Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (22) العميل السارق نبيه لاعق مؤخرة الولي السفيه (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(22) العميل السارق نبيه لاعق مؤخرة الولي السفيه





في الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام موسى الصدر، خرج علينا نبيه بري في خطابٍ يليق بعاهرةٍ سياسيةٍ تحاضرُ في الشرف والكرامة، متناسياً أنَّ تاريخه السياسي هو تاريخ من التبعية لإيران والانبطاح للولي السفيه، وكأنَّه يظن أنَّ اللبنانيين قد نسوا أنَّه هو وجماعته في حركة أمل كانوا وما زالوا أداةً في يد النظام الإيراني لتفكيك لبنان واستباحة قراره الوطني. فبينما يتحدث بري عن "الوحدة الوطنية" و"السلم الأهلي"، نجد أنَّه هو نفسه الذي ساهم في تقويض هذه الوحدة من خلال تحالفه مع حزب الله الإيراني، وتكريس حالة التبعية لإيران، وتحويل الدولة اللبنانية إلى دولة كرتونية فاشلة لا قرار لها، كما يتهم بري إسرائيل بأنها المستهدِفة للبنان، لكنَّ الحقيقة التي يحاول إخفاءها هي أنَّ إيران وحزب الله هما من استدعيا الوجود الإسرائيلي في كل مرة، من خلال تهريب السلاح وحفر الأنفاق وإطلاق الصواريخ باسم "المقاومة"، وكأنَّ هذا هو الثمن الذي يدفعه لبنان مقابل رضا الولي السفيه في طهران.

إنَّ تناقض بري لا يخفى على أحد، فهو يتشدق بمقاومة إسرائيل ويتغنى بالقدس وفلسطين، بينما هو في الواقع يخدم مشروعاً إيرانياً لإضعاف الدول المجاورة وتفكيكها وتصدير ثورة التفخيذ الخمينية، فهو يتهم إسرائيل بأنها تريد "الفتنة" في لبنان، متناسياً أنَّ فتوى ولاية الفقيه ومشروع الملالي هما من زرعا الفتنة الطائفية في لبنان، وجعلا من الطائفة الشيعية أداةً للسيطرة على مفاصل الدولة، وكأنَّ بري يمارس دور "القوّاد" السياسي الذي يدير علاقة حزب الله وإيران بالدولة اللبنانية، وكأنَّ لبنان ليس وطناً له، بل هو مجرد قناة لتمرير المصالح الإيرانية، تماماً كما كانت حركة أمل منذ تأسيسها أداةً في يد النظام الإيراني، وليس حركةً وطنيةً تدافع عن لبنان. ومن المؤكد أن هذا العمل يدرّ عليه هو وأتباعه أموالا طائلة، عدا ما يسرقونه بأنفسهم وبمجهودهم الخاص من أموال اللبنانيين وما تدرّه عليهم تجارة المخدرات.

والأغرب من ذلك أنَّ بري يتحدث عن "العدوان الإسرائيلي" كأنه حدثٌ طارئٌ على لبنان، وكأنَّ لبنان لم يكنْ ضحيةً للعقليةِ العربيةِ الإسلاميةِ السافلة التي أفسدته بخرافةِ فلسطين، فلبنان زُجَّ في حروبٍ مع إسرائيل مراراً وتكراراً إرضاءً للإرهاب السنيِّ تارةً والشيعيِّ تارةً أخرى، ودون أي نتيجة، ففي كل مرة تنسحب إسرائيل من لبنان، تاركةً وراءها أرضاً محروقةً وبيوتاً مهدمةً وأمواتا بالآلاف (ولا ينفع أن تسميهم شهداء وأن تتاجر بدمائهم)، ذلك أن هذه المقاومةَ اللبنانيةَ الخرافية كانت دائما أداةٍ لإشعالِ النارِ في لبنان، بينما إسرائيل تثبت مراراً وتكراراً أنها ليست لها أطماعٌ في أرضِ لبنان، بل هي تدافعُ عن نفسها بعد أن يُستفزُّها الإرهابُ اللبنانيُّ الذي يختبئُ تحتَ عباءةِ "المقاومة"، وهو ما يتجاهله بري الكذاب لخدمة أسياده في طهران.

أما عن المفاوضات، فيتحدث بري وكأنَّ السبب في فشلها هو إسرائيل، متناسياً أنَّ الدولة اللبنانية هي دولة كرتونيةٌ فاشلة لا تملكُ قراراً، فهي منحازةٌ لإيران ومخترقةٌ من قبل حزب الله وحركة أمل، والجيش اللبناني نفسه ضعيفٌ ومخترقٌ منذ زمن طويل، فقد كان يغطي على نشاط حزب الله في التهريب والتسلح وحفر الأنفاق طيلة سنوات، ويتواطأ مع اليونيفيل في التغطية على هذه الأنشطة، وكأنَّه ليس جيشَ دولةٍ، بل جيشُ جماعةٍ إرهابيةٍ تخدمُ مصالح إيران في لبنان، فكيف يُطلَبُ من دولةٍ كهذه أنْ تتخذَ قرارات سيادياً في مفاوضاتها مع إسرائيل وتطبقها على أرض الواقع وتكتسب ثقة إسرائيل والمجتمع الدولي.

أما عن إسرائيل، فهي دولةٌ حقَّقتِ السلامَ معَ دولٍ عربيةٍ كثيرةٍ، وليس لديها أيُّ نزاعٍ مع لبنانٍ إلا في ما يخصُّ حزب الله وتحركاته الإرهابية، ومع ذلك فإنَّ إسرائيل كانت دائماً تلتزم بالقرارات الدولية وتنسحب من الأراضي اللبنانية، كما فعلت بعد حرب 2006، فهي تطبق القرارات الدولية، لكنَّ لبنان وحزب الله يرفضان تطبيق ما ورد في القرار 1701 الذي ينصّ على سحب سلاح الميليشيات. وهكذا، يبقى نبيه بري كاذباً وسفهاً، يتاجر بقضيةٍ لبنان ويبيعها لأسياده الإيرانيين وليحترق لبنان وأهله في سبيل رضا الولي الشيعي السّفيه.





.

نص خطاب نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني في الذكرى 48 لتغييب الإمام موسى الصدر. 31 أوت 2026

.




.....

نص خطاب نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني في الذكرى 48 لتغييب الإمام موسى الصدر. 31 أوت 2026


بسم الله الرحمن الرحيم 48 عاما يعود اب جمر من دون اياب يعود من دون الامام الصدري ورفيقيه فضيله الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بد يعود اب فنستعيد الامام شمسا لا يطف توهجها قضبان السجون وفكرا لا تحجبه ظلمه الزنازين نلتحف عباءته نطوف معلبك حيث نشاتنا الاولى صور حيث بدايه وعينا وصوتنا في كل القرى والمدن كما كل اسمائها وحاراتها هي هويتنا لغتنا احلامنا يقضتنا حاضرنا ومستقبلنا وذاكرتنا التي تحاول اسرائيل محوها نسفا وتدميرا وتفجيرا يعود الينا براحتيه يمسح عن وجوهنا غبار القلق نصلي خلفه في كفرشوبه في هذه اللحظات العصيبه متظللين عمامته نجوب معه الجنوب والبقاع والضاح نصغي اليه في كل وطن صرخه ووصيه لا شيء اغلى من لبنان لا تضيعوه في حروب داخليه ولا في انقسامات او سقطات سياسيه او امنيه قاتله ايها اللبنانيون مقيمين ومغتربين البدايه هي للشهداء كل الشهداء لشهداء المؤسسه العسكريه والاجهزه الامنيه ومتطوعي الدفاع المدني في كشافه الرساله الاسلاميه والهيئه الصحيه والصديد الاحمر والدفاع المدني اللبناني والاعلاميين شهداء الصوت والصوره والكلمه الذين والكلمه الذين حفظوا الوصيه واثبتوا حيث ارتقوا ان الوطنيه ليست شعارات ولا ارباح ولا متاع للمساومه والعرض والطلب بل ان الوطن هو ابعاد وجود الانسان واساس كرامته هي للمقاومين كل المقاومين المفقودين الاثر هي للاطفال والعائلات التي شطبتها غارات الحدن الاسرائيلي عن قيود النفوس غيله وغدرا هي للنازحين الذين لن يحول بينهم وبين عودتهم الى ارضهم ومنازلهم اي قوه في الدنيا هي لكل اللبنانيين في مختلف المناطق والمحافظات لا سما في الجبل وبيروت والشمال الذين شرعوا منازلهم ومرافق بلداتهم التربويه والثقافيه والدينيه وسواها استضافه وايواء هي للدول الشقيقه والصديقه التي وقفت ولا تزال تقف الى جانب لبنان وجنوبه واهله بل سمه لجراحهم ومؤازره لتجاوز هذه المرحله المصيريه في حاضرنا ومستقبلنا لكل هؤلاء من منبر الامام الصدر في ذكرى تغييبه به ورفيقيه تحيه واعتزاز وتقدير وبعد ايها اللبنانيون منذ عام 1969 كانت حجه الامام علينا ولا زالت دعوه صادقه لكل اللبنانيين الحرب مع اسرائيل تتطلب مقاربه وطنيه بعيدا عن اي حسابات مناطقيه او حزبيه او طائفيه او مذهبيه صدقوني المطلوب اسرائيليا ليس حزب الله ولا سلاحه ولا حركه امل ولا الطائفه الشيعيه المطلوب اسرائيليا الفتنه المستهدف لبنان في وحدته في سلمه الاهلي لبنان بما يمثل من نقيض لع عنصريه اسرائيل حجه الامام الصدري علينا احفظوا لبنان وفي قلبه الجنوب ولبنان من دون الجنوب وقوته اسطوره ومغامره تاريخيه ايها الساده نعلم ان المرحله الراهنه بمخاطرها الوجوديه على الجنوب وعلى لبنان لا تعطي احدا حق التصرف باي من العناوين السياديه تحت اي مسمى سواء كان اتفاق اطار او ملحقات سريه او غيرها ولا حق الاطاحه بقرارات امميه تحفظ حقوق لبنان السياديه على كامل ترابه الوطني في الجنوب تحت مظله الجيش اللبناني ومؤازره من قوات الامم المتحده اليونيفل وهو القرا كذلك القرار 1701 ايها اللبناني يون انطلاقا مما تقدم ومن وحي العنوان الذي اختارته حركه امل لإحياء هذه الذكرى الوطنيه الانسانيه الجامعه امانه وطن نؤكد على ثوابت الحركه وكذلك موقف كتله التنميه والتحرير النيابيه اولا السلم الاهلي والوحده الوطنيه والجيش اللبناني خطوط حمراء ممنوع تجاوزها والمساس بها تحت اي عنوان من العناوين وخاصه الجيش اللبناني نرفض رفضا مطلقا التشكيك والتوهين به وبدوره وندعو لتامين كل مقاومات الدعم له كمؤسسه وطنيه هي الحاميه والحاضره لامال اللبنانيين وتطلعاتهم ثانيا الجنوب جزء لا يتجزا من لبنان مسؤوليه حفظه والدفاع عنه الى جانب اهله واعاده اعمار ما دمره ويدمره العدوان الاسرائيلي هي مسؤوليه الدوله ومؤسساتها العسكريه والامنيه والدستوريه وهي بكل مدنه وقراه وبلداته لا ت لا يقبل التجزئه بين شمال النهر وجنوبه وجغرافيته ليست مناطق تجريبيه كما يمتحن فيها المحتل الاسرائيلي بالمباشره او بالواسطه جيشنا ومؤسساتنا المدنيه والاهليه تحت اي مسمى لن نقبل ان يكون منطقه عازله او حزاما امنيا لاي كان مهما بلغت التضحيات وتحت اي ظرف من الظروف ابناؤه الشرفاء الطيبون لم ولن يكونوا في يوم من الايام دعاه حرب انما حماه للارض والعرض وهم ضحايا العدوان لعدوان الاسرائيلي بدا منذ العام 1948 ومست مستمر حتى هذه اللحظه ثالثا نرفض التنازل أو كما يحلل البعض تسميه تعليق حق لبنان للدوله او المؤسسات او الافراد بمقاضات اسرائيل على جرائم الاباده التي ارتكبتها وترتكبها بحق الحجر والبشر في الجنوب تدميرا كاملا للقرى والمدن والحواضر التاريخيه والتراثيه والمؤسسات التربويه والصحيه والمساحات الزراعيه واستخدام اسلحه محرمه دوليا ناهيك عن الاساءه للرموز والاماكن الدينيه كما حصل في بلده القوزح من اساءه لتمثال السيده مريم عليها السلام وهدم واحد من اقدم المساجد التاريخيه في لبنان المسجد الكبير في مدينه بنت جبيل ونسف محيط قاعه الشقي التاريخيه وهي جرائم يتفاخر بها وزير الحرب الاسرائيلي معلنا بشكل رسمي وبالصوت والصوره تدمير 24 مدينه وقريه تدميرا كاملا وتحويلها الى رماد ان التنازل عن هذا الحق هو التنازل عن السياده لا يملك احد حريه الطفل به باعتباره حقا وطنيا سيا ياديا يجب ان لا يسقط لا اثناء التفاوض ولا بالتقادم ولا بمرور الزمن رابعا نجدد التاكيد باننا مارسنا حقنا الديمقراطي في رفض اتفاق الاطار ووصفناه بما وصفناه ولا زلنا على نفس الموقف ونبهنا وحذرنا من مغبه التفاوض المباشر مع العدو الاسرائيلي تحت النار وفي غياب الاجماع الوطني كذلك فعل الكثيرون من الحلفاء والاصدقاء سبع جولات من التفاوض ماذا كانت النتيجه اتسعت معها رقعه الاحتلال وازدادت مساحات التدمير وارتفع عدد الشهداء واسرائيل مستمره في حربها خامسا في الشان الداخلي نجدد تمسكنا باتفاق الطائف وضروره تنفيذ كافه بنوده الاصلاحيه ونعتبر اي دعوه لاعاده النظر في شكل النظام السياسي تحت مسمى الفيدراليه او التقسيم او اي صيغه اخرى لا تتوافق مع هذه الوفيقه هو مغامره ومقامره غير بريئه وغير محسوبه تهدد وجود لبنان الاهل علي وسيادته ووحده ترابه الوطني. سادسا واخيرا في الشان المتصل بتطورات المنطقه نؤكد على دعمنا وتاييدنا لكل المساعي والجهود التي يبذلها الاشقاء العرب وكذلك جمهوريه باكستان الاسلاميه لانهاء التوتر وارساء الاستقرار في منطقه الخليج بما يحفظ لدول المنطقه امنها واستقرارها وسيادتها خاصه بين الجمهوريه الاسلاميه الايرانيه ومحيطها في دول مجلس التعاون الخليجي ومحيطها العربي والاسلامي ايها اللبنانيون يا ابناء الامام الصدر عود على بدء ان الامام الصدر وجه الوطن المغيب مع اخويه فضيله الشيخ محمد يعقوب والاعلامي عباس مد الدين في ليبيا منذ 48 عاما رحل السجان والمجرم الا ان عقليه من تسلم ارثه للاسف هي هي لم تتغير في التمويه والتظليل وعدم التعاون مع لبنان قضائيا وانسان انسانيا واخلاقيا بما يؤسس لتحرير الامام ورفيقيه ولكشف ملابسات هذه القضيه التي هي امانه وطن كانت ويجب ان تبقى وستبقى قضيه كل اللبنانيين ومتابعتها ليست مسؤوليه القضاء اللبناني العدلي فحسب انما هي مسؤوليه كل السلطات الرسميه ان استمرار السلطات الليبيه في سياسه عدم التعاون يضعها في خانه التواطؤ والتمادي في ارتكاب هذه الجريمه التي لن نسامح ولن نغفر ولن نتهاون مع مرتكبيها وكذلك مع من يحاول زياده الغموض حيالها مستخدمين كافه الوسائل التي كفلها القانون اللبناني والدولي خاصه في جرائم الاخفاء القصري العهد والعهد والوعد هو الوعد له دائما وابدا ان نحفظ الامانه امانه تحليله ورفيقيه وامانه حفظ الوطن والدفاع عن كرامه الارض والانسان وان نحفظ لبنان وفي قلبه الجنوب كل الجنوب عشتم وعاش لبنان وعاش الجنوب


خواطر هائم في عالم البهائم: (21) الإيضاح باختصار في نجاسة الشعراوي الحمار (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(21) الإيضاح باختصار في نجاسة الشعراوي الحمار




في تاريخ الشعوب العربية والإسلامية الحديث، تبرز شخصيات تتخذ من الدين جسراً إلى السلطة ومن الفتوى أداةً لتبرير كل نزوة سياسية، وكان محمد متولي الشعراوي أبرز هؤلاء العباقرة في فن التمثيل الديني والسياسي، فهو الرجل الذي استطاع أن يرضي الملك فاروق ثم عبد الناصر ثم السادات ثم مبارك، ولو مد الله في عمره لرأيناه يمدح الإخوان ثم ينقلب عليهم ليمدح السيسي، وكأن دينه ليس في السماء بل في جيب من يحكم، وكأن الله عنده ليس رباً للعالمين بل موظفاً في قصر الرئاسة يُصدر الفتاوى حسب الطلب، وكأن القرآن عنده كتاب سياسي يُفسَّر بما يتوافق مع رغبات الحاكم لا بما يتناسب مع نصوصه الواضحة.

إن ما فعله الشعراوي بالعقول العربية والإسلامية لا يقل كارثية عن أي احتلال عسكري، فهو من حرم غسيل الكلى بحجة أن الكلى ملك لله ولا يجوز المساس بها، فأودى بحياة آلاف المرضى الذين كان بإمكانهم العيش لو أن هذا الجاهل المقدس لم يحرم عليهم العلاج، وهو من حرم التبرع بالأعضاء بحجة أن الجسد ليس ملكاً للإنسان، بينما هو نفسه استعار جسده للعلاج في الغرب الكافر الذي كان يحرض على عدم السفر إليه في فتاواه السابقة، متناسياً أن هذا الغرب الكافر قد أنقذ حياته مراراً كما أنقذ حياة غيره من الفتوات المقدسين الذين يبيحون دماء الناس في بلادهم ويستبيحون علاجهم في بلاد الكفر، وهكذا يتجلى التناقض الفاضح بين ما يقوله الشعراوي وما يفعله، وكأنه يخلق ديناً موازياً يصلح لمناسبة واحدة فقط، مناسبة أن يكون هو في السلطة وأن يكون الحاكم راضياً عنه.

إن أثر الشعراوي في إفساد العقول الإسلامية لا يقل عن أي وباء فكري اجتاح الأمة، فهو الذي روج لخرافة أن فترة حمل المرأة أربع سنوات، وأن المرأة المتبرجة هي زانية، وأن الفنون كلها حرام باستثناء ما يرضي النخبة الدينية، وأن الاستعانة بقوات أجنبية كافرة على قوات إسلامية عربية هو جائز إذا جاء لمصلحة النظام، متناسياً أن دينه هو نفسه الذي يضع المعايير الأخلاقية العادلة، ومكرراً أن الفتوى عنده سلاح يوجهه نحو خصوم السلطة كلما تغيرت الأوضاع السياسية، وهذا هو جوهر النجاسة الشعراوية التي لا تقل قذارة عن نجاسة جسده التي كان يتطهر منها في حمامات القصور التي كان يتردد عليها.

لقد أنتج الشعراوي جيلاً من المسلمين لا يفكرون بل يرددون، لا يناقشون بل يقدسون، لا يسألون عن الدليل بل يكتفون بالفتوى، لا يبحثون عن الحقيقة بل يبحثون عن من يرضي غرائزهم التخلفية، وهذا هو الضرر الأعظم الذي سببه هذا الحمار المتلوّن الذي استطاع أن يبيع الدين في سوق السياسة بأغلى الأثمان دون أن يخجل أو يتردد، فهو الذي يلعن الغرب في النهار ويستجدي علاجه في الليل، والذي يحرم العيش في بلاد الكفر ويقضي أجمل أيام عمره في فيلات لندن وسويسرا، والذي يلعن الإخوان في مجلس ويُزكي الإخوان في مجلس آخر، وكأن ضميره ينام مع كل صفقة سياسية و يستيقظ مع كل حاكم جديد.

إن مرور الزمن على فتاوى الشعراوي لم يمحِ أثرها السام في النفوس، بل تركها تتعفن في عقول أتباعه الذين ما زالوا يرددون كلماته كأنها وحي منزل، مع أن كل يوم يمر يكشف عن كارثية ما قاله في محاضراته التي كانت أشبه بخطابات سياسية مرتدية ثياباً دينية، فمن منعه لغسيل الكلى لم يكن إلا جريمة في حق المرضى ومن تحريمه للفنون لم يكن إلا حرباً على العقول ومن إفتائه بقتل المرتد لم يكن إلا تشجيعاً للإرهاب باسم الدين، وكأن الشيخ الجليل لم يفهم أن الله قال: "لا إكراه في الدين"، وأن النبي قال: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل".

في النهاية، يبقى الشعراوي نموذجاً للشخصية الدينية التي استطاعت أن تتقمص كل الأدوار دون أن تمسك بأي دور حقيقي، فهو كالببغاء الذي يكرر ما تريد له السلطة أن يقوله، وإذا تغير الحاكم تغيرت فتاواه، وإذا تغيرت السياسة تغيرت خطبه، وهو بذلك ليس عالماً دينياً بل هو ساحر سياسي أقنع الملايين بأنه يتكلم عن الله بينما كان يتحدث عن مصالح حكامه، وأقنع نفسه بأنه يخدم الدين بينما كان يخدم شهواته وعلاقاته ومكانته، وهذا هو الدرس الأهم في نجاسة الشعراوي التي تبقى عالقة في جدران عقول من صدقوه حتى يومنا هذا، نجاسة لا يزيلها لا الاستغفار ولا التوبة ولا مرور الزمان، بل هي ميراث من التخلف ينتقل من جيل إلى جيل، ومن فتوى إلى فتوى، ومن خرافة إلى خرافة.






.

خواطر هائم في عالم البهائم: (20) العبقرية والإعجاز في فقه الضراط والبراز (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(20) العبقرية والإعجاز في فقه الضراط والبراز




إنَّ قراءةَ هذا السفرِ العظيمِ الذي يُعنونُ بـ"أحكام الأصوات الصادرة من الإنسان عدا الكلام" لصالح بن علي بن محمد الرزقان، والممتدِّ على ما يقاربِ أربعمائةِ صفحةٍ منَ التفاصيلِ الفقهيةِ الدقيقةِ، تضعُ القارئَ أمامَ حقيقةٍ مريرةٍ لا مفرَّ منها: أنَّ هناكَ شعوباً تهتمُ بالذكاءِ الاصطناعيِ وتستثمرُ في استكشافِ الفضاءِ، وشعوباً أخرى تحصلُ على الدكتوراهِ والماجستيرِ في فقهِ "الخراء" و"الضراط" و"أنواعِ الريحِ الصادرةِ من الدبر" و"حكمِ التثاؤبِ في الصلاةِ" و"أثرِ البكاءِ على صحةِ الوضوءِ"، يعني في الغباء البدوي الطبيعي. نعم، لقدْ وصلَ بنا الأمرُ إلى أنْ ينفق باحث سعودي في جامعةِ الإمامِ محمدِ بنِ سعودٍ وقته في تحبير رسالةَ ماجستيرٍ في "أحكامِ الأصواتِ الصادرةِ من الإنسانِ عدا الكلام"، فيُحدِّدَ أنواعَ الضراطِ، ويُفرِّقَ بينَ الأنينِ والتأوهِ والتنفسِ والنفخِ، ويُفتيَ في حكمِ الزغردةِ والتصفيقِ والصفيرِ، وكأنَّ الناس في أمسِّ الحاجةِ إلى معرفةِ هلْ يجوزُ للمرأةِ أنْ تصفِّقَ في الصلاةِ أم لا، بينما العالمُ المتحضّر يسبحُ في عوالمَ الذكاءِ الاصطناعيِّ ويتنافسُ على تطويرِ روبوتاتٍ تُجري العملياتِ الجراحيةَ عن بُعدٍ.

إنها حقاً مفارقةٌ تختزلُ كلَّ مأساةِ التخلفِ العربيِّ والإسلاميِّ في بضعِ صفحاتٍ، فبينما ينكبُ الباحثونَ في جامعاتِ كاليفورنيا وطوكيو على دراسةِ الخلايا الجذعيةِ والهندسةِ الوراثيةِ، نجدُ باحثاً سعودياً يجمعُ أقوالَ بهائم الأمّة الفقهيةَ في "فقهِ الضراطِ" و"الريحِ" و"الغرغرةِ" و"النحنحةِ"، ويُناقشُ بدقةٍ متناهيةٍ هلْ يُنقضُ الوضوءَ بسبب "قَرْقَرَةُ البطنِ" أم لا، وكأننا نعيشُ في القرنِ الثالثِ عشرَ الهجريِّ، حيثُ كانَ شغلُ الفقهاءِ الشاغلَ للسيطرة على عقول العامة وكسب رزقهم هوَ استعراض أصنافِ الرياحِ وتصنيفُها إلى ضراطٍ وفساءٍ، بدلاً منْ أنْ يُفكروا في أشياء نافعة وذات تأثير حقيقي على حياة الإنسان.

ولكي تدركَ حجمَ العبقريةِ الرّجعية التي نعيشُها، تأمَّلْ فقطْ هذا الفصلَ العظيمَ في "حكمِ التثاؤبِ في الصلاةِ" الذي استغرقَ صفحاتٍ وسطوراً، واختلافَ العلماءِ في حكمِ رفعِ الصوتِ بالغرغرةِ، والخلافَ الفقهيَّ حولَ إخراجِ الريحِ في المسجدِ، وماذا يفعلُ منْ ابتُليَ بسلسِ الريحِ، وكيفَ يتطهرُ منَ الضراطِ الذي لا صوتَ له. إنه دينُ المراحيض والمجاري وقواعدَ تنظيمِ خروجِ الغازاتِ منَ الأمعاءِ. والسخريةَ المريرةَ الأكبر هيَ في تركيزِ الجهود حتى يومنا هذا على هذهِ التفاصيلِ التافهة على حسابِ التفاصيلِ الكبرى التي تصنعُ الحضارةَ والتمدنَ.

لقدْ أصبحَ "فقهُ الخراءِ" عندَ هؤلاءِ الباحثينَ والجامعاتِ هوَ قمةُ الاجتهادِ العلميِّ، في الوقتِ الذي تضيعُ فيهِ الشعوب في متاهاتِ التخلفِ والتبعيةِ. رسالةُ الماجستيرِ هذهِ لوْ قُدِّمتْ في أيِّ جامعةٍ غربيةٍ، لكانتْ ضُحكةَ العصرِ، ولوصفوا صاحبَها بأنه يعيشُ في كهفٍ منعزلٍ منذُ ألفِ عامٍ، أو ربما تمّت إحالة صاحبها على طبيب نفسي عوض مناقشة هذا الهراء. لكنَّها في جامعات خير أمة أخرجت للبطيخ تُناقشُ وتُصرف لمن يقوم بها منح دراسية وتُصادقُ على محتواها اللجانُ العلميةُ، ويُمنحُ الباحثُ بموجبها درجةً علميةً تُضافُ إلى رصيدِه الأكاديميِّ، وكأنَّنا نصنعُ منَ الفقهِ الصحيِّ المبتذلِ عِلماً يُباهى بهِ في المحافلِ الدوليةِ، بينما أصحابُ الدكتوراهِ في "فقهِ الضراطِ" ينظرونَ بازدراءٍ إلى منْ يدرسُ الذكاءَ الاصطناعيَّ على أنه لعبٌ وانحلالٌ أخلاقيٌّ.

والأغربُ من ذلكَ أنَّ هذا الباحثَ لمْ يكتفِ بجمعِ المسائلِ الفقهيةِ حولَ الأصواتِ، بلْ خاضَ في تفصيلاتٍ شبهِ طبيةٍ عنْ طبيعةِ الصوتِ البشريِّ، وكيفيةِ خروجِ الغازاتِ، وعلاقةِ النحنحةِ بإخراجِ بقايا البولِ، وكأنَ المهمةَ العلميةَ الكبرى للأمةِ هيَ تفسيرُ "قرقرةِ البطنِ" و"صفيرِ الريحِ"، وليسَ تفسيرَ أسبابِ التخلفِ واستراتيجياتِ النهوضِ والخروج من مجاري السلف الطالح. لقدْ أصبحَ "الضراطُ" عِلماً، وأصبحَ "الخراءُ" فقهاً، وأصبحتْ "المجاري" مدارسَ ودوراتٍ جامعيةً، بينما في الجانب الآخر من العالم تُصنعُ الصواريخُ ويُطورُ الذكاء الاصطناعي وتُبتكرُ التقنيات الجينيةُ.

حقاً، إنَّ فقهَ الضراطِ وهندسةَ الريحِ هما ملخصُ عصرِنا الذهبيِّ، فبينما يستعدُّ العالمُ لاستعمارِ المريخِ وغزوِ الفضاءِ، نحنُ نستعدُّ لاستعمارِ "جوْفِ البطنِ" وفهمِ أسرارِ "الانبعاثاتِ الغازيةِ" بنفس أكاديمي رهيب لمْ يبلغْه الفقهاءُ القدماءُ. وما رسالةُ الماجستيرِ التي بينَ أيدينا إلا شاهدٌ على أنَّ الأمةَ قدْ أجادتْ فنَّ تحويلِ التخلفِ إلى مؤسساتٍ، وتحويلِ السخافاتِ إلى كلياتٍ، وتحويلِ الفقهِ الصحيِّ إلى بطاقةِ عبورٍ إلى رتبٍ علميةٍ لا تُقدِّمُ ولا تؤخرُ في مسيرةِ التاريخ، بلْ تزيدُ العالَمَ قناعةً بأنَّ هذهِ الشعوب مازالتْ تغرقُ في تفاصيلِها الصغيرةِ التافهة عن وعي ومع سبق الإصرار، وتلهثُ وراءَ فتاوى "الغائطِ والبولِ والريحِ" عوضاً عنْ الدراسات المهتمة بالتغييرِ والتنميةِ والابتكارِ. هكذا تصنعُ خير أمة أخرجت للبطيخ أعظمَ المهازلِ العلميةِ في تاريخِ الإنسانيةِ: شعوبٌ تبحثُ عنِ الخلاصِ في "فقهِ الخراءِ" بينما السفنُ الفضائيةُ تحلقُ فوقَ رؤوسِها.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (19) الجرذ الخميني وتصدير الثورة التفخيذية (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (19) الجرذ الخميني وتصدير الثورة التفخيذية




في تاريخ البشرية المليء بالشخصيات المثيرة للجدل، يبقى روح الله الخميني نموذجاً فريداً في فن التناقض بين الأسماء البراقة والحقائق البشعة، فهو الرجل الذي سمي نفسه "روح الله" و"آية الله"، وكأنه يريد أن يقنع العالم بأن الله نفسه قد تجسد في هذه الجثة النحيلة التي ظلت تلعق أصابعها وتأمر بإبادة خصومها باسم السماء. لو كان الخميني حقاً روح الله، فهذا يعني أن الله يعاني من مشكلة خطيرة في اختياراته، وأن الله نفسه قد يكون فاسداً أو مريضاً نفسياً، لأن روحاً بهذا المستوى من الانحطاط لا يمكن أن تنتمي إلى أي كيان مقدس، بل هي روح معلقة بين عالم الجرذان وعالم الديكتاتوريين الفاشلين.

ولكي نتصور حجم السفالة التي جاء بها هذا الجرذ الفارسي، يكفي أن نقرأ ما كتبه بكل جرأة في كتابه "تحرير الوسيلة" حيث أفتى بصراحة بتفخيذ الرضيعات وزواج القاصرات، وكأنه لم يكتف بتحويل إيران إلى سجن كبير للنساء، بل أراد أن يشرعن أشد أنواع الانحطاط الجنسي تحت غطاء ديني وضيع. إنه ليس مجرد فقيه متطرف، بل هو رجل لا يصلح حتى لأن يعتبر إنساناً، لأن إنسانيته سقطت في اللحظة التي سمح فيها لعقله المريض أن يشرع استغلال الطفولة باسم الدين والوصاية الإلهية. وهذا بالضبط ما يفسر سبب خروج نظامه النجس ليكون وباءً تفخيذياً يصدر أمراضه الجنسية والدينية إلى العراق واليمن ولبنان وسوريا، تاركاً وراءه جثثاً وأرواحاً مشوهة تئن تحت وطأة حلمه المريض بتصدير الثورة التفخيذية.

عندما نتأمل نتاج نظام الخميني، نجد أنفسنا أمام قائمة طويلة من الأمراض الاجتماعية التي صدّرها هذا النظام كالنقاب واللطميات والتطبير، وهي ممارسات لا تمت بصلة إلى أي دين سماوي، بل هي نتاج ثقافة بدوية متأخرة أرادت إيران أن تلبسها ثوب القداسة لتجعل منها أدوات للسيطرة على العقول والأجساد في آن واحد. فالمرأة في إيران الخمينية ليست إنسانة، بل هي مجرد جسد يحتاج إلى تغطية وإقصاء وتهميش، والطفلة ليست طفلة بل هي سلعة جنسية يمكن تفخيذها في أي لحظة تراها السلطة الدينية مناسبة، والإنسان ليس حراً، بل هو عبد لنظام يضع الحرية في قفص الاتهام ويطلق عليها اسم الفساد والانحلال الغربي. إنها منظومة لا تنتج إلا السفلة الذين يصطفون في طوابير عزاء الحسين وهم يلطمون صدورهم وكأنهم في مسابقة على من يضرب نفسه بقوة أكبر، متناسين أن أسيادهم في إيران يستمتعون بأموالهم ويبنون قصورهم الفخمة بينما يرسلون أتباعهم للموت باسم الثورة الإيرانية في أراضٍ بعيدة لا تمت لهم بصلة.

المضحك في الأمر هو أن الخميني كجرذ سياسي قد نجح في بناء عشه فوق أنقاض إيران القديمة، ثم شرع في إرسال جرذان صغيرة لتؤسس نظاماً مماثلاً في كل دولة أمكنه الوصول إليها، فأصبح العراق ساحة لتجارب التفخيذ الإيراني، وأصبح اليمن مختبراً لتصدير الفقر والتخلف، وأصبح لبنان ساحة لحرب وكالة يدفع ثمنها الشعب اللبناني الفقير، وأصبحت سوريا جثة هامدة تحت أقدام الأذناب الإيرانيين الذين يبيعون دماء شعبهم من أجل البقاء في سلطة لا تستمر إلا بالقتل والقمع. إنه نظام قائم على التصدير الدائم للقبح، ولا يرضى إلا بأن يرى العالم كله على صورته البشعة، وإلا فإنه يعتبر ذلك مؤامرة غربية، وكأن كل من يرفض تفخيذ الأطفال لا بد أن يكون عميلاً للاستكبار العالمي!

في المحصلة، يبقى الخميني ونظامه واحداً من أكبر الكوارث التي مرت على المنطقة العربية والإسلامية، فهو ليس مجرد ديكتاتور ديني، بل هو مرض نفسي سياسي اجتمع فيه التعصب الديني مع العته السياسي، وأنتج ثقافة الموت والتفخيذ والاستغلال التي دمرت عقوداً من التقدم الطبيعي في بلاد كان يمكنها أن تكون رائدة في العلم والتنمية لو لم تجد هذا الجرذ الخميني ليضعها في نفق مظلم لا نهاية له. ولو كان هناك إله حقاً لكان أولى به أن يلعن هذا الجرذ بدلاً من أن يسميه روحه، فالروح التي تجسدت في الخميني ليست سوى روح شريرة تحمل في طياتها كل أمراض الديكتاتورية والعنصرية الجنسية، وهي أرواح يجب أن تدفن في مزبلة التاريخ حيث لا يصل إليها ضوء ولا رحمة ولا إنسانية.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (18) الزّبر والزنبور في ذمّيّة رندلى جبّور (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(18) الزّبر والزنبور في ذمّيّة رندلى جبّور




في عالم السياسة اللبنانية العبثي، حيث تتنافس الشخصيات على لقب "أكثر الذيل إخلاصاً لإيران"، تبرز رندلى جبور كواحدة من أبرز أيقونات الذمية السياسية التي تستخدم كل ما تملك من عضلات فكية للدفاع عن نظام الملالي الإيراني الفاشي، كأنها تتسابق مع رافي مادايان على من يكون أكثر انبطاحاً أمام أسيادهم في طهران. هذه السيدة الأرثوذكسية التي تحمل الصليب وتدافع عن من يضطهد المسيحيين في إيران ويسحق الأقليات الدينية تحت جنازير دولته الدينية المتوحشة، هي نموذج ساخر لكيف يمكن للهوية أن تتحول إلى مجرد أداة سياسية مرنة تغير شكلها بحسب الجهة التي تدفع أكثر، فمن يصدق أن مسيحية تحمل الجنسية اللبنانية وتنتمي إلى طائفة لها تاريخ من الاضطهاد على أيدي الفرس، تقف اليوم لتمجد نظاماً يضرب عرض الحائط بكل الحريات والكرامات الإنسانية؟

لقد قالت رندلى جبور في أحد لقاءاتها القيمة التي لا تزيد البصيرة الإنسانية إلا عمى، إنه لو انتهى حزب الله الإرهابي، ستتعرى رندلى جبور علناً، وكأن هذا التهديد الإعلامي المبتذل قد يغير شيئاً من واقع الميليشيا الإيرانية التي تخسر يوماً بعد يوم في معاركها ضد العدو الحقيقي، فما قيمة تعرّي امرأة في الخمسينيات من عمرها يتوارى وجهها في الخلفيات الكثيفة من الماكياج ويمحوه الشيب والزمن؟ إنه تصريح مثير للاشمئزاز بدلاً من أن يكون مثيراً للفضول، فجسدها الذي تلوح به كبوق دعائي لا يثير في النفس إلا مشاعر الشفقة على امرأة تخيلت أن قيمتها السياسية تكمن في تقييم الجمهور للحمها وعظمها، وكأنها تبيع بضاعتها الفكرية بالجنس الرخيص مثلما تفعل الأفلام الهابطة التي تبحث عن جمهورها بين فضوليين لا همّ لهم سوى المتعة المبتذلة.

والأغرب في مهزلة رندلى جبور أنها تصرح بكل بساطة أن إيران الملالي فيها حرية للمرأة، وأن كل ما يُقال عن دكتاتورية إيران الدينية السافلة هو كذب ومغالطة ومؤامرة غربية، وهنا يبلغ المنحى السياسي ذروة الاستهبال، فكيف لامرأة أنكرت عليها إيران حقوقها الأساسية كإنسانة وكأم وكعاملة وكمواطنة أن تنكر كل هذه الحقائق الموثقة في عشرات التقارير الدولية وحقوق الإنسان، وكيف يمكن لامرأة اختارت أن تسجن نفسها في قفص الإرهاب الإيراني التبريري أن تتحدث عن الحرية التي لا تعني عندها سوى حرية التبعية لأسيادها؟ إنها سفالة فكرية تتواطأ مع شوفينية ذكورية إيرانية تعتبر المرأة وعاء جنسيا لا يحق لها حتى رؤية مباراة كرة قدم أو أن تقود دراجة هوائية في شوارع طهران دون أن يعتدى عليها بالضرب من قبل رجال الدين المتعفنين.

ما يزيد الطين بلة أن رندلى جبور تقدم نفسها في سيرتها الذاتية كـ"نقيبة العاملين بالإعلام المرئي والمسموع، وعضو رابطة المحللين والخبراء الدوليين، واتحاد الكتاب اللبنانيين، وإعلامية، وكاتبة، وأستاذة جامعية، وناشطة سياسية"، وكأن الألقاب ستجعل منها ثعلباً سياسياً بدلاً من ثعلب ألقاب، فهي تجمع من الشهادات والمسميات ما قد تشاركها به أي مجموعة منظمة من أصحاب العلاقات، دون أن تحمل أي من هذه المسميات قيمة حقيقية في سوق الكفاءات الذي تموت فيه الكفاءة وتنتصر العلاقات والنفاق.

وإذا كان المثل الشعبي يقول "الباب يلفه الباب"، فإن رندلى جبور هي نموذج حي لهذا المثل، فهي ليست أكثر من "باب" دوار يلفه الزمن السياسي العابر ولا يستقر على حال، فهي في المشرق تغني للحزب الشيوعي، وفي المغرب تهلل للملالي الإيرانيين، وفي الشمال تنوح على الاستعمار الغربي، وفي الجنوب تنعق بأعلى صوت لصالح وكلاء إيران، وكل هذا التنقل المريع لا ينجم عن أي إستراتيجية سياسية فكرية بل عن إصرار على البقاء في الفضاء الإعلامي بأي ثمن، وكأنها تخشى أكثر ما تخشاه من أن تخرج من المشهد السياسي الذي أصبحت هي نفسها جزءاً من هزليته.

في المحصلة، تظل رندلى جبور قطعة من الزريبة السياسية اللبنانية التي لا تنتج إلا البهائم الإعلامية التي تستقي رزقها من الخانة الأكثر قذارة في المنظومة الإيرانية، فهي ليست سوى ذنب طويل يلوح به ملالي إيران كلما أحسوا بتراجع نفوذهم في المنطقة، وإذا كان اللبنانيون اليوم يعانون من أزماتهم الاقتصادية والسياسية والأمنية، فمن حقهم أن يتساءلوا عن جدوى وجود مثل هذه النماذج في الإعلام والسياسة، وعن كيفية إقصائها تماماً من الفضاء العام، فهي لا تقدم للوطن سوى الخراب باسم المقاومة المزعومة، ولا تقدم للمرأة سوى نموذج التبعية الأعمى والإنحطاط باسم الحرية المزيفة.







.

خواطر هائم في عالم البهائم: (17) رافي مادايان أنموذج ذيل إيران الذمي الشيوعي الإرهابي (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(17) رافي مادايان أنموذج ذيل إيران الذمي الشيوعي الإرهابي




في عالم السياسة اللبنانية العبثي، حيث تتسابق الشخصيات على التملق لأسيادها كالكلاب المدربة، يبرز الأرمني المسيحي الشيوعي الهوى رافي مادايان كنموذج فريد في فن الانبطاح السياسي والتقلب الأخلاقي، فهو ذلك الذيل الذي لا يكل ولا يمل من لعق أحذية ملالي إيران وحزب الله الإرهابي، رغم أنه ينتمي دينياً وقومياً إلى الطرف الآخر تماماً. إنها مفارقة ساخرة أن ترى مسيحياً أرمنياً يتحول إلى بوق ينعق بأوامر نظام الملالي الذي يضطهد المسيحيين والأرمن في إيران ويسحقهم تحت جنازير دولته الدينية الفاشية، وكأن مادايان قرر أن يتخلى عن كل قيمه وهوياته فقط ليحظى بابتسامة من بعض المسؤولين الإيرانيين الذين لا يعرفونه حتى باسمه.

الجميل في أمر هذا الرجل أنