Translate

النعجة التي تفاخر بذيل الكبش (مقال)

.


.
النعجة التي تفاخر بذيل الكبش





في زمن يتسارع فيه التواصل وتتكاثر فيه المنصات الإعلامية، أصبح من السهل أن يختلط الإنجاز الحقيقي بالزخرف الإعلامي، وأن تتلبس الفضيلة بثوب الادعاء، وأن تنسب الأمم إلى نفسها ما لم تصنعه، وتفاخر بما لم تنجزه، وكأنما هي النعجة التي تنتعل ذيل الكبش وتظن أنها أصبحت كبشاً، أو على الأقل أنها صارت تملك ما يملك، وتفخر بما لا يخصها. وذلك هو المشهد الذي يتجلى بوضوح شديد حين نقرأ ذلك المقال المطول الذي نشرته صحيفة "سبق" الإلكترونية قبل أيام، تحت عنوان يحمل من الانتفاخ ما يحمل: "أعجوبة هندسية.. 10 أسرار مذهلة عن مظلات المسجد النبوي لا يعرفها المواطنون والزوار". فما إن تطأ قدم القارئ عتبة هذا المقال حتى تغمره موجة من التمجيد الذاتي الذي لا يخلو من المبالغة، ويغرق في بحر من الإحصاءات والأرقام التي تهدف إلى إبهاره وإسكات عقله النقدي، دون أن يتوقف للحظة عند السؤال الجوهري الذي يفضح كل هذا البهرج: من صنع هذه المظلات؟ ومن الذي امتلك القدرة الهندسية والتكنولوجية على تصميمها وتنفيذها؟ والإجابة التي يتجنبها المقال بعناية فائقة، بل يكاد يخفيها وراء ستار من الغموض، هي أن هذه المظلات ليست سعودية الصنع، ولا عربية التصميم، ولا إسلامية الابتكار، بل هي صناعة ألمانية بحتة، من تصميم شركة إس إل راش الألمانية، وتنفيذ شركة ليبهير الألمانية، وبإشراف شركة بن لادن السعودية التي لعبت دور الوسيط والمنسق، لا دور المبتكر ولا المصنع، وكأنها النعجة التي تقف خلف الكبش لتتزين بذيله وتتباهى به أمام القطيع.

إن المتأمل في هذا المقال المطول يجد أنه يعتمد على استراتيجية إعلامية ذكية، وإن كانت مكشوفة، تقوم على تضخيم الأرقام إلى أقصى حد ممكن، وكأن الكاتب يظن أن القارئ العربي أو السعودي سوف ينبهر لمجرد أن يسمع أن المظلات تزن أربعين طناً، أو أن مساحتها تعادل عشرين ملعب كرة قدم، أو أنها تستوعب مئتي ألف مصل، أو أن ارتفاعها يعادل خمسة طوابق، دون أن يسأل نفسه: وماذا بعد؟ هل هذا الرقم يجعلها سعودية؟ هل هذا الوزن يمنحها هوية وطنية؟ هل هذا الامتداد الهائل يمحو حقيقة أن كل برغي فيها، وكل متر من قماشها الزجاجي، وكل محرك من محركاتها الكهربائية، وكل قطرة من نظام الرذاذ المبرد، إنما هو صناعة أيادٍ ألمانية بارعة، درست الهندسة لعقود، وتراكمت لديها الخبرات في مجال المنشآت الخفيفة والمتحركة منذ عقود، حتى باتت قادرة على إنتاج هذه التحفة الميكانيكية التي نراها اليوم؟ إن المقال يحاول أن يبيع علينا الوهم بأن هذا الإنجاز هو إنجاز وطني، وأن الحضارة التي تقف وراءه هي حضارة عربية إسلامية، بينما الحقيقة المرة التي يتغافل عنها الكاتب، والتي ينبغي أن تكون أول ما يكتبه في مقاله، هي أن العرب والمسلمين لو تُركوا وحدهم دون مساعدة ألمانية لما كان لهذه المظلات أن توجد في واقع الأمر، ولبقيت ساحات المسجد النبوي كما كانت قبل عقود، مكشوفة لحر الشمس وبرد المطر، لأن القدرات الهندسية والتصنيعية في العالم العربي والإسلامي، وبكل أسف، لا تزال عاجزة عن إنتاج مثل هذه المنشآت المعقدة، وتعتمد دائماً على استيراد العقول والخبرات من الغرب، ثم تأتي الأقلام المأجورة لتكتب عن "الأعجوبة الهندسية" وكأنها من صُنع أيدي المسلمين، وهذا هو بعينه التفاخر بذيل الكبش.

يتجلى هذا التناقض الصارخ في المقال حين يعمد الكاتب إلى تعداد الفضائل والمميزات وكأنه يسرد مناقب البطل القومي، فيتحدث عن المظلات وكأنها جيش عرمرم يحمي المصلين من حرارة الشمس، وعن نظام الرذاذ المبرد الذي يلطف الأجواء عبر آلاف الفتحات، وعن الزخارف الإسلامية والنحاس المطلي بالذهب الذي يضفي عليها طابعاً روحانياً وجمالياً، وكأن هذه الزخارف كافية لمنح المظلات هوية إسلامية تجعل منها إنجازاً عربياً، مع أن الزخرفة هي أقل عناصر المشروع قيمة، وأكثرها سطحية، فهي مجرد طلاء خارجي يوضع على هيكل ألماني الجذور، تماماً كما تلبس النعجة ذيل الكبش فتظن أنها أصبحت كبشاً، بينما يبقى ذيل الكبش كبشياً، وتبقى النعجة نعجة مهما تزينت وتغطت بذلك الذيل. إن القيمة الحقيقية في المشروع تكمن في التصميم الهندسي المعقد، وفي المواد المتطورة، وفي أنظمة التشغيل الآلي، وفي قدرة هذه المظلات على الفتح والغلق بسلاسة ودقة متناهية، وكل ذلك ليس له أي صلة بالثقافة العربية أو الإسلامية، بل هو نتاج قرون من التراكم العلمي والصناعي في الغرب، ونتاج استثمارات ضخمة في التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا، وهو ما تغفل عنه وتتجاهله الصحافة العربية التي تفضل الانشغال بالأرقام المثيرة عن الانشغال بالحقائق الجوهرية.

إن كنت ستتفاخر بمظلات المسجد النبوي، فإن من حق القارئ المتابع أن يعرف الحقيقة كاملة، لا أن يقدم له نصفها المزخرف، فمن المحزن، بل المخجل أن نقرأ مقالاً يغطي هذه التفاصيل الهندسية الدقيقة، ثم نبحث عن اسم المهندسين والمصممين فلا نجده، ونتساءل عن الجهة المصنعة فلا نجد إجابة، وكل ما نجده هو إحصاءات باردة وصفات إنشائية جافة، وكأنما المشروع ولد تلقائياً من رحم الصحراء، أو كما لو أن جنيّاً من الجن ظهر فجأة وبناه في ليلة وضحاها. إن هذا الأسلوب في التغطية الصحفية ليس مجرد تقصير، بل هو تضليل مقصود أو غير مقصود، يحاول أن يزرع في وجدان القارئ فكرة زائفة عن القدرات المحلية، ويُوهمه بأن الأمة قادرة على صنع المعجزات بنفسها، بينما الواقع يقول غير ذلك. والغريب أن الكاتب نفسه يعترف في أحد بنود مقاله بأنه "لا تتوافر بيانات رسمية منشورة تحدد كمية النحاس أو الذهب المستخدمة"، وهذه اللفتة الخجولة تكشف أن المقال مبني على معلومات جزئية وغير مؤكدة، ومع ذلك فإن الكاتب لا يتردد في وصف المظلات بأنها "أعجوبة هندسية" و"مدينة متحركة" و"غابة معمارية"، وكأنه يكتب قصيدة شعرية لا تحقيقاً صحفياً، وكأن الغرض من النص هو الإبهار والإثارة، لا الإفادة والتثقيف.

إن الإشكالية الأعمق هنا ليست مجرد قضية صحفية أو تحيز إعلامي، بل هي قضية هوية وثقافة، فكثير من الخطاب الإعلامي العربي، بل والرسمي أيضاً، يعاني من عقدة النقص التي يخفيها خلف قناع الادعاء والمباهاة، في حين أن الأمم الحقيقية هي تلك التي تعترف بضعفها أولاً لتتمكن من النهوض، وتقر بعجزها ثانياً لتسعى إلى التعلم، وتستورد العقول لا المنتجات فقط، كي تستطيع يوماً ما أن تصنع مثل هذه المظلات بيديها، لا أن تكتفي بشرائها جاهزة ثم التفاخر بها كأنها من صُنعها. وما نشاهده اليوم في المشهد الإعلامي العربي يشبه إلى حد كبير طفلاً صغيراً يرتدي ثياب والده ويظن أنه صار رجلاً، فيمشي متثاقلاً تحت وطأة الثياب الكبيرة، بينما الجميع يضحكون من مشهد التعاظم الوهمي. إن المظلات الألمانية بقيت ألمانية حتى وإن غُطيت بالزخارف الإسلامية، والعقول التي صممتها ونفذتها بقيت غربية حتى وإن أشرف على تركيبها مقاول سعودي، وليس في الاعتراف بذلك أي حرج، بل العيب كل العيب هو في التغطية التي تحاول إخفاء ذلك وتزييف الحقائق، وكأن القارئ العربي لا يستحق أن يعرف الحقيقة كاملة، وكأنه لا يهمه إلا أن يسمع المجاملات والمدائح.

ولعل أشد ما يثير الاستغراب في هذا المقال هو ذلك التكرار الممل للمقارنات الكمية، من أمثال أن المظلات تعادل عشرين ملعب كرة قدم، وأنها تستوعب مئتي ألف مصلٍ، وأن طول أضلاعها يبلغ لو صُفت في خط واحد ستة كيلومترات ونصف الكيلومتر، وكأن الكاتب يظن أن القيمة الحضارية للمشروع تكمن في حجمه ووزنه وعدده، لا في الإبداع التقني والعلمي الذي يتطلب عقولاً مبتكرة ومختبرات متطورة وخبرات متراكمة، وهو ما يغيب تماماً عن المقال، فلا تجد فيه كلمة واحدة عن المعاناة الهندسية التي صاحبت التصميم، ولا عن التحديات التقنية التي واجهت التنفيذ، ولا عن الابتكارات العلمية الجديدة التي أدخلت في صناعة هذه المظلات، وكل ما نراه هو أرقام باردة نحتاج إلى آلة حاسبة لتفسيرها، لكنها لا تفسر لنا شيئاً عن جوهر الإنجاز وحقيقته. إن هذا النوع من الصحافة السطحية هو الذي يحول دون تقدم العقل العربي، لأنه يغذيه بالغرور بدلاً من أن يغذيه بالمعرفة، ويشجعه على التباهي بما ليس لديه بدلاً من أن يحفزه للسعي لما لديه، ويجعله أسير أوهام العظمة المزيفة بدلاً من أن يدفعه لبناء عظمة حقيقية تقوم على العلم والعمل والاجتهاد.

إننا لو أردنا أن نكون منصفين حقاً، لوجب علينا أن نمدح الألمان أولاً قبل أن نمدح أنفسنا، لأنهم هم الذين صنعوا هذه الأعجوبة بعقولهم وخبراتهم، ونحن الذين اشتريناها بأموالنا، وليس في ذلك أي عيب، فكل الأمم تشتري وتستورد وتتعاقد، ولكن الفرق أن الأمم المتقدمة عندما تشتري إنجازاً ما، فإنها تشتريه وهي تعمل في نفس الوقت على تطوير قدراتها الذاتية لكي لا تظل مشترية إلى الأبد، في حين أننا نشتري اليوم ونفاخر بالشراء وكأنه إنجاز، ونكرر ذلك غداً وبعد غد، من دون أن نبني ورشاً أو مختبرات أو مراكز بحث تمكننا من أن نصنع مثل هذه المظلات بعد عشر سنوات بأيدينا. ولهذا فإن التفاخر بهذه المظلات ليس إلا دليلاً على الفقر المعرفي والهندسي الذي نعيشه، وكأننا نعلن للعالم أننا لا نملك إلا المال لنشتري به إنجازات الآخرين، ثم نزينها بأسمائنا ونضعها في متاحفنا الإعلامية وكأننا خلقناها من عدم. وهذا يشبه تماماً من يشتري لوحة فنية لرسام عالمي ثم يضع توقيعه عليها وينسبها لنفسه، وهو عمل مرفوض أخلاقياً وقانونياً، وإن اختلفت درجة الرفض في حالتنا لأننا لا نضع توقيعنا على المظلات ذاتها، لكننا نضع توقيعنا عليها في عناوين الصحف وتقارير التلفزيون، ونسبقها بعبارات التمجيد الوطنية التي توحي بأنها نتاج جهد محلي، وهذا هو ذاته التزوير الإعلامي الذي لا يقل خطراً عن تزوير اللوحات الفنية.

ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أن المقال يحوي في طياته اعترافاً غير مباشر بضعف المشروع حين يذكر في أحد بنوده أن "لا تتوافر بيانات رسمية منشورة تحدد كمية النحاس أو الذهب المستخدمة"، وكأن الكاتب يضع هذا البند باعتباره اعترافاً بالنقص في المعلومات ليتخلص من تبعاته، لكنه في نفس الوقت لا يتردد في ذكر كل الأرقام الأخرى وكأنها مسلمات قطعية، متناسياً أن المظلات ليست مجرد أرقام، بل هي أيضاً هوية علمية وتقنية، وهذه الهوية لا تعبر عنها الأرقام، بل تعبر عنها الأسماء، وأسماء المهندسين الألمان غائبة تماماً من النص، وكأن المشروع صنعته الجدران والأسقف وحدها دون أن يكون هناك بشر خلفها، وهذا النوع من التجريد الإنساني هو أكثر ما يكشف نية الكاتب في إخفاء الحقيقة، فهو لا يريدك أن تعرف أن هناك مهندساً ألمانياً اسمه مثلاً فريتز أو هانز أو فرانز قضى سنوات من عمره في تصميم هذه المظلات، لأنه لو عرفت ذلك لربما تساءلت: لماذا لا يوجد مهندس عربي أو سعودي باسم محمد أو خالد أو عبد الله على رأس فريق التصميم؟ ولماذا اقتصر دور العربي على الإشراف والتركيب وليس على التصميم والابتكار؟ ولماذا تظل النخب العربية عاجزة عن بناء مثل هذه المنشآت مع أنها تملك من المال ما يكفي لاستقطاب آلاف العقول، ولكنها لا تملك من الإرادة ولا من المنهج العلمي ما يؤهلها لخلق بيئة محلية صانعة ومبتكرة؟

لكل هذه الأسباب يمكن القول بأن مقال "سبق" ليس مجرد مقال عادي، بل هو نموذج مصغر للخطاب الإعلامي العربي المريض الذي يفضي إلى الانبهار بالشكل على حساب الجوهر، وبالكم على حساب الكيف، وبالخارج على حساب الداخل، وبما يملكه الآخرون على حساب ما نملكه نحن فعلاً. إن النعجة لا تصبح كبشاً بارتداء ذيله، والأمة لا تصبح متقدمة باستيراد إنجازات الآخرين والتفاخر بها، بل تتقدم عندما تقرأ التاريخ جيداً وتفهم أن كل نهضة قامت في العالم كانت نتاج عقول محلية درست وتعلمت وابتكرت، لا عقول مستوردة جاءت لتبني وتذهب، وتترك الأمة في دائرة الاستهلاك والتبعية. ومظلات المسجد النبوي، على جمالها وروعتها وفائدتها العظيمة للمصلين، تظل مجرد مظلات ألمانية الصنع، مهما حاولت الأقلام المأجورة أن تلبسها ثوب الوطنية والإسلام، ومهما زينتها بالنحاس والذهب، ومهما وصفتها بالأعجوبة الهندسية، فهي في النهاية ذيل كبش لا يليق بنعجة، ولكن النعجة تظل تحسب أنها صارت نمراً أو أسداً لمجرد أنها تزينت بهذا الذيل، وتظل الأمة العربية والإسلامية تؤجل حلمها في النهضة الحقيقية إلى يوم تدرك فيه أن النهضة لا تُشترى بالأموال، بل تُبنى بالعقول، وأن التفاخر بإنجازات الغير هو ذروة التخلف، وليس ذروة التقدم، وأن النعجة التي تفاخرت بذيل الكبش إنما كانت تسخر من نفسها، دون أن تدري، أمام كل من يرى الحقيقة كما هي، عاريةً من الزخرف والدهان.






.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...