.
.
أدب المقاومة أم بروباغندا التوحش؟ تفكيك الخطاب التحريضي وتوريث الأحقاد عبر الأجيال
تعتبر المراجعة النقدية للموروث الإبداعي المعاصر خطوة أساسية لخلخلة اليقينيات الزائفة التي استقرت في الوعي الجمعي لعقود طويلة، ولا سيما تلك النصوص التي أُحيطت بهالة من القداسة الثورية وأُدرجت ضمن ما يُسمى بأدب المقاومة. في طليعة هذه النصوص تأتي قصيدة "لا تصالح" للشاعر المصري أمل دنقل، والتي نُظر إليها تاريخياً بوصفها التعبير الأسمى عن التمسك بالحقوق والرفض المطلق للتنازلات السياسية. غير أن إخضاع هذا النص لتبصر فكري وحقوقي عميق، بعيداً عن الانفعالات والشعارات البلاغية البراقة، يكشف عن بنية عميقة مغايرة تنضح بالتحريض على العنف، وشرعنة الإرهاب البنيوي، ونبذ السلم المدني. إن الخطورة الحقيقية للقصيدة لا تكمن في قيمتها الفنية كمنتج أدبي، بل في تحولها إلى بروباغندا ثقافية تروج للتوحش، وتلغي منجزات الحداثة القانونية والحقوقية، وتعمل بشكل ممنهج على حقن النفوس بكراهية مجانية وتوريث الأحقاد عَبْر الأجيال، محولة الصراع من أبعاده الإنسانية القابلة للتفاوض إلى حالة لاهوتية جنائزية مطلقة تقتات على الدم وتلفظ الحياة.
إن تفكيك المنطق البنيوي للقصيدة يبدأ من محاكمة رؤيتها لمفهوم العدالة والقانون؛ ففي العصر الحديث، استقر الفكر الحقوقي والإنساني على أن النزاعات والصراعات بين المجتمعات والدول يجب أن تُدار وتُحل عَبْر قنوات قانونية، ومؤسسات دولية، واتفاقيات سياسية تهدف في جوهرها إلى حقن الدماء، وصيانة حياة الأفراد، وتحقيق العدالة الانتقالية التي تضمن عدم تكرار المآسي. أما قصيدة لا تصالح، فإنها تعلن منذ مطلعها حرباً شعواء على هذا المنجز الحضاري، مكرسة لمبدأ الثأر القبلي العشوائي كخيار وحيد وأوحد. حين يصرخ الشاعر لا تصالح على الدم حتى بدم، ولو قيل رأس برأس، أكل الرؤوس سواء، فإنه يقوم بعملية شرعنة واضحة للعنف الصِفري الذي لا ينتهي، ترفض القصيدة منطق المؤسسة والقانون، وتدعو الفرد والمجتمع للارتداد إلى قانون الغابة البدوي، حيث تصبح الدماء وقوداً لتوليد دماء جديدة في حلقة مفرغة من الانتقام المتبادل الذي يستحيل إيقافه بموجب الشروط الانتحارية التي يفرضها النص.
هذا الإصرار على مأسسة الثأر وإلغاء العقد المدني يعيد المجتمعات البشرية قروناً إلى الوراء، حيث يُنزع الفرد من سياقه كمواطن يحميه القانون وتحكم تصرفاته الدولة، ليُحشر في زاوية العصبية الضيقة التي ترى في الآخر وجوداً دنسًا يجب إفناؤه. إن تحريض دنقل على غرس السيف في جبهة الصحراء إلى أن يجيب العدم هو إلغاء كامل لإمكانية نشوء أي أرضية مشتركة أو تعايش إنساني، وتحويل العنف من وسيلة اضطرارية مؤقتة للدفاع عن النفس إلى غاية وجودية مقدسة تُطلب لذاتها. في ظل هذا المنظور الفاشي، تصبح معاهدات السلام والمواثيق التي تحمي المدنيين وتوقف جحيم الحروب مجرد حيل دنيئة وخيانة للشهداء؛ وهي ذات العقلية الراديكالية التي تقتات عليها الجماعات الإرهابية المعاصرة، والتي تجد في هذا النمط من الشعر غطاءً ثقافياً يبرر توحشها ويرفع من شأن عملياتها التدميرية بوصفها وفاءً للدم المراق وطاعة لأوامر لاهوتية عابرة للأزمنة والقوانين.
