.
.
سقوط "القصيدة القناع": قراءة تفكيكية في البنية العميقة لعقل الرفض العربي
تظل المعضلة الكبرى التي واجهت حركة التحديث الأدبي والفلسفي في العالم العربي خلال القرن العشرين متمثلة في عجزها البنيوي عن الانفكاك من أسر المركزية التراثية، حتى في أكثر تجلياتها ثوريةً وراديكاليةً في الظاهر. ويتجسد هذا المأزق المعرفي بشكل حاد وصارخ عند إخضاع قصيدة لا تصالح للشاعر المصري أمل دنقل لقراءة تفكيكية تحفر في بنيتها العميقة، متجاوزةً السطح البلاغي السائد والتقنيات الفنية البراقة التي أُحيطت بها. إن هذا النص، الذي احتفت به النخب الثقافية والسياسية بوصفه نموذجاً فذاً لتوظيف تقنية القصيدة القناع واستدعاء الرمز التاريخي لمواجهة لحظة الانكسار السياسي بعد معاهدة السلام، يكشف عند فحصه معرفياً عن انسداد بنيوي هائل في عقل الرفض؛ فهو عقل يتدثر بوشاح الحداثة الشكلية والتناص الإبداعي، لكنه يشتغل بآليات تشغيل لاهوتية ماضوية مستمدة مباشرة من مدونات التراث الإخباري التي صاغت المخيال الجمعي عَبْر ثنائيات الصراع الصفري الأبدي، مما أدى في نهاية المطاف إلى عجز الثقافة المعاصرة عن إنتاج شعرية سلام حقيقية، وكرس حالة التجميد الحضاري والارتهان لوثنية الدم والثأر على حساب الإنسان والمستقبل.
إن الفحص المعرفي الأول للقصيدة يستوجب تفكيك المرجعية التي استقى منها الشاعر وعيه بالتاريخ والرمز؛ فأمل دنقل لم يقرأ حرب البسوس بوصفها وثيقة أنثروبولوجية محايدة تخضع للتحليل العلمي والمنهجي، بل تلقاها من خلال المنظومة المعرفية المأزومة لمدونات التراث الإخباري الإسلامي، مثل كتاب الأغاني للأصفهاني أو العقد الفريد لابن عبد ربه وسير الأيام. هذه المدونات لم تكن مجرد كتب لتسجيل الوقائع، بل صِيغت ووُجهت بذهنية سلطوية وميثولوجية تدمج المقدس بالدنيوي وتمنح الصراعات القبلية والبدائية طابعاً قدرياً مطلقاً. وبناءً على ذلك، فإن إسقاط الشاعر لهذه المرويات التاريخية على الواقع المعاصر لم يكن فعلاً حداثياً تحررياً، بل كان إعادة إنتاج مشوهة لانسداد معرفي قديم يرى في النزاع حول ناقة أو بئر ماء نموذجاً أعلى للشرف الإنساني، ويسحب هذا النموذج البدوي العبثي ليسقطه على معضلات الجغرافيا السياسية والدولة الوطنية في القرن العشرين، محولاً الصراع من مساحته الواقعية القابلة للحل والتفاوض إلى فضاء لاهوتي غيبي مغلق.
يتبدى هذا الانسداد في عجز الثقافة التقليدية، واليسارية العروبية المتمسكة بها، عن صياغة لغة أو شعرية قادرة على استيعاب مفاهيم السلام والاستقرار؛ فالشعر والوجدان العام في هذه المنطقة لا يزالان رهينين لتلك التدوينات التراثية التي تقرن البطولة والكرامة بالخراب والموت فقط. إن البنية العميقة لعقل الرفض العربي، كما تتجلى في لا تصالح، ترى في السلام تهجيناً للهوية وتدنيساً لنقاء القبيلة؛ ومن ثم، فإن أي محاولة لإعمال العقل والواقعية السياسية تُفسر فوراً على أنها مسخ وضياع للشرف، كما يعلن الشاعر صراحة حين يصف كل من ينزع نحو السلم بالمسوخ والرجال التي ملأتها الشروخ. هذا العجز عن إنتاج سردية ثقافية للتعايش والبناء يكشف كيف تحول الموروث التراثي إلى سجن معرفي يمنع المتلقي من التفكير خارج حدود الثأر، ويعيد صياغة وعيه ليرى في تدفق الدماء المستمر الدليل الوحيد على نبضه الوجودي، مفضلاً الفناء الكلي أو الانتحار الجماعي على الانخراط في قيم العصر الحديث وضوابطه القانونية والحقوقية.
وتقودنا هذه السيطرة اللاهوتية والتراثية إلى مناقشة فلسفية ومعرفية بالغة الأهمية حول طبيعة الأمة والروابط التي تجمع البشر؛ فالمنظومة الحديثة تقوم على مفهوم الدولة الوطنية العقلانية التي تتأسس على الجغرافيا والمصالح المشتركة والعقد الاجتماعي القابل للتطوير والمراجعة، وترى في الأفكار والأيديولوجيات منتجات بشرية فردية وحرة ومتبدلة لا يجوز إجبار الجماعات على التضحية بحياتها من أجلها. أما في قصيدة أمل دنقل، فإن الأمة العربية أو الأمة الإسلامية تُفرض كحتمية بيولوجية وقدريّة لاهوتية مطلقة لا فكاك للفرد منها، حيث يتحول مفهوم خلفك عار العرب إلى سوط أيديولوجي يلاحق المواطن ويجرده من خصوصيته وحقه في الاختيار. إن الفكرة هنا تكتسب وثنية وقداسة تجعلها تلتهم معتنقيها، فبدلاً من أن تكون الفكرة في خدمة الإنسان وتطوير حياته وحمايتها، يُختزل الإنسان ليكون مجرد أضحية وقربان لاستمرار قداسة الفكرة وبقائها متعالية على النقد والتغيير.
إن هذا التقديس الأعمى للفكرة على حساب الواقع الإنساني يعري زيف البهرج الحداثي للقصيدة؛ فالأدوات الفنية والتناص اللغوي لم تُستخدم لخلخلة السائد أو تحرير العقل، بل وُظفت كأدوات تجميلية وأقنعة لتمرير رسالة نكوصية شديدة الرجعية والانغلاق. المضمون هنا يضاد الشكل تماماً؛ فالشكل يدعي التجديد وحداثة الرؤية الشعرية، بينما المضمون صدى لصرخات جاهلية وتراثية قديمة تنادي بالدم والثأر المطلق وترفض شروط العصر. إن المطالبة بشروط مستحيلة وفيزيائية للصلح، مثل عودة القتيل للطفلة الناظرة وعودة النجوم لميقاتها والرمال لذراتها، هي التعبير الفلسفي الأدق عن هذا المأزق؛ إذ يضع الشاعر المتلقي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تحقيق المعجزة الغيبية والمستحيل الكوني، أو الاستمرار في الحرب إلى أن يجيب العدم. هذا الطرح يمثل ذروة العدمية السياسية، لأنه يلغي مساحة الممكن البشري ويعطل العقل عن إنتاج أدوات المقاومة الحقيقية القائمة على العلم والبناء الاقتصادي والمعرفي، مستبدلاً إياها بانتظار لاهوتي جنائزي مشحون بالأحقاد المتوارثة.
وتظهر المآلات الواقعية والخطيرة لهذا الخطاب الصِفري والعدمي في العصر الحديث من خلال تأمل واقع المجتمعات التي تتبنى سيكولوجية النبوءة وترهن مصيرها للنصوص والتصورات الغيبية والتراثية؛ فهذه المجتمعات تجد نفسها في حالة تجميد حضاري مستمر، عاجزة عن مغادرة مربع الحروب والصراعات البينية والإقليمية، ومستهلكة لكافة طاقاتها وثرواتها البشرية والمادية في تغذية محارق الرفض المطلق التي لا تنتج حلاً ولا تسترد أرضاً. وفي المقابل، تتقدم الشعوب التي تتبع سياسة الواقع والتطور العلمي والعقلانية القانونية، حيث تُدار الصراعات بمفهوم المصالح النسبية والمقايضات السياسية التي تحمي أمن الإنسان وتوفر له شروط الحياة والرفاهية. إن قصيدة لا تصالح، بجعلها من الثأر شعلة لا تبهت في الضلوع ومن الصلح عاراً مرسوماً فوق الجباه، قد أسهمت بشكل مباشر في صياغة نظام تشغيل مأزوم للعقل الجمعي، يرى في الدمار انتصاراً وفي الاستقرار والرفاهية استسلاماً ودنساً، مما جعل المنطقة تدور في حلقة مفرغة من التراجع والانهيار على كافة المستويات التنموية والحضارية.
إن التفكيك المعرفي والعميق لقصيدة لا تصالح يكشف في نهاية المطاف عن السقوط التام لشعار القصيدة القناع عندما يتحول الفن إلى بوق تعبوي وبروباغندا أيديولوجية تخدم النزوع نحو التوحش وإلغاء الآخر وتدمير السلم الأهلي والمدني. أمل دنقل، برغم تميزه الفني وقدرته البلاغية الفائقة، قد سقط في فخ التبعية المعرفية للتراث الإخباري واللاهوتي البائد، وقدم عبر هذا النص وثيقة أدبية فاشية تشرعن العنف وتفخخ وعي الأجيال القادمة وتكرس للاستلاب العقلي والجغرافي. إن مواجهة هذا النمط من الشعر وتعرية مرجعياته الماضوية ليست مجرد قراءة نقدية عابرة، بل هي ضرورة فكرية ملحة لتحرير الوعي الإنساني، والانتقال نحو ثقافة جديدة وحداثة حقيقية تُعلي من شأن العقل، وتنتصر للحياة، وتجعل من كرامة الإنسان وبناء مستقبله وحماية طفولته المعيار الأسمى وفوق كل الشعارات والميثولوجيات البائدة التي تقتات على الدم والرماد والخراب المستدام.
.
.


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire