Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (26) العميل الأبرص العاوي شاكر البرجاوي (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(26) العميل الأبرص العاوي شاكر البرجاوي




في عالم السياسة اللبنانية العبثي، حيث تتسابق الشخصيات على من يكون أكثر انبطاحاً وانقلاباً على مبادئه، يبرز شاكر البرجاوي، المعروف بأبي بكر، كنموذج فريد في فن التقلب السياسي والتملق للأسياد المتغيرين. فالرجل الذي بدأ مسيرته عضواً في حزب البعث الإشتراكي الموالي للعراق، ومقاتلاً في حرب الفنادق عام 1975، قبل أن يدعم الجيش العراقي في حربه ضد الإيرانيين بداية الثمانينيات، ليست لديه قناعات ثابتة، بل هو مجرد بندقية للإيجار، تتجه حيثما أشارت أصابع التمويل والسلطة.

عاد البرجاوي إلى بيروت ليجد نفسه مقاوماً للاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ليصاب بحروق جراء قذيفة نابالم، وكأنه يبحث عن دور بطولي في كل معركة، لكنه سرعان ما أسس في بداية العام 1983 "تجمع الشباب الناصري" بعدما انفتح على تنظيم المرابطون وزعيمه إبراهيم قليلات، متنقلاً بين الأيديولوجيات وكأنها ملابس يغيرها في كل موسم. وتواصل مع الفلسطينيين المنشقين عن فتح قبل أن ينضوي في صفوف حركة 6 شباط التي أخرجت الجيش اللبناني من بيروت الغربية، ليصبح واحداً من أبرز اللاعبين في لعبة السلطة اللبنانية التي لا تعترف إلا بمن يدفع أكثر.

لكن زيارة البرجاوي إلى تونس وفتحه خط علاقة مع حركة فتح بقيادة أبو عمار أغضب السوريين الذين اعتقلوه ونقلوه إلى دمشق، ليتنقل بين سجون المزة وصيدنايا قبل أن تساهم وساطة من وليد جنبلاط ومحسن دلول في إخراجه عام 1991 بعد سبع سنوات على سجنه. ومع بداية الألفية الثانية، حسّن البرجاوي علاقاته مع سوريا وانضم إلى خلية حمد، لكنه وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري حاول التقرب من تيار المستقبل، رافضاً استباحة بيروت في أيار 2008 من قبل حزب الله وحلفائه.

لكن المفاجأة الكبرى كانت في تحوله اللاحق، إذ بدّل البرجاوي موقفه ليؤكد وقوفه كزعيم للتيار العربي إلى جانب "سوريا الممانعة وحزب الله المقاوم"، وكأنه لم يكن قبل سنوات يحارب حزب الله في شوارع بيروت. إنه بائع كلام ومواقف، يتقن فن الانقلاب على نفسه باحترافية تثير الإعجاب والإشمئزاز معاً. فهو من الناصري إلى العروبي إلى المساند للإرهاب الإيراني، وكأنه لا يملك أي مبدأ سوى البقاء في دائرة الضوء، حتى لو كان ثمنها أن يصبح عميلاً لنظام الملالي التفخيذي.

ويزداد الوضع سخافة عندما نعلم أن أهالي الطريق الجديدة كانوا يلقبونه بـ"الأبرص"، وأنه دخل السجن لأول مرة في الثالثة عشرة من عمره بتهمة خنق عجوز ثمانينية بيديه. فهو ليس مجرد منافق سياسي، بل مجرم بفطرته، يمارس السياسة كما يمارس الإجرام، وكأنه يبحث عن ضحايا جدد في كل مرحلة من مراحل حياته.

في النهاية، يبقى شاكر البرجاوي نموذجاً للقرد السياسي الذي يتقن فن القفز من غصن إلى آخر، متناسياً أنه لا يملك أي مبدأ سوى خدمة من يدفع أكثر، وأن نظرياته السياسية لا تزيد عن كونها خراءً بهيمياً لا يختلف عن عويل الكلاب في الليل. فهو العميل العاوي الذي يبيع كرامته ووطنه لأي جهة تطلب خدماته، ليصبح في المحصلة مجرد أضحوكة في تاريخ السياسة اللبنانية العبثي.

خواطر هائم في عالم البهائم: (25) البهائمية والإفلاس في الحديث عن إنتصار حماس (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(25) البهائمية والإفلاس في الحديث عن إنتصار حماس




في عالم السياسة العربية، حيث تتسابق الأنظمة والجماعات على إعلان الانتصارات الوهمية، تبرز قضية "انتصار حماس" كواحدة من أعظم المهازل التي شهدها التاريخ العربي الحديث، فهذا النصر المزعوم لا يحتفي به أحد سوى أولئك الذين يعيشون في عوالم موازية من الإنكار والهروب من الواقع، فمنذ نشأة إسرائيل قبل سبعين عاماً تقريباً، والعرب يزعمون أنهم يسجلون انتصارات كثيرة ضدها، والنتيجة هي خراب أربع عواصم عربية وبلدانها، وتقهقر وتخلف البقية، وغرقهم في العوالم الموازية التي يكافحون للبقاء فيها. فها نحن اليوم في ذات السيناريو الذي اعتدنا عليه، ولا نعلم هوية الذي يحتفل حقاً بهذا النصر الزائف، هل هو الشعب الفلسطيني الغزاوي الذي سُحق هو وبيوته وكل ما يملك، أم هي الشعوب العربية الغارقة في الوحل والتخلف، أم هي الحكومات بدءاً بحماس وانتهاءً بحكومة آخر بلد عربي منكوب ببول البعير، أم هي مجرد أكاذيب يعلم فحواها الشعب والحكومة ولكننا نستمر بها وببثها رغماً عن أنف المنطق والواقع والحقيقة.

إن مقارنة ما حدث في غزة بمعركة برلين عام 1945 تكشف عن حجم السخرية التي نعيشها، ففي تلك المعركة التاريخية، قام الجيش الألماني الذي فقد الملايين من شبانه ومقاتليه الأشاوس بتكبيد الاتحاد السوفييتي عشرات الآلاف من الضحايا والخسائر البشرية والمادية، لكن النقطة الأهم هي أن 90% من المقاتلين الذين حاربوا في برلين لم يكونوا جيشاً أصلاً، بل كانوا وحدات مدنية مسلحة من كبار السن والأطفال، والتي اقتصر تسليحها على الأسلحة المتوسطة والخفيفة في داخل المدينة، ومع ذلك، كبّد كبار السن والأطفال الألمان الجيش السوفييتي أكثر من 81 ألف قتيل و250 ألف جريح و1900 دبابة وأكثر من 2000 قطعة مدفعية وأكثر من 900 طائرة، ورغم كل تلك الخسائر التي تعتبر كارثية لأي جيش في العالم، إلا أن الاتحاد السوفييتي سحق ألمانيا ولعن أنفاس شعبها في جرائم حرب عاشتها سيدات برلين بشكل خاص وسكان المدينة بشكل عام.

نحن اليوم فيما يتعلق بقضية غزة، أمام مهزلة بكل المقاييس، فأولاً لم تحقق حماس أهدافها في حين فعلت إسرائيل ذلك، ولم تكبّد "المقاومة" أي خسائر تذكر ضد الجيش الإسرائيلي، ولو قارنا بين أداء كلاب حماس وأداء نساء وشيوخ وأطفال الألمان لوجدنا أنهم أفضل وأشد شراسة ومفعولاً لاستنزاف العدو من كلاب حماس المسعورة، وفي كلتا الحالتين كانت المعركة خاسرة ونتيجتها واحدة، فبرلين دُمرت وغزة كذلك الأمر، ولكن على مستوى استنزاف الأعداء وإن اعتبرنا أنه مقياس في الحروب دون النظر للنتيجة النهائية، نجد أن بهائم حماس أوهن من أطفال وشيوخ الألمان، فأي انتصار هذا الذي يتحدثون عنه؟ إنه انتصار وهمي لا يختلف عن انتصارات العرب السابقة التي انتهت جميعها بخراب ودمار وهزائم نكراء.

بحساب النتائج، نجد أن الفارق شاسع بين الطرفين، فعدد القتلى من الجانب الفلسطيني بالمقارنة مع عدد قتلى الجيش الإسرائيلي يظهر الفشل الذريع لحماس، ناهيك عن الحجم المالي وتكلفة الأضرار المادية التي حدثت لغزة مقابل الأضرار التي حدثت لإسرائيل، التي لا تذكر بالمقارنة، والأغرب أن إسرائيل رغم كل الحروب التي خاضتها كرد فعل للعملية الإرهابية طوفان الأقصى، حققت نسبة نمو اقتصادي مرتفعة جداً وتاريخية في عام 2025، ومن المؤكد أن أرقام ونسب عام 2026 ستكون أكبر، مما يثبت أن إسرائيل خرجت من المعركة أقوى مما دخلت، بينما غزة غرقت في خراب لم تشهد له مثيلاً.

أما عن مستقبل حماس، فقد وافقت الحركة على تسليم سلاحها، وستسلمه حتماً سواء رضيت أم لم ترضى، وبذلك تنتهي خرافة وأكذوبة المقاومة، وكعادة إسرائيل مع مجرمي الحرب من النظام النازي الذين قامت بملاحقتهم وقتلهم في كافة أرجاء العالم، هذا بالتأكيد ما سيحدث لمن بقي حياً من قادة حماس الإرهابية، ثم يخرج لنا حمار مثل عبد الباري عطوان أو غيره من الحمير والبهائم حاملي الشهادات وفاقدي العقول ليقول أن إسرائيل لم تحقق أهدافها وأن حماس هي التي انتصرت، وكأنهم يعيشون في عالم آخر لا يرى ما يراه الجميع من دمار وخراب وفشل ذريع.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (24) أكاذيب حول حفظ الأنساب في الإسلام (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(24) أكاذيب حول حفظ الأنساب في الإسلام




في عالمٍ مليءٍ بالادعاءاتِ الدينيةِ التي تُقدَّسُ دونَ فحصٍ، يبرزُ حديثُ "الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحجرُ" كنموذجٍ فذٍّ في فنِّ التضليلِ الشرعيِّ الذي يفضحُ نفسه بنفسه، فالحديثُ الذي يُفترضُ أنهُ يحفظُ الأنسابَ ويصونُ الأعراضَ، يتحولُ عندَ أولِ قراءةٍ ناقدةٍ إلى تشريعٍ يفتحُ البابَ على مصراعيهِ لكلِّ أنواعِ العبثِ الجنسيِّ والاختلاطِ غيرِ المحسوبِ، فالقاعدةُ التي تقولُ إنَّ الولدَ ينسبُ إلى الزوجِ ولوْ غابَ عنها عشرينَ سنةً، وكأنَّ الزوجَ هوَ "صاحبُ الفراشِ" لا صاحبُ الحيواناتِ المنويةِ، هيَ قاعدةٌ تجعلُ منَ الزواجِ مجردَ غطاءٍ قانونيٍّ لاستقبالِ أيِّ مولودٍ بغضِّ النظرِ عنْ مصدرِه، وكأنَّ الإسلامَ لمْ يكنْ مهتماً بحفظِ الأنسابِ بقدرِ اهتمامِه بتكثيرِ عددِ المسلمينَ بأيِّ ثمنٍ، حتى لوْ كانَ الثمنُ هوَ تحويلُ الأسرةِ إلى نادٍ مفتوحٍ للجنسِ غيرِ الشرعيِّ، تحتَ غطاءِ الفراشِ المقدسِ الذي يشرعنُ أيَّ حملٍ ويُضفِي عليهِ صفةَ الشرعيةِ دونَ أيِّ تدقيقٍ جينيٍّ أو أخلاقيٍّ.

إنَّ الشرطَ المستحيلَ لإثباتِ جريمةِ الزنا في الإسلام، والمتمثلَ في وجودِ أربعةِ شهودٍ عدولٍ يرونَ "القضيبَ يدخلُ في الفرجِ" كما يعبرُ الفقهاءُ، يقترنُ بقاعدةِ "الولدِ للفراشِ" ليُنتجَ تشريعاً عبثياً يضمنُ لأيِّ امرأةٍ متزوجةٍ أنْ تمارسَ الجنسَ معَ أيِّ رجلٍ تشاءُ دونَ خوفٍ منَ العواقبِ، فهيَ مطمئنةٌ أنَّ أيَّ حملٍ سينتُجُ عنْ هذهِ العلاقةِ سيُنسبُ إلى زوجِها حتماً، وأنَّ أيَّ محاولةٍ لإثباتِ الزناِ ستُصطدمُ بجدارِ الأربعةِ شهودِ الذي لا يمكنُ توفيرُه إلا في حالةِ الجماعِ الجماعيِّ العلنيِّ في وسطِ الملعبِ البلديِّ، وبالتاليَ، فإنَّ الرجلَ الذي يمارسُ الجنسَ معَ امرأةٍ متزوجةٍ يكونُ مطمئناً تماماً أنَّه لنْ يتحمَّلَ أيَّ تبعاتٍ ماليةٍ أو اجتماعيةٍ لأيِّ طفلٍ قدْ ينشأُ عنْ هذهِ العلاقةِ، فالشرعُ قررَ أنَّ الولدَ لصاحبِ الفراشِ وليسَ لصاحبِ النطفةِ، وكأنَّ الإسلامَ يُشجِّعُ على نوعٍ منَ التشاركيةِ الجنسيةِ الغريبةِ التي تضمنُ استمرارَ التكاثرِ دونَ أيِّ مسؤوليةٍ منَ الآباءِ البيولوجيينَ.

ويزدادُ الأمرُ عبثاً عندما نقرأُ قولَ ابنِ قدامةَ بأنَّ الولدَ يلحقُ بالزوجِ حتى لوْ غابَ عنها عشرينَ سنةً، فهذهِ العبارةُ هيَ تتويجٌ لهذهِ النظرةِ التشريعيةِ السخيفةِ، فهيَ تعني عملياً أنَّ الزوجَ الغائبَ هوَ "مضيفُ الفراشِ" الدائمُ، وأنَّ أيَّ رجلٍ آخرَ يمكنُهُ أنْ يستخدمَ هذا الفراشَ "المستأجرَ" دونَ أيِّ قلقٍ، وكأنَّ الزواجَ في الإسلامِ ليسَ عقداً مقدساً قائماً على الثقةِ والولاءِ، بلْ هوَ مجردُ إذنٍ بدخولِ الفراشِ وتخصيصِه لأيِّ مولودٍ يظهرُ عليهِ، مهما تعددَ الشركاءُ الفعليونَ للزوجةِ. وهذا ما يفسرُ سرعةَ انتشارِ الإسلامِ في بداياتِه، حيثُ كانتْ مكةُ والمدينةُ وكراً للدعارةِ المنظمةِ كما يصفُ عمرُ بنُ الخطابِ الناسَ بأنهمْ كانوا "يتسافدونَ تسافدَ الحمرِ"، وكأنَّ التشريعَ الإسلاميَّ أتى ليُضفيَ الشرعيةَ على هذهِ الفوضى، لا ليُقيمَ حدوداً أخلاقيةً أو يضبطَ الأنسابَ.

والأكثرُ إثارةً للشفقةِ هوَ تمسكُ الفقهاءِ بهذهِ القاعدةِ رغمَ كلِّ التناقضاتِ البيولوجيةِ والمنطقيةِ التي تحملُها، فمعظمُ الفقهاءِ يقرُّونَ بأنَّ المرأةَ قدْ تحملُ منْ غيرِ زوجِها، لكنَّهمْ يُصرُّونَ على نسبِ الولدِ إلى الزوجِ حتى لوْ كانَ غائباً، وكأنَّهمْ لا يعترفونَ بالعلومِ الجينيةِ التي تُثبتُ بشكلٍ قاطعٍ أنَّ الأبوةَ البيولوجيةَ هيَ الأساسُ الوحيدُ للنسبِ، وليسَ مجردَ فراشٍ افتراضيٍّ استُخدِمَ ليلةً ما منْ قبلِ شخصٍ غائبٍ لا يعرفُ عمَّا يجري في منزلهِ. لكنَّ الإسلامَ، كما يبدو، كانَ في سباقٍ ديموغرافيٍّ محمومٍ لتكبيرِ عددِ أتباعِه، فأيُّ مولودٍ هوَ مولودٌ مسلمٌ، وأيُّ إنسانٍ هوَ جنديٌّ محتملٌ في جيوشِ الفتوحاتِ، وبالتاليَ، كانَ منْ مصلحةِ القبيلةِ الإسلاميةِ الناشئةِ ألا تهتمَّ بمنْ هوَ الأبُ البيولوجيُّ، بلْ أنْ تنسبَ كلَّ مولودٍ إلى أيِّ رجلٍ متاحٍ يملكُ فراشاً، ليكبرَ هذا المولودُ وهوَ يعتقدُ أنَّه منْ صلبِ هذا الرجلِ الغائبِ، بينما هوَ في الحقيقةِ نتاجُ علاقةٍ عابرةٍ لا تمتُّ بصلةٍ إلى هذا "الفراشِ المقدسِ".

وبناءً على هذا، فإنَّ كلَّ ما يُقالُ عنْ حفظِ الإسلامِ للأنسابِ هوَ مجردُ أكذوبةٍ كبرى تهدفُ إلى تغطيةِ الحقيقةِ المرةِ بأنَّ التشريعَ الإسلاميَّ كانَ أداةً لتنظيمِ التكاثرِ في بيئةٍ قبليةٍ فوضويةٍ، وليسَ نظاماً أخلاقياً يحترمُ العلاقةَ بينَ الرجلِ والمرأةِ، ويثبتُ نسبَ الأطفالِ إلى آبائهمِ الحقيقيينَ. وإذا كانَ أيُّ فقيهٍ يظنُ أنَّ نسبَ طفلٍ إلى رجلٍ غائبٍ منذْ عشرينَ سنةٍ هوَ حفظٌ للأنساب، فهوَ بذلكَ يؤكدُ أنَّ العبثَ هوَ أساسُ الشريعةِ، وأنَّ الهدفَ الوحيدَ كانَ هوَ تضخيمَ عددِ المنتسبينَ إلى الإسلامِ حتى لوْ كانَ ذلكَ على حسابِ الحقيقةِ البيولوجيةِ والأخلاقيةِ والأسريةِ، ليُصبحَ كلُّ فردٍ في النهايةِ مجردَ "رقمٍ إضافيٍّ" في خدمةِ العصابةِ الدينيةِ التي لا تهمُّها صحةُ النسبِ، بلْ تهمُّها كثرةُ الجنودِ وحجمُ الغنائمِ. وهكذا، يتحولُ حفظُ الأنسابِ المزعومُ إلى أضحوكةٍ تاريخيةٍ تفضحُ هشاشةَ البناءِ الفقهيِّ، وتكشفُ عنِ العبثِ الذي يمارسهُ رجالُ الدينِ في كلِّ عصرٍ، وكأنَّ النسبَ عندهم ليسَ علاقةً دمويةً، بلْ هوَ مجردُ إعلانٍ عن ملكيةِ فراشٍ يمكنُ تأجيرُه واستبدالُه في أيِّ لحظةٍ، دونَ أيِّ التفاتٍ إلى أبسطِ مبادئِ الحقيقةِ والعدالةِ.






.

خواطر هائم في عالم البهائم: (23) ملائكة نجوى فؤاد وأكاذيب حروب بول البعير (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (23) ملائكة نجوى فؤاد وأكاذيب حروب بول البعير





في عالم مليء بالخرافات والأساطير التي تنتقل عبر الأجيال كالعدوى، تبرز قصة مشاركة الملائكة في حروب المسلمين كواحدة من أروع الحكايات الخيالية التي أبدعها العقل الجمعي للمسلمين الأوائل، فهذه الملائكة التي يفترض أنها كائنات نورانية لامادية، لا تتبع قوانين الفيزياء ولا تخضع لمنطق السببية، نجدها فجأة تتحول إلى جنود مشاة يطعنون ويضربون ويقتلون في معركة بدر، وكأنها خرجت من فيلم هزلي من إنتاج هوليوود الرخيص، حيث تتناقض طبيعتها اللاروحية مع قدرتها على التأثير في المادة، وكأنها تمثل نموذجاً للتناقض الخلاق الذي لا يستقيم إلا في عقول من يؤمنون بأن الماء يحترق والنار تطفئ نفسها.

ففي غزوة بدر التي تعد أولى المعارك الإسلامية الفاصلة، يخبرنا التراث الإسلامي أن ثلاثة آلاف من الملائكة نزلوا من السماء لمؤازرة المسلمين، ومع هذا الجيش السماوي الضخم، كانت حصيلة القتلى من المشركين لا تتجاوز سبعين قتيلاً، بينما قُتل من المسلمين أربعة عشر رجلاً فقط، وبحساب النسبة والتناسب، نجد أن كل ملك من هؤلاء الثلاثة آلاف لم يتمكن إلا من قتل جزء ضئيل من عدو واحد، وهنا تبرز المفارقة العجيبة: لو أن هؤلاء الملائكة كانوا فعلاً قادرين على التأثير في المعركة، لكانت النتيجة أبشع بكثير، لكنهم يبدو أنهم كانوا مشغولين بالتصفيق والتشجيع بدلاً من القتال، أو ربما كانوا مثل نجوى فؤاد يؤدون رقصات شرقية على هامش المعركة لرفع الروح المعنوية للمقاتلين المسلمين، وهذا يفسر لماذا كان تأثيرهم رمزياً لا ملموساً.

إن القول بأن الملائكة قاتلت مع المسلمين في بدر، يحتاج إلى دليل من خارج المصادر الإسلامية، ولكن لا يوجد أي مصدر معاصر يوثق هذه المشاركة الإلهية، وهذا يعني أن القصة كلها من نسج خيال الرواة الذين أرادوا تضخيم الحدث وإضفاء الشرعية الدينية على العنف المبكر، أو ربما أرادوا منح جيش المسلمين الهزيل معنويات إضافية قبل المعركة، فكان اختراع هذه الخرافة أسهل من إعداد جيش حقيقي قادر على المواجهة، ومع ذلك، فإن هذا الاختراع الإلهي نال قبولاً واسعاً بين المسلمين لأنهم كانوا بحاجة إلى رواية تبرر هزيمتهم الأخلاقية والعسكرية.

وبالعودة إلى الأرقام، نجد أن معركة بدر التي شاركت فيها هذه الجيوش السماوية، حققت نتائج متواضعة جداً مقارنة بحروب البشر التي نعرفها، فهي لم تؤدِ إلى سيطرة سياسية حقيقية أو تغيير ديموغرافي كبير، ولم تكن سببا في إنهاء الصراع مع قريش، بل كانت مجرد بداية لحروب طويلة لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم، وكأن هذه الملائكة كانت تهدف فقط إلى إثبات أن الله مع المسلمين، بينما تركت التفاصيل الصعبة للمسلمين أنفسهم، وهذا يطرح تساؤلاً جوهرياً: إذا كانت الملائكة بهذه الدرجة من العجز، فلماذا استدعاهم المسلمون أصلًا؟ الجواب قد يكون ببساطة: لأن الحاجة إلى خرافة ترفع الروح المعنوية كانت أشد من الحاجة إلى جيش حقيقي.

أما في العصر الحديث، فقد استمرت هذه الخرافة في التمدد لتشمل صراعات معاصرة مثل حرب أفغانستان وطوفان الأقصى، لكن النتائج كانت أكثر إحراجاً من أي وقت مضى، ففي غزة وحدها، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 73 ألفاً، بينما لم يتجاوز القتلى الإسرائيليون 1600، أي أن نسبة القتلى تبلغ 45 فلسطينياً مقابل كل إسرائيلي واحد، وهذا يعني أن الله وملائكته في حروبهم الحديثة كانوا أكثر فشلاً من أسلافهم في بدر، فهم لم يكتفوا بعدم تحقيق نصر ساحق، بل تركوا أتباعهم يتعرضون لمذبحة جماعية غير مسبوقة، وكأن الملائكة تحولت من جنود مشاة إلى كشافة أطفال يحملون أعلاماً بيضاء، أو ربما تحولوا إلى راقصين شرقيين يؤدون عروضاً ترفيهية بينما يموت الأبرياء تحت الأنقاض.

وإذا كان هذا هو مستوى الأداء الإلهي في المعارك، فإن السؤال الأهم هو: هل كان الله يعلم أن هذه الحروب ستنتهي بهذه الطريقة المأساوية؟ أم أنه كان يراهن على قدرة ملائكته على تحقيق نصر ساحق ولكنه فوجئ بفشلهم جميعاً؟ الجواب بسيط: لأن القصة برمتها خرافة، والله الذي يتحدثون عنه ليس إلا انعكاساً لتطلعاتهم الشخصية، وهو فاشل مثلهم، وملائكته فاشلون أيضاً، وإلا فكيف نفسر أن ثلاثة آلاف ملك لم يتمكنوا من تغيير مجرى معركة صغيرة في بدر، ولم يتمكنوا من إنقاذ 73 ألفاً من الفلسطينيين اليوم؟ إنها ليست إلا قصة خيالية جميلة، مثل قصص ألف ليلة وليلة، لكنها تحولت إلى أداة لتبرير القتل والدمار باسم الدين، وهذا هو الفشل الحقيقي الذي لا تغفره حتى الخرافات.





.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...