ومن أكثر الأبعاد سقوطاً في هذه القصيدة من الناحية الحقوقية والإنسانية هو تبنيها لاستراتيجية تفخيخ وعي الأطفال وتوريث الكراهية كتركة بيولوجية وثقافية إجبارية. إن الطفولة في كافة المواثيق والأعراف الدولية هي مساحة محمية، يُفترض أن تُربى على قيم السلام، والعلوم، والانفتاح، والتعايش، لضمان بناء مستقبل أكثر إنسانية وتطوراً. لكن القصيدة تمارس انتهاكاً صارخاً لهذه القيمة؛ إذ تعمد إلى استغلال شخصية الطفلة اليمامة بنت كليب، وتوظيف عذاباتها وجلوسها فوق الرماد بثياب الحداد لا من أجل إنقاذ طفولتها أو وقف الحرب التي دمرت عشها، بل لتحويل مأساتها إلى سوط أخلاقي يُجلد به وعي المتلقي لمنعه من التفكير في إلقاء السلاح. يتم استخدام الطفلة كأداة تعبئة عسكرية، ويُصاغ مستقبلها مسبقاً بوصفها حلقة في سلسلة الأحقاد المتوارثة، حيث تُحرم من العيش كإنسان مستقل لتصبح مجرد نادبة محترفة تحرض على القتل واستمرار المحرقة.
يمتد هذا التدمير الممنهج لوعي الأجيال القادمة ليتوج في المقطع السادس، حيث يقرر الشاعر صراحة أن هذا الصراع ليس ثأر جيل واحد، بل هو ثأر جيل فجيل، مبشراً بظهور طفل مستقبلي يولد ليلبس الدرع كاملة، ويوقد النار شاملة، ويطلب الثأر، ويستولد الحق من أضلع المستحيل. إن هذا الإعلان يمثل ذروة الفاشية الثقافية والعدمية الإنسانية؛ إذ يتم تجريد الأجيال التي لم تولد بعد من حريتها الإرادية ومن حقها الفردي في اختيار مسارات حياتها واهتماماتها الفكرية والعلمية، ويُفرض عليها مسبقاً أن تكون وقوداً لنيران أشعلها الأجداد في صراعات لاهوتية وتاريخية بائدة. الشاعر هنا يؤسس لمصنع لتفريخ الانتحاريين والمقاتلين العقائديين، مستبدلاً التربية على الإبداع، والابتكار، وعمران الأرض، بالتربية على إيقاد النيران الشاملة وتقديس الموت الجنائي، مما يسهم بشكل مباشر في إبقاء هذه المجتمعات رهينة للتخلف والحروب الأهلية والإقليمية المستدامة، عاجزة عن تقديم أي منجز حضاري للبشرية سوى قوائم الضحايا وسرديات المظلومية التاريخية.
إن هذه البروباغندا التحريضية تعتمد بالأساس على آلية التجريد من الإنسانية وتكفير المخالف سياسياً وأخلاقياً، وهي السمة البارزة لكل خطابات التوحش عَبْر التاريخ. فلكي يقنع الشاعر المتلقي برفض السلام واستمرار القتال حتى الفناء، كان لزاماً عليه أن يشوه صورة كل من ينادي بالواقعية السياسية أو يبحث عن حلول تحمي حياة البشر. ومن هنا جاء استخدام مصطلح المسوخ لوصف كل من يخرج عن خندق الرفض المطلق والثأر الأبدي، حيث يقول في مقطعها التاسع وسواك المسوخ. هذا التقسيم الإقصائي الحاد، الذي يصنف البشر إما إلى فرسان طهرانيين يحملون السيوف ويسيرون نحو حتفهم بشرف مزعوم، أو إلى مسوخ دنيئة تستحق الاحتقار والنبذ، يلغي أي مساحة للحوار العقلاني أو التعددية الفكرية والسياسية داخل المجتمع، ويمارس نوعاً من الإرهاب الثقافي الفج الذي يكمم أفواه العقلاء ويفتح الباب على مصراعيه لسيادة الغوغائية والتطرف الأعمى.
