Translate

اغتراب الهوية المصرية: "لا تصالح" لأمل دنقل كأداة لتذويب الدولة الوطنية لصالح البداوة الثقافية (مقال)

.


.
اغتراب الهوية المصرية: "لا تصالح" لأمل دنقل كأداة لتذويب الدولة الوطنية لصالح البداوة الثقافية





تعد معالجة المسألة الإبداعية في الأدب العربي الحديث واحدة من أكثر الساحات الفكرية احتياجاً للتفكيك والمراجعة الجارية، خاصة حين يتعلق الأمر بإنتاجات أدبية نالت قداسة شبه جماعية في الوجدان الشعبي كقصيدة لا تصالح للشاعر المصري أمل دنقل. إن هذه القصيدة، التي لطالما صُنفت في خانة الشعر النضالي والتحرري الطليعي، تخفي تحت قشرتها البلاغية وصورها الحداثية تناقضاً بنيوياً حاداً يمس جوهر الهوية والأنثروبولوجيا التاريخية للمنطقة. تكمن الإشكالية الكبرى في هذا النص في كونه يعبر عن حالة اغتراب فكري وثقافي حادة عاشها المثقف المصري والعربي في القرن العشرين، حيث أدت الأدلجة القومية واليسارية والعروبية إلى استلاب وعي الكاتب وهويته الحضارية الراسخة لحساب منظومات قيمية وافدة، مستمدة من بيئة رعوية صحراوية لا تمتلك صلة بنيوية بطبيعة الدولة النهرية المستقرة في مصر، بل تُسهم في تذويب الكيان الوطني وتصفية مصالحه الاستراتيجية لصالح سرديات لاهوتية وميثولوجية عابرة للحدود والجغرافيا.
إن الانطلاق من قراءة تفكيكية لهوية الشاعر وسياقه الديموغرافي يضعنا أمام مفارقة أنثروبولوجية بالغة الدلالة؛ فأمل دنقل، المولود في صعيد مصر، هو ابن بيئة جغرافية وحضارية ضاربة في عمق التاريخ البشري، حيث تأسست على ضفاف وادي النيل واحدة من أقدم وأرسخ حضارات العالم القديم. هذه الحضارة المصرية، بطبيعتها البنيوية، قامت على الاستقرار، والزراعة، والتنظيم الإداري الصارم، وسيادة القانون، وهندسة الري والمساحة، وبناء الدولة المركزية القوية التي تحمي الفرد وتثمّن البناء والعمران وتأنف من حياة التنقل والنزاع العشوائي. ومع ذلك، حين وقف هذا الشاعر المعاصر ليعبر عن أزمة سياسية وجيوسياسية حديثة تخص بلده ومنطقته في السبعينيات من القرن العشرين، لم يستدعِ الرموز التاريخية أو المنظومة القيمية المدنية لتلك الحضارة النهرية البانية، بل اندفع نحو خلع هذه العباءة الحضارية الأصيلة كلياً ليرتدي مكانها عباءة البداوة الثقافية القادمة من صحراء جزيرة العرب، متبنياً رموزها وحروبها القبلية السحيقة كحرب البسوس لتكون هي قناعه الشعري ومرجعيته الأخلاقية والسياسية المطلقة.
إن هذا الارتداد المعرفي نحو استعارة الصحراء وعقدة حرب البسوس يعكس حجم التبعية الثقافية التي تورط فيها جزء كبير من النخبة الإبداعية، حيث جرى النظر إلى تاريخ القبائل العربية الجاهلية وصراعاتها العبثية حول الكلأ والماء أو الناقة كأنه المرجعية العليا لمعاني الشرف والكرامة والتضحية. حين يتقمص الشاعر شخصية كليب ويوجه وصاياه الدموية الصارمة لرفض الصلح وحقن الدماء، فإنه يقوم بعملية إحلال قسري لثقافة الغزو، والانتقام الأعمى، والثار البدوي الذي لا ينتهي، محل قيم العقلانية والتدبير السياسي الحديث القائم على الحفاظ على كيان الدولة وحياة مواطنيها. إن غرس السيف في جبهة الصحراء إلى أن يجيب العدم، كما تعلن القصيدة، هو التعبير الأسمى عن هذا الاغتراب، حيث تتحول الصحراء بكل ما ترمز إليه من تيه، وغياب للمؤسسة، وسيادة لمنطق القوة العارية، إلى معبد فكري يُضحى فيه بمفهوم الدولة والنظام المدني المستقر الذي عرفته مصر عبر تاريخها الطويل والمستقل قبل موجات التمدد الخارجي.
هذا الاغتراب الثقافي لا يتوقف عند حدود الاختيارات الفنية الفردية، بل يمتد ليمارس دوراً أيديولوجياً خطيراً في تذويب مفهوم الدولة الوطنية المصرية المعاصرة لحساب كيانات هلامية وافدة ومصطنعة. فالقصيدة تسعى، بوعي أو بغير وعي، إلى تكريس خرافة الأمة العربية المشتركة، فارضة على الفرد المصري أن يتحمل أوزاراً وتبعات سياسية وتاريخية وصراعات وجودية وصفرية لا علاقة له بها من الناحية الجينية أو التاريخية أو الجغرافية الفسيولوجية. حين يصرخ النص محذراً ومحرضاً بقوله إن خلفك عار العرب، فإنه يربط شرف المواطن المصري وثمن بقائه بمدى انصياعه واستسلامه لمنظومة العصبية العربية القبلية، مجبراً إياه على التماهي مع قضايا وحروب إقليمية مستنزفة، سُميت اصطلاحاً في الخطاب السائد بقضية فلسطين أو خرافة فلسطين الطامسة للواقع، والتي تحولت بفعل التعبئة الأيديولوجية واللاهوتية إلى ثقب أسود التهم دماء عشرات الآلاف من الجنود المصريين وثروات ومقدرات الاقتصاد الوطني لعدة عقود، دون أن تجني مصر من وراء ذلك سوى التراجع التنموي والتبعية وتأجيل مشروعات النهوض الداخلي.
إن التدقيق التاريخي والجيني والأنثروبولوجي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المصريين ليسوا عرباً؛ بل هم أمة متفردة بذاتها، ممتدة جينياً وثقافياً من أجدادهم بناة الأهرامات وحضارة وادي النيل، والتعريب الذي طرأ على مصر لم يكن خياراً طوعياً تلاقحت فيه الثقافات، بل كان نتيجة مباشرة لغزو عسكري عربي إسلامي عنيف في القرن السابع الميلادي، فرض لغة المستعمر ودينه وأنظمته الإدارية، وصاحبه استيطان سكاني وتغيير ديموغرافي قسري طمس الملامح الحضارية الأصلية لشعوب المنطقة، وجعلها تعيش في حالة انفصام هوياتي تام. ومن التناقضات الصارخة في بنية الفكر العروبي والقومي الذي تغذيه قصيدة لا تصالح، أن هذا التيار يشن حروباً كلامية وعسكرية شعواء ضد الاستيطان والتحول الديموغرافي الحديث المعاصر في فلسطين، بينما يعمى تماماً ويرفض مراجعة تاريخ الاستيطان والتعريب والغزو والتحول الديموغرافي القسري الأقدم الذي تعرضت له مصر، والشام، وشمال أفريقيا على يد الجيوش العربية الغازية، والتي حولت شعوباً أصيلة ذات حضارات عريقة كالمصريين والأمازيغ والسريان إلى مجرد مجاميع بشرية تابعة ثقافياً ولغوياً لثقافة الصحراء والبداوة النجدية والحجازية.
ومن نافلة القول إن هذا التناقض المعرفي البنيوي يمتد ليشمل الرؤية الجغرافية والتاريخية لطبيعة الصراع ذاته؛ فالنص القرآني والتراث الديني والتدوين التاريخي المكتوب بأيدي الإخباريين المسلمين أنفسهم، يقر ويثبت في مواضع لا حصر لها بأن تلك الأرض المتنازع عليها هي أرض بني إسرائيل تاريخياً ودينياً، غير أن السرديات العروبية والإسلامية الحديثة قامت بعملية تزييف ممهدة للوعي، حيث حورت الوقائع التاريخية والمستندات النصية لتصنع منها قضية مقدسة مطلقة ووقفاً إسلامياً أبدياً لا يجوز المساس به أو التفاوض عليه. ومن هنا تأتي خطورة قصيدة أمل دنقل، إذ إنها توفر الغطاء الأدبي والبلاغي البراق لتمرير هذه الخرافات الجغرافية والتاريخية إلى عقول الأجيال الجديدة، صابغة الفكر الإقصائي بصبغة المقاومة والكرامة، ومحولة مسألة الاستيطان والسيادة من نزاع سياسي واقعي خاضع لموازين القوى والمواثيق الدولية والحدود المعترف بها إلى حرب دينية لاهوتية لإنكار وجود الآخر وتصفيته بيولوجياً وثقافياً.
إن هذا التكريس للوعي القبلي واللاهوتي في القصيدة يشكل طعنة نافذة في خاصرة الدولة الوطنية المعاصرة ذات السيادة؛ لأن الدولة الحديثة تقوم في جوهرها وفلسفتها على مفهوم العقد الاجتماعي، والمصالح القومية الملموسة، ورعاية شؤون المواطنين وتوفير شروط الحياة الكريمة والأمن والنماء لهم داخل حدود جغرافية معترف بها قانونياً ودولياً. أما الكيانات الهلامية التي تبشر بها القصيدة وتدافع عنها كالأمة العربية أو الأمة الإسلامية، فهي كيانات افتراضية غير واقعية، قائمة على أفكار مجردة وميثولوجيات قديمة موروثة، والأفكار بطبيعتها فردية وحرة وقابلة للتغيير والنقد والتبدل والتحول في أي وقت ومع كل قفزة في الوعي البشري. وبالتالي، فإن رهن مصير أمة حقيقية وقائمة بالفعل كالشعب المصري، وإجبار أجياله المتعاقبة على خوض صراعات عسكرية صفرية ومستمرة إلى ما لا نهاية بذريعة الوفاء لفكرة الأمة الافتراضية أو التزامات العروبة المتخيلة، هو شكل من أشكال الاستبداد الفكري والفاشية القومية التي تلغي حرية الفرد وتسلب إرادة الدولة الوطنية وتحولها إلى مجرد مقاطعة تابعة لمركز وهمي يقع في بطون التاريخ التراثي المأزوم.
وتتجلى هذه الفاشية الثقافية بأوضح صورها في القاموس اللغوي والمعجم الدلالي الذي استخدمه أمل دنقل لإقصاء وشيطنة كل من يخرج عن هذا الإطار القبلي البدو؛ فالقصيدة تمارس إرهاباً فكرياً فجاً حين تسقط صفة الإنسانية كلياً عن الحكام أو الساسة أو المثقفين والناس العاديين الذين يميلون إلى لغة العقل والواقعية السياسية والبحث عن السلام وحقن الدماء، ناعتة إياهم بالمسوخ في مقطعها التاسع حيث تقول وسواك المسوخ. إن هذا التقسيم الثنائي الحاد والمطلق للمجتمع وللعالم، بين فارس وحيد نقي يحمل لواء الحق المطلق والثأر الأبدي، وبين مسوخ وخونة ومرجفين فاقدين للشرف لمجرد أنهم اختاروا حماية حياة البشر وتجنيب بلادهم ويلات الدمار والخراب، هو البنية الذهنية ذاتها التي تتأسس عليها خطابات الجماعات والتنظيمات الراديكالية والإرهابية التكفيرية، والتي لا ترى في المخالف السياسي أو الفكري إلا كافراً وجبت تصفيته واستباحة دمه وكيانه.
إن استبدال قيم المواطنة والدولة والقانون بروابط الدم والعصبية القبلية البدائية هو الجريمة المعرفية الكبرى التي ترتكبها هذه القصيدة في حق العقل العربي والمصري؛ فحين يقول الشاعر لا تصالح على الدم حتى بدم، ويرفض بشكل قاطع منطق الدية أو حقن الدماء أو التحكيم، ويعتبر أن قلوب الغرباء لا يمكن أن تتساوى مع قلوب الأشقاء، فإنه يهدم بضربة واحدة كل المنجز البشري الحديث في مجالات القانون الدولي، والعدالة الانتقالية، وحقوق الإنسان، ومعاهدات السلام التي أنهت أعتى الحروب العالمية وأكثرها دموية كالحروب الأوروبية التي خلفت ملايين القتلى ولم تنتهِ إلا بالجلوس على طاولات المفاوضات ورسم شروط التعايش والمصالح المتبادلة. إن الفكر البدوي الذي تروج له القصيدة يرى في التفاوض عاراً وفي السلام ذلاً وفي البناء والترف نذالة، مفضلاً بقاء المجتمع في حالة استنفار حربي وجنائزي دائم، يقتات على الموت والرماد والدموع، محولاً الأوطان إلى مقابر كبرى والمواطنين إلى مشاريع جثث مؤجلة بانتظار معركة فاصلة لن تأتي أبداً إلا في مخيلة السرديات الغيبية والنبوءات الأخروية المأزومة.
هذا التقديس للجنائزية والدمار يظهر بوضوح في الاحتقار الشديد الذي تبديه القصيدة لخيارات الحياة والرفاهية والتنمية المستدامة؛ فالتعبيرات البلاغية مثل أوجه البهجة المستعارة، واستطبت الترف، والنسيم المدنس، تكشف عن عدائية متأصلة في ثقافة الصحراء والبداوة تجاه كل ما يمت للمدينة والتمدد الحضاري بصلة. إن البدوي بطبيعته التاريخية، لعدم امتلاكه لأدوات الإنتاج المستقرة ولعجزه عن بناء الحواضر العمرانية، يميل دوماً إلى تبخيس قيمة الرفاه والاستقرار وبناء الاقتصاد، ويرى في الحرب والغزو والخشونة والمكابدة الدائمة المعيار الوحيد للرجولة والشرف. وأمل دنقل، بتبنيه لهذا المنظور، ينقل هذه العدائية إلى قلب المجتمع المصري الحديث، محرضاً الناس على رفض ثمار السلام المتمثلة في البناء والتعليم وتحسين جودة الحياة وتطوير البنى التحتية، معتبراً إياها ثياباً مطرزة بالقصب فوق دماء الشهداء، ومطالباً إياهم بالاستمرار في العيش بقلوب منكَّسة وبأرواح غارقة في عتمة الأحقاد التاريخية المتوارثة، وكأن كرامة الأوطان لا تتحقق إلا بفقر شعوبها وتشرد أطفالها واستمرار تدفق دماء شبابها في جبهات القتال المفروضة من الخارج.
إن توريث هذا النمط من التفكير للوعي الجمعي جيلًا بعد جيل هو الكارثة الحقيقية التي أسهمت هذه القصيدة في تأصيلها ورعايتها؛ فالشعر والآداب، عندما تتحول إلى أدوات شحن غرائزي وتعبئة أيديولوجية عمياء، تفقد دورها التنويري والإنساني في الارتقاء بالبشر وتوسيع آفاق مداركهم نحو التسامح والتعايش الخلاق، لتصبح بمثابة ألغام فكرية موقوتة تنفجر في عقول الناشئة وتسمم علاقتهم بالعالم المعاصر. إن الطفل الذي يتربى على سماع وقراءة هذه الأبيات التي تبشره بأنه وُلد ليحمل الدرع كاملة ويوقد النار شاملة ويستولد الحق من أضلع المستحيل عبر فوهات البنادق ولغة الحراب، هو طفل يجري اغتيال إنسانيته ومستقبله مسبقاً، ويتم تجريده من حقه في أن يكون عالماً، أو مهندساً، أو فناناً، أو إنساناً حراً يسهم في التطور البشري وبناء رفاهية مجتمعه، ليتحول إلى مجرد حطب جديد يغذي نيران الصراعات الصفرية العدمية التي ترفض الانتهاء.
إن النتيجة الحتمية والحصاد المر لسيادة هذا المنطق البدوي واللاهوتي في الثقافة العربية والمصرية المعاصرة هو ما نعيشه اليوم من تشظٍ، وتراجع حضاري، وعجز تام عن مواكبة العصر وحداثته؛ فالمجتمعات التي تسلم قيادها الفكري لقصائد الرفض المطلق وشعارات الثأر الأبدي، تجد نفسها في نهاية المطاف خارج التاريخ، غارقة في الرماد والخراب الاقتصادي والاجتماعي، بينما تتقدم الشعوب الأخرى التي آمنت بسياسة الواقع والتفاوض المحكوم بالمصالح المشتركة والعلوم الحديثة والقوانين الوضعية البانية للإنسان. إن أمل دنقل، برغم موهبته الفذة وصياغاته الشعرية المتينة، قد قدم خدمة جليلة للفكر الرجعي والانغلاق العقلي بصبغه بصبغة ثورية وطنية براقة انطلت على الملايين، وصنعت من فكرة الانتحار الجماعي ورفض واقع الحياة معياراً للشرف والبطولة الزائفة الزائلة.
بناء على كل ما تقدم، فإن قراءة وتفكيك قصيدة لا تصالح من منظور نقدي حداثي وجريء يتجاوز التابوهات القومية والدينية السائدة، يكشف عن سقوطها المعرفي والتاريخي التام، ويوضح كيف استخدمت البلاغة لتعطيل الوعي وتزييف الهوية الوطنية وتأبيد الصراعات والإرهاب الفكري عَبْر الأجيال. إن مصر، كدولة وحضارة وأمة مستقلة وراسخة، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التحرر من هذه التبعية الثقافية البدوية والعروبية الوافدة، والعودة إلى الجذور الحضارية النهرية التي تثمن الحياة، والاستقرار، والبناء، والقانون، وجعل المصلحة العليا للدولة الوطنية ومواطنيها هي البوصلة الوحيدة والحاكمة لكل الخيارات السياسية والاستراتيجية، بعيداً عن خرافات الأمم الافتراضية وشعارات الثأر الميثولوجي القاتل الذي لم يورث شعوب هذه المنطقة إلا الدم والدمار والتراجع الحضاري المستمر.







.


.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...