.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(26) العميل الأبرص العاوي شاكر البرجاوي
في عالم السياسة اللبنانية العبثي، حيث تتسابق الشخصيات على من يكون أكثر انبطاحاً وانقلاباً على مبادئه، يبرز شاكر البرجاوي، المعروف بأبي بكر، كنموذج فريد في فن التقلب السياسي والتملق للأسياد المتغيرين. فالرجل الذي بدأ مسيرته عضواً في حزب البعث الإشتراكي الموالي للعراق، ومقاتلاً في حرب الفنادق عام 1975، قبل أن يدعم الجيش العراقي في حربه ضد الإيرانيين بداية الثمانينيات، ليست لديه قناعات ثابتة، بل هو مجرد بندقية للإيجار، تتجه حيثما أشارت أصابع التمويل والسلطة.
عاد البرجاوي إلى بيروت ليجد نفسه مقاوماً للاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ليصاب بحروق جراء قذيفة نابالم، وكأنه يبحث عن دور بطولي في كل معركة، لكنه سرعان ما أسس في بداية العام 1983 "تجمع الشباب الناصري" بعدما انفتح على تنظيم المرابطون وزعيمه إبراهيم قليلات، متنقلاً بين الأيديولوجيات وكأنها ملابس يغيرها في كل موسم. وتواصل مع الفلسطينيين المنشقين عن فتح قبل أن ينضوي في صفوف حركة 6 شباط التي أخرجت الجيش اللبناني من بيروت الغربية، ليصبح واحداً من أبرز اللاعبين في لعبة السلطة اللبنانية التي لا تعترف إلا بمن يدفع أكثر.
لكن زيارة البرجاوي إلى تونس وفتحه خط علاقة مع حركة فتح بقيادة أبو عمار أغضب السوريين الذين اعتقلوه ونقلوه إلى دمشق، ليتنقل بين سجون المزة وصيدنايا قبل أن تساهم وساطة من وليد جنبلاط ومحسن دلول في إخراجه عام 1991 بعد سبع سنوات على سجنه. ومع بداية الألفية الثانية، حسّن البرجاوي علاقاته مع سوريا وانضم إلى خلية حمد، لكنه وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري حاول التقرب من تيار المستقبل، رافضاً استباحة بيروت في أيار 2008 من قبل حزب الله وحلفائه.
لكن المفاجأة الكبرى كانت في تحوله اللاحق، إذ بدّل البرجاوي موقفه ليؤكد وقوفه كزعيم للتيار العربي إلى جانب "سوريا الممانعة وحزب الله المقاوم"، وكأنه لم يكن قبل سنوات يحارب حزب الله في شوارع بيروت. إنه بائع كلام ومواقف، يتقن فن الانقلاب على نفسه باحترافية تثير الإعجاب والإشمئزاز معاً. فهو من الناصري إلى العروبي إلى المساند للإرهاب الإيراني، وكأنه لا يملك أي مبدأ سوى البقاء في دائرة الضوء، حتى لو كان ثمنها أن يصبح عميلاً لنظام الملالي التفخيذي.
ويزداد الوضع سخافة عندما نعلم أن أهالي الطريق الجديدة كانوا يلقبونه بـ"الأبرص"، وأنه دخل السجن لأول مرة في الثالثة عشرة من عمره بتهمة خنق عجوز ثمانينية بيديه. فهو ليس مجرد منافق سياسي، بل مجرم بفطرته، يمارس السياسة كما يمارس الإجرام، وكأنه يبحث عن ضحايا جدد في كل مرحلة من مراحل حياته.
في النهاية، يبقى شاكر البرجاوي نموذجاً للقرد السياسي الذي يتقن فن القفز من غصن إلى آخر، متناسياً أنه لا يملك أي مبدأ سوى خدمة من يدفع أكثر، وأن نظرياته السياسية لا تزيد عن كونها خراءً بهيمياً لا يختلف عن عويل الكلاب في الليل. فهو العميل العاوي الذي يبيع كرامته ووطنه لأي جهة تطلب خدماته، ليصبح في المحصلة مجرد أضحوكة في تاريخ السياسة اللبنانية العبثي.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire