية السنن المادية التي تحكم العالم المعاصر.
تتجذر هذه الأزمة في السيكولوجية الجمعية للشعوب التي تعاني من تراجع حضاري مزمن، حيث يتحول اللجوء إلى الغيب وإقحام الإله في تفاصيل اليومي والترفيهي إلى آلية دفاعية ونكوصية للتعويض عن غياب الإنجاز الحقيقي على الأرض. تعيش هذه المجتمعات فصاماً معرفياً حاداً؛ فهي من جهة تستهلك التكنولوجيا والعلوم والنظم التي ينتجها الغرب العلماني، ومن جهة أخرى تصر على تبني خطاب استعلائي يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة والتميز الروحي. وعندما تعجز هذه الدول عن مجاراة التفوق الغربي في مجالات الاقتصاد والسياسة والعلم، تندفع نحو الرياضة باعتبارها الساحة الأسهل لصناعة انتصارات وهمية تداوي كبرياءها الجريح. من هنا، ولدت سرديات تضفي قداسة مزيفة على فرق كروية، فتحول اللاعبون إلى "مجاهدين" أو "ساجدين"، وتحولت الانتصارات العابرة في دور المجموعات إلى "فتوح تاريخية" يربطها الإعلام والجمهور بدعوات المصلين ورضا السماء. إن هذا الشحن العاطفي المفرط يفخخ الوعي العام ويجعله عاجزاً عن قراءة اللعبة بأدواتها الحقيقية، معتبراً أن الخصم لا يواجه مجرد أحد عشر لاعباً، بل يواجه الذات الإلهية نفسها التي جرى تسييسها واحتكارها لصالح طرف بعينه.
بيد أن المستطيل الأخضر، بأبعاده وخطوطه الدقيقة، يمثل مختبراً مادياً صارماً لا يخضع لعقد الولاء والبراء أو المشاعر القومية والدينية. إن كرة القدم الحديثة، التي صاغ البريطان قوانينها ونظمتها المؤسسات الاحترافية، أصبحت علماً قائماً على التخطيط التكتيكي المعقد، وتحليل البيانات عبر الذكاء الاصطناعي، والطب الرياضي المتطور، والجاهزية البدنية الفائقة. في هذا العالم الذي يُقاس فيه كل تحرك بالثانية والمليمتر، لا يوجد مكان للمصادفات الغيبية أو التدخلات السحرية. عندما واجه المنتخب المغربي نظيره الفرنسي، أو عندما سقط المنتخب المصري قبل ذلك أمام الأرجنتين، لم تكن النتيجة محكومة بمدى إيمان اللاعبين أو تقواهم، بل حُسمت لصالح الفريق الذي يمتلك منظومة كروية أكثر كفاءة وعقلية احترافية خالية من المشتتات الميتافيزيقية. لقد انتصرت فرنسا لأنها تمتلك مدارس تكوين عريقة ومؤسسات تتيح النقد والمحاسبة وتعتمد الكفاءة معياراً وحيداً، بينما غادرت "جماعة الله أكبر" البطولة لأنها تكتفي بالاعتماد على المواهب الفردية العشوائية وتغطي عيوبها التكتيكية والإدارية بستار من الشعارات الدينية والحماس الشفهي.
إن التناقض الصارخ في هذا النمط من التفكير يبرز بشكل فاضح عند لحظة الهزيمة، حيث تصاب الآلة الإعلامية والوعي الجمعي بالارتباك المعرفي والعجز عن التبرير. فالخطاب الذي كان ينسب الفوز على نيوزيلندا أو غيرها من الفرق المتواضعة إلى المعجزة والدعاء والبركة الإلهية، يجد نفسه في مأزق منطقي عندما تقع الخسارة؛ إذ يضطر إلى التخلي على عجالة عن تفسيراته الفوقية ليتحدث عن سوء الحظ وأخطاء التحكيم أو فوارق الإمكانيات المادية التي تم تجاهلها عمداً وقت الانتصارات. تظهر هذه الازدواجية كيف يتم التعامل مع المفهوم الديني كأداة نفعية وتبريرية مؤقتة، حيث يُراد للإله أن يكون أباً روحياً ومصفقاً للانتصارات، بينما تظل الهزيمة لقيطة يبحث لها الشارع عن شماعات دنيوية. هذا التذبذب يعري هشاشة السردية الرجعية ويكشف أن استخدام الدين في الرياضة ليس دليلاً على الإيمان العميق، بل هو تعبير عن إفلاس فكري وعجز عن مواجهة الواقع ونقد الذات وإصلاح المؤسسات الفاشلة على الأرض.
ولا يمكن فصل هذه الدروشة الكروية عن المشهد العام للرجعية الدينية والسياسية التي تهيمن على الفضاء الثقافي في هذه الدول، حيث يمارس الشيوخ والمؤسسات التقليدية تضليلاً مستمراً للوعي العام عبر تغييب العقل وتسطيح الظواهر الاجتماعية والطبيعية. إن المنظومة التي فشلت في تقديم نموذج تنموي أو سياسي ديمقراطي مستقر، تجد في تسييس الرياضة وصباغتها بصبغة دينية وسيلة مثالية لتخدير الجماهير وتوجيه طاقاتها نحو معارك وهمية. والمفارقة هنا تكمن في أن المجتمعات التي ادعت رفضها لخلط الدين بالسياسة بعد تجارب مريرة مع حركات الإسلام السياسي، لا تزال تتبنى نفس العقلية السلفية والإخوانية في قراءة الأحداث اليومية والرياضية. لقد غادر التنظيم الحزبي كراسي الحكم، لكن نمط التفكير القائم على انتظار المعجزات الكونية والحلول السحرية بدلاً من العمل الصارم والتحديث المعرفي لا يزال يستوطن الإعلام والشارع والمؤسسات الرياضية، مما يؤكد أن الرجعية مرض بنيوي يتجاوز التنظيمات السياسية ليشمل البنية الفكرية العميقة للمجتمع.
ويتجلى هذا الخلل الهيكلي أيضاً في غياب التعددية والفرز الثقافي والمؤسساتي الذي يمارس ضد الأقليات الدينية في بعض هذه الدول، مثل غياب اللاعبين المسيحيين الأقباط عن المنتخبات الوطنية والأندية الكبرى في مصر. إن تحويل غرف الملابس والملاعب إلى فضاءات للشعائر والخطب الروحية والدعاء الديني الفريلانس يخلق بيئة طاردة وغير استيعابية للمواطنين من ديانات أخرى، ويحول الرياضة من مساحة وطنية جامعة للموهبة والكفاءة إلى انعكاس للتنميط والتمييز الاجتماعي. هذا التوغل للخطاب الديني التقليدي في مفاصل الرياضة يثبت أن الدروشة لا تكتفي بتعطيل العقل، بل تعمل على تفتيت النسيج الاجتماعي وتدمير مفهوم المواطنة المشتركة، مما يساهم في إضعاف المنظومة الكروية وحرمانها من طاقات كفاءات حقيقية بسبب اعتبارات أيديولوجية وعقائدية ضيقة لا علاقة لها بمستوى اللاعب داخل المستطيل الأخضر.
إن المثير للانتباه في هذه الأزمة المعرفية هو أنها لا تقتصر على التيارات الدينية المحافظة فحسب، بل تمتد لتشمل نخبًا محسوبة على تيارات سياسية وأيديولوجية متباينة كالقوميين واليساريين والديمقراطيين في المنطقة. فعندما تواجه هذه القوى الإخفاقات السياسية أو العسكرية أو الهزائم الرياضية الكبرى أمام القوى الغربية، فإنها تسقط فوراً في فخ لغة المظلومية والانتظار السحري لعدالة كونية تنصف الضعيف لمجرد أنه يمتلك الحق الأخلاقي. يعجز هذا الوعي الجمعي المشوه عن إدراك أن التاريخ لا يعبأ بنبل القضايا أو بعدالتها إذا لم تكن مدعومة بأدوات القوة المادية والتحديث المؤسساتي والتكنولوجي. إن الخروج المتتالي للمنتخبات والدول التي ترفع شعارات الأصالة والسيادة الروحية يكشف أن الطرف الآخر لا ينتصر لأنه يمتلك رصيداً أعلى من الأخلاق، بل لأنه يمتلك علماً صارماً ومؤسسات تتيح النقد والمحاسبة وفضاءات حرية تولد الإبداع والتفوق، وما دام هذا الدرس غائباً، ستبقى هذه النخب والشعوب تدور في حلقة مفرغة من الصدمات المتلاحقة.
إن تفكيك السردية التي وضعت نهايتها مباراة فرنسا والمغرب يقودنا إلى نتيجة حتمية وهي ضرورة إخراج الميتافيزيقا بالكامل من حلبات التنافس المادي الدنيوي. فعندما يتم ترويج فكرة أن هزيمة فريق أو تنظيم يرفع شعارات دينية هي هزيمة للإله، فإن هذا الفكر يسيء إلى مفهومه الروحي الخاص ويوقعه في تناقضات كارثية، لأنه يضع ما يعتبره مقدساً في موضع رهان مادي محكوم بالفشل مسبقاً. إن الإله كمنظومة غيبية في الفكر الديني يتسامى عن العبث الكروي والصراعات السياسية الضيقة، وتحويله إلى كفيل أو مشجع لفرق رياضية هو التجلي الأوضح للوثنية المعاصرة المقنعة بشعارات التوحيد. عندما تنتصر المنظومات العلمانية والمادية في الملاعب أو في ميادين السياسة الدولية، فإنها تنتصر على التصورات الإنسانية القاصرة والدروشة التي حاولت توظيف السماء للهروب من استحقاقات الأرض والعمل الشاق والتخطيط العلمي.
في نهاية المطاف، تمثل هزيمة "جماعة الله أكبر" في مونديال أمريكا 2026 صفعة قوية وضرورية للوعي الجمعي المأزوم، لعلها توقظه من سباته الطويل وتدفعه نحو التصالح مع الواقع والسنن المادية. إن التطور الحضاري والتفوق الرياضي لا يتحققان عبر زيادة جرعات المخدر الغيبي أو فبركة صور ومواقف وهمية للمشاهير، بل عبر الاعتراف الشجاع بأن موازين القوى تُصنع في المعامل والجامعات والمدارس الحرة ومراكز التدريب الاحترافية. لن يخرج المجتمع من مستنقع التراجع التاريخي طالما استمر في البحث عن أسباب نصره وهزيمته في السماء بدلاً من نقد ذاته وإصلاح مؤسساته على الأرض؛ فالكرة، تماماً كالحرب والحضارة، لا تعطي قيادها إلا لمن يمنحها العقل والجهد والعرق، وخارج هذا الإطار المادي الصارم، لا يتبقى سوى ضجيج البلاغة الجوفاء وصدمات الهزائم التي لا تنتهي.






.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...