Translate

نورس وعباءة النفاق والتخلف (قصة قصيرة)

.


.
نورس وعباءة النفاق والتخلف
مالك بارودي
2025 / 7 / 2
الادب والفن






تونس العاصمة، ربيع 2013. كانت الشمس الحارقة تصبغ شوارع المدينة بلون برتقالي شاحب، وتلقي بظلال طويلة على المباني ذات الطراز المعماري العثماني والفرنسي. لكن داخل أسوار معهد "المعرفة"، كان الظلام أكثر كثافة من مجرد ظلال المساء. نورس الحمامي، ابنة مدينة طبرقة ذات الثلاثين ربيعاً، كانت تحمل في قلبها نوراً أرادت أن تبثه في أرواح تلاميذها. كانت عيناها اللامعتان، اللتان اعتادتا رؤية زرقة بحر طبرقة الصافي، تعكسان الآن مرارة واقعٍ لم تتوقعه يوماً.
جاءت نورس إلى العاصمة بعد ثورة جانفي 2011، تلك الثورة التي شاركت فيها بقلبٍ يشتعل حماساً، مرددةً هتافات الحرية والكرامة. رأت في سقوط نظام بن علي فجراً جديداً لتونس، فجراً يحمل وعوداً بالتقدم والعدالة. لكن بعد عامين ونصف، بدت الوعود وكأنها تبخرت في هواء تونس الساخن، ليحل محلها غبار الماضي الذي بدأ يزحف ببطء، ويغطي كل زاوية من زوايا الحياة.
كانت نورس معلمة للغة العربية، شغوفة بلغتها وتراثها، لكنها كانت تؤمن بأن التراث يجب أن يكون جسراً نحو المستقبل، لا قيداً يجذبنا إلى الوراء. في فصلها، كانت تحاول أن تغرس في نفوس تلاميذها اليائسين بذور الأمل والمعرفة. "الأمل يا أطفال هو وقود الحياة، والمعرفة هي مصباح ينير لنا الطريق"، كانت تقول لهم بصوتها الهادئ الذي يحمل نبرة من الثقة. كانت ترسم لهم صوراً لمستقبل أفضل، مستقبل تكون فيه تونس منارة للعلم والحضارة، لا مكاناً للخوف والظلام.
لكن الواقع خارج أسوار فصلها كان مختلفاً تماماً. المعهد الذي كان يوماً رمزاً للتعليم الحديث، تحول إلى ساحة معركة ثقافية. زميلاتها، اللاتي كن يوماً يرتدين أحدث الأزياء ويناقشن قضايا الفن والأدب، تحولن الآن إلى نسخ متشابهة، يرتدين الحجاب الذي يغطي شعورهن بالكامل، وبعضهن يضفن إليه النقاب. كانت التغييرات تدريجية في البداية، ثم أصبحت سريعة ومفاجئة، كأن عدوى أصابت المعهد كله.
"يا نورس، ألا تفكرين في ارتداء الحجاب؟ إنه واجب ديني، كما أننا في مجتمع مسلم"، قالت لها زميلتها نادية ذات يوم، من خلف نقابها الذي كانت قد ارتدته مؤخراً.
نظرت نورس إليها بعينيها الواسعتين. "نادية، متى أصبح الدين يقاس بقطعة قماش؟ وهل تذكرين أننا في دولة مدنية؟"
"لا يا نورس، نحن في دولة إسلامية الآن. هذا ما تريده الأغلبية، وهذا ما يفرضه ديننا"، أجابت نادية بصوتٍ بدا وكأنه يحمل نبرة انتصار خفي.
لم تكن نادية الوحيدة. كانت كل زميلات نورس، واحدة تلو الأخرى، يستسلمن لهذا التيار الجارف. كن يمارسن عليها ضغوطاً يومية، تارة بالنصح المبطن، وتارة بالتوبيخ العلني. "أنتِ قدوة للتلاميذ يا نورس، ألا تخافين من أن تكوني سبباً في ضلالهم؟" كانت جملة تتكرر على مسامعها باستمرار.
لم تكن الضغوط تتوقف عند زميلاتها. مدير المعهد، السيد فتحي، الذي كان ينتمي إلى التيار الإسلامي الصاعد، كان يشارك في هذا الحصار الممنهج وهذه الهرسلة المستمرة. كان رجلاً ذا لحية كثيفة، وعينين لا تفارقانهما نظرات الشك والريبة. كان يتعامل مع نورس ببرود وازدراء، ويستغل كل فرصة لتذكيرها بـ"مكانتها" كمعلمة "متمردة" على قيم المجتمع.
ذات صباح، دخل السيد فتحي فصل نورس دون استئذان، وهو يحمل في يده ورقة. "الآنسة نورس، هذه شكوى مقدمة ضدك من قبل بعض أولياء الأمور. يزعمون أنكِ تروجين لأفكار علمانية لا تتوافق مع قيم مجتمعنا."
نظرت نورس إليه بدهشة. "أفكار علمانية؟ أنا أعلم الأطفال القراءة والكتابة، وأغرس فيهم حب وطنهم وتراثهم. هل أصبح حب الوطن علمانية؟ وما العيب في العلمانية أصلا؟"
"بل أنتِ تحاربين الهوية الإسلامية للمجتمع، ترفضين الحجاب، وتشككين في ثوابت الدين. هذا ما يقوله أولياء الأمور"، قال السيد فتحي بصوت خفيض، كأنه يلقي حكماً قضائياً. "عليك أن تعدلي سلوكك، وإلا فإنني سأضطر لاتخاذ إجراءات تأديبية."
كانت هذه الحادثة نقطة تحول لنورس. شعرت بالغضب يغلي في عروقها. هل هذه هي تونس التي حلمت بها؟ هل هذا هو التغيير الذي ضحت من أجله؟ كانت ترى تونس وهي تسقط في هوة سحيقة، هوة الجهل والتطرف. كان الدين، الذي من المفترض أن يكون مصدراً للرحمة والتسامح، قد تحول إلى أداة للقمع والتمييز.
في غرفة المعلمات، كانت نادية وزميلتان أخريان تتحدثن بصوت خافت، لكن نورس سمعت إحداهن تقول: "لا أدري لماذا لا ترتدي الحجاب وتنهي هذه المشكلة. إنها تعقد الأمور على نفسها."
لم تستطع نورس أن تتمالك نفسها. رفعت صوتها وقالت: "أي مشكلة تتحدثن عنها؟ مشكلة حريتي؟ مشكلة كرامتي؟"
التفتت إليها نادية وقالت بنبرة هادئة زائفة: "يا نورس، إنها ليست مشكلة. إنها مجرد واجب ديني. لماذا تصرين على التمرد؟"
في تلك اللحظة، طفح الكيل بنورس. كانت قد تحملت الكثير، لكن هذه الكلمات كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. وقفت أمام نادية وزميلاتها، وعيناها تشتعلان غضباً، وقالت بصوت عالٍ وواضح، كأنها تلقي بياناً لا رجعة فيه:
"الدين الذي يُقاس بطول اللحية ودرجة تغطية المرأة وثقافة القطيع لا يستحق إلا الاحتقار!"
ساد الصمت الغرفة. لم تتوقع زميلاتها أن تصل نورس إلى هذا الحد من الصراحة والجرأة. كانت كلمات نورس كصفعة على وجوههن، كشفت عن زيف ادعاءاتهن بالورع والتقوى.
نظرت نورس إليهن واحدة تلو الأخرى، ثم أخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة، تاركة وراءها صمتاً ثقيلاً مليئاً بالأسئلة التي لم تجرؤ واحدة منهن على طرحها.
في طريق عودتها إلى المنزل، كانت نورس تشعر بمرارة لاذعة. لم تكن هذه هي تونس التي حلمت بها، ولا الثورة التي شاركت فيها. كانت تشعر بأنها غريبة في وطنها، وأن حلم الحرية الذي قاتلت من أجله قد سرق منها. لكنها لم تستسلم. كانت تعرف أن المعركة لم تنته بعد. كانت تؤمن بأن النور لا يمكن أن ينطفئ إلى الأبد، وأن الأمل، مهما كان خافتاً، سيظل موجوداً.
في اليوم التالي، دخلت نورس فصلها كالمعتاد. جلست أمام تلاميذها الصغار، الذين كانوا ينظرون إليها بعيون بريئة، تنتظر منها أن تضيء عقولهم ببريق المعرفة. بدأت الدرس كالمعتاد، ولكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف في صوتها. كان هناك تصميم أعمق، وقوة أكبر. كانت تعرف أن عليها أن تكون الصوت الذي يكسر جدار الصمت، وأن تكون الشمعة التي تضيء الظلام.
"يا أطفال"، قالت نورس بصوت قوي، "المعرفة الحقيقية ليست فقط ما نقرأه في الكتب، بل هي أيضاً ما نراه ونفهمه ونشعر به في حياتنا اليومية. هي القدرة على التفكير النقدي، والقدرة على التمييز بين الحق والباطل، بين النور والظلام. لا تدعوا أحداً يملي عليكم ما تفكرون به، أو يحد من حريتكم في التعبير. أنتم مستقبل تونس، وأنتم وحدكم من تستطيعون بناء تونس أفضل."
كانت هذه الكلمات تتجاوز مجرد درس في اللغة العربية. كانت رسالة، كانت نداءً للصحوة، كانت صرخة في وجه الواقع المرير. كانت نورس تدرك أن طريقها سيكون طويلاً وصعباً، وأنها ستواجه الكثير من التحديات. لكنها كانت تؤمن بأن الأمل الحقيقي لا يموت، وأن المعركة من أجل الحرية والكرامة تستحق كل تضحية. وفي عينيها، كانت لا تزال ترى وميض بحر طبرقة الأزرق، يذكرها بأن بعد كل عاصفة، هناك شروق شمس جديد.





.

الشيخ المولدي بودجاجة (قصة قصيرة)

.


.

الشيخ المولدي بودجاجة

مالك بارودي

2025 / 7 / 2





في زحمة تونس العاصمة عام 2013، حيث كانت شوارع الحبيب بورقيبة تعجّ بأصداء فوضى لم تخمد بعد، وحيث كانت جدران المدينة تحكي قصص آمالٍ عريضة وخيباتٍ متتالية، برزت شخصيةٌ غريبة الأطوار، تحمل في طياتها تناقضات ذلك الزمن المضطرب. إنه "الشيخ أبو القعقاع"، الاسم الذي اختاره لنفسه مؤخرًا، لكن أهل الحارة وأصحاب السوابق كانوا يعرفونه جيدًا باسمه الحقيقي "المولدي عطية"، أو الأدهى من ذلك، بلقبه الذي لا يفارقه: "بودجاجة".
كان المولدي، أو بودجاجة، نموذجًا حيًا للمجرم الانتهازي الوصولي. لم يكن لديه مبادئ ثابتة، بل بوصلته الوحيدة كانت دائمًا تشير نحو المصلحة الشخصية والمنفعة الآنية. نشأ في دروب الفقر، وتعلم في مدارس الشارع فنون السرقة والاحتيال. لم يكن لصًا بارعًا، بل كان غالبًا ما يقع في الأخطاء التي تفضحه. من هنا جاء لقبه "بودجاجة"، وهي حادثةٌ لا يزال يتذكرها جيرانه بابتسامةٍ ساخرة. ففي ليلةٍ باردة من ليالي الشتاء، تسلل المولدي إلى حظيرةٍ للدجاج، وفي غمرة محاولته البائسة لسرقة دجاجةٍ سمينة، قبض عليه صاحب الحظيرة متلبسًا. كانت تلك الحادثة نقطة تحول في حياته، لا ليرتدع عن السرقة، بل ليصبح لقب "بودجاجة" وصمة عارٍ تلازمه، أو ربما، علامةً فارقةً في مسيرة وصوليته.
مع انتصار حركة النهضة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وتغير المشهد السياسي في البلاد، أدرك المولدي أن رياح التغيير تهبّ في اتجاهٍ جديد. لم يضيّع وقتًا. ففي غضون أيام قليلة، اختفى "بودجاجة" القديم، وظهر "الشيخ أبو القعقاع" بقميصه الفضفاض ولحيته الكثة التي نمت بسرعةٍ مذهلة، وكأنها نبتت بين عشية وضحاها. أصبح يرتاد المساجد، ويتصدر الصفوف الأولى في الصلوات، ويحشر الألفاظ الدينية في كل جملةٍ ينطق بها، وإن كانت كلماته تفتقر إلى أي عمقٍ ديني حقيقي. كان يتحدث عن "الشورى" و"أخلاق الإسلام" و"الصحابة الكرام" بلكنةٍ مضحكة، محاولًا إضفاء هالةٍ من الوقار والتدين على شخصيته الجديدة.
كانت هذه التحولات الظاهرية كافية ليحظى المولدي بنوعٍ من القبول في الأوساط الجديدة التي انضم إليها. لم يكن يهتم بالفهم الحقيقي للدين، بل كان يرى فيه سلّمًا آخر للصعود، وقناعًا يستر خلفه ماضيه الملطخ بالسرقات والانتهازية. كان يدافع عن "الإخوانجية" بضراوةٍ، يصفهم بأنهم "أهل الإيمان" و"حماة الدين"، بينما كان في قرارة نفسه يرى فيهم مجرد أداة لتحقيق طموحاته الشخصية.
كان طموح "الشيخ أبو القعقاع" يتجاوز بكثير مجرد الانتماء إلى هذا التيار أو ذاك. كانت عيناه تتجهان نحو البرلمان، نحو قبة المجلس الوطني التأسيسي. كان يرى في نفسه قائدًا، أو على الأقل، عضوًا مؤثرًا. كان يردد أمام أتباعه القلائل، الذين جمعهم حوله ببعض الوعود المعسولة والخطب الرنانة، جملةً تعكس مدى ضحالة فكره وعظمة طموحه في آنٍ واحد: "عندما أرى أعضاء المجلس الوطني التأسيسي الحالي، أشعر بالثقة وبأني يمكن أن أكون رئيسًا للجمهورية. ولكنني سأكتفي بالمجلس الوطني التأسيسي كبداية". كانت هذه الجملة تثير الضحك في نفوس البعض، والاشمئزاز في نفوس البعض الآخر، لكنها كانت تعكس بدقة شخصية المولدي: وصوليٌ لا يرى في السياسة سوى وسيلة للارتقاء الاجتماعي والمادي.
لم يكن المولدي يحفظ من القرآن الكريم إلا السور القصيرة، وتلك التي سمعها كثيرًا في خطب الجمعة. كانت قراءته للقرآن ركيكة، وتجويده أقرب إلى التلحين منه إلى الترتيل. ومع ذلك، كان يصر على تلاوة بعض الآيات في المجالس التي يحضرها، مستخدمًا نبرة صوتٍ مصطنعة محاولًا بها تقليد المشايخ المعروفين. كان هذا التناقض بين مظهره وواقع معرفته يثير سخرية كل من يعرف ماضيه، ولكنه كان ينطلي على السذج وبعض المتعاطفين الجدد مع التيار الديني.
كانت تونس في تلك الفترة تعيش مخاضًا عسيرًا. مظاهراتٌ تندلع هنا وهناك، اغتيالاتٌ سياسية تهزّ البلاد، واقتصادٌ يعاني من الركود. وفي خضم هذا الاضطراب، كان "الشيخ أبو القعقاع" يرى فرصته الذهبية. كان يتغذى على الفوضى، ويصطاد في المياه العكرة. كان يرى أن الوضع الحالي هو أفضل تربة لنمو طموحاته. كلما ازداد الوضع سوءًا، كلما ازداد إيمانه بقدرته على الصعود. "البلاد تحتاج إلى قادة، إلى رجال يخشون الله"، كان يقولها بصلف، وهو الذي لم يكن يخشى شيئًا سوى الفقر والعودة إلى ماضيه المظلم.
بدأ المولدي في إعداد نفسه للانتخابات البرلمانية القادمة. كان يعلم أن الأمر يتطلب أكثر من مجرد لحيةٍ طويلة وعباراتٍ دينية. بدأ في جمع التبرعات، مستغلًا سذاجة بعض المتبرعين الذين كانوا يرون فيه "رجلًا صالحًا" يسعى لخدمة الدين والوطن. كان يتحدث في كل مكان عن "مناهج الإصلاح" و"تطبيق الشريعة"، بينما كان في الواقع يبحث عن طريقة لضمان مقعدٍ في البرلمان، ليتمتع بالحصانة والامتيازات التي تتبعها.
في إحدى ليالي الصيف الحارة، بينما كان المولدي جالسًا في مقهى شعبي يرتاده، يتحدث بصوتٍ عالٍ عن "مؤامرات العلمانيين" و"ضرورة التصدي لأعداء الإسلام"، مرّ به أحد جيرانه القدامى، الحاج عثمان، الذي كان يعرف المولدي منذ صغره، ويعرف كل صغيرة وكبيرة عن "بودجاجة". ابتسم الحاج عثمان ابتسامةً عريضةً ساخرة، ونادى المولدي بصوتٍ مرتفع: "يا بودجاجة! هل ستترشح للانتخابات بقميصك الجديد ولحيتك الطويلة؟ هل ستحدثنا عن الدجاج والسرقات هذه المرة؟"
تغير وجه المولدي على الفور. فقد احمرّ غضبًا، وتشنجت عضلات وجهه. حاول أن يتمالك نفسه، وأجاب بصوتٍ خفيض، محاولًا التظاهر بالوقار: "يا حاج عثمان، هذه أيامٌ مضت، وقد تبت إلى الله. أنا الآن خادمٌ لدين الله". لكن الحاج عثمان لم يقتنع، واستمر في سخريته: "خدمة الدين يا بودجاجة؟ كنت تسرق الدجاج وتبيعها في السوق السوداء. والآن أصبحت شيخًا؟ عجيبٌ أمرك يا مولدي".
شعر المولدي بالإهانة الشديدة، لكنه أدرك أنه لا يستطيع أن يثير ضجة في هذا المكان المكتظ بالناس. لذلك، اكتفى بنظرة حقدٍ ألقاها على الحاج عثمان، ونهض مسرعًا ليغادر المقهى. كانت كلمات الحاج عثمان كافية لتذكره بماضيه، وأن مهما حاول تغيير مظهره، فإن جوهره يظل كما هو.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، كان المولدي يزداد حماسًا وثقةً. كان يرى في نفسه مرشحًا قويًا، قادرًا على جذب أصوات الناخبين البسطاء الذين تأثروا بخطابه الديني الزائف. كان يرى في السياسة لعبة يمكن أن يفوز بها الأذكى والأكثر انتهازية. لم يكن يؤمن حقًا بأي مبادئ، بل كان يؤمن فقط بقدرته على التلون والتكيف مع الظروف.
في أحد التجمعات الانتخابية، صعد المولدي إلى المنصة، وألقى خطابًا ناريًا مليئًا بالكلمات الدينية والمفاهيم الفضفاضة. تحدث عن "العدالة الاجتماعية" و"محاربة الفساد" و"بناء تونس جديدة على أسس الإسلام". كان الجمهور يصفق له بحماس، وخاصة أولئك الذين لم يكونوا يعرفون ماضيه. كان المولدي يرى في أعينهم تصديقًا لأكاذيبه، وهذا ما كان يغذّي غروره ويزيد من ثقته الزائفة.
لكن في أعماق نفسه، كان المولدي يعلم أنه مجرد فقاعة. كان يعلم أن قشرته الدينية هشة، وأن ماضيه يمكن أن ينكشف في أي لحظة. كان يعلم أنه لا يمتلك أي مؤهلات حقيقية لقيادة البلاد، وأنه مجرد انتهازي يبحث عن فرصة للارتقاء على أكتاف الآخرين.
وهكذا، في تونس العاصمة عام 2013، استمرت قصة "الشيخ أبو القعقاع"، أو "بودجاجة"، كرمزٍ لزمنٍ مضطرب، حيث تتداخل فيه الأقنعة مع الوجوه الحقيقية، وحيث يمكن للمجرم الانتهازي أن يتحول إلى "شيخ" يبحث عن مقعدٍ في البرلمان. فهل سينجح المولدي في مسعاه، أم أن حبل الكذب قصير، وسينكشف زيفه يومًا ما؟ هذا ما ستكشفه الأيام، في بلدٍ لا يزال يبحث عن هويته الحقيقية بين ركام الماضي وأشلاء الحاضر.
.




.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...