وتتجلى حماقة هذا الخطاب وسقوطه الإنساني في معاداته الصريحة لخيارات الحياة والرفاه والبناء؛ فالقصيدة تنظر بعين الاحتقار والازدراء لكل مظاهر الاستقرار وتطوير جودة الحياة، معتبرة إياها ترفاً مدنساً وبهرجاً مستعاراً يستوجب اللعنة. إن تعبيرات مثل أوجه البهجة المستعارة، واستطبت الترف، والنسيم المدنس، تكشف عن نزوع سيكولوجي مأزوم يربط الشرف بالبؤس والمكابدة والدوران في فلك الجريمة والدم، ويرى في الرغبة الطبيعية للإنسان في العيش بسلام، وتأمين مستقبل أطفاله، والتمتع بثمار التطور الحضاري والاقتصادي شكل من أشكال الخيانة وعاراً يجب التبرؤ منه. إن هذا التحريض على كراهية الحياة يتقاطع تماماً مع أدبيات التيارات الجهادية والعدمية التي ترفع شعار نحن نحب الموت كما تحبون أنتم الحياة؛ فكلا الخطابين ينطلقان من ذات البنية اللاهوتية الرجعية التي ترى في الاستقرار والازدهار المادي خطراً يهدد نقاء العقيدة أو قداسة القضية المتخيلة، وتفضل بقاء الشعوب غارقة في الفقر والتشرد والدمار المستمر على أن تنخرط في قيم العصر الحديث وتبني مجتمعاتها على أسس العلم والرفاهية والقانون.
إن هذا التمجيد الراديكالي للموت والخراب يحول الأوطان من فضاءات للعيش والنماء إلى مقابر كبرى تطلب المزيد من الأضاحي البشرية لإرضاء كبرياء الأسلاف الراقدين في القبور، كما يصرح النص في دعوته لإرواء العظام الراقدة حتى ترد عليك العظام. هنا يتحول الفن من كونه أداة لترقية المشاعر الإنسانية وأنسنة الصراعات وتخفيف آلام البشر، إلى بوق تعبوي فاشي يشرعن القتل الجماعي والانتحار المشترك، واضعاً شروطاً فيزيائية ومنطقية مستحيلة للسلام لضمان إغلاق كل منافذ الأمل والتطور. إن النتيجة الواقعية والحصاد المر لسيادة هذا النمط من التفكير في الثقافة المعاصرة هو ما نشهده اليوم من انهيار للمؤسسات الوطنية، وتآكل للسلم الأهلي، وتفشي لثقافة العنف والتوحش التي لم ترحم طفلاً ولا امرأة، والتي حطمت كل مقومات المدنية في المنطقة لصالح شعارات وهمية لم تحقق نصراً ولم تسترد حقاً، بل أورثت الشعوب الرماد والدموع والتراجع الحضاري المستمر.
بناءً على هذا التفكيك الشامل، يتضح أن قصيدة لا تصالح تمثل سقوطاً مدوياً من النواحي الحقوقية والإنسانية والمعرفية، وأن وصفها بأدب المقاومة ليس إلا تدليساً أيديولوجياً طمس حقيقتها بوصفها بروباغندا صريحة للتوحش والانغلاق العقلي. إن التحرر من أسر هذه النصوص وتعرية بنيتها التحريضية الفاشية ليس مجرد ترف نقدي أدبي، بل هو معركة فكرية وجودية ضرورية لإنقاذ العقل الجمعي، والعبور بالمجتمعات نحو أفق إنساني ومدني حديث يقدس حياة الفرد، ويحترم سيادة القانون، ويجعل من بناء الإنسان ورفاهيته وحماية طفولته الغاية الأسمى وفوق كل الميثولوجيات والشعارات البائدة التي لم تجلب سوى الموت والدمار.
.
.


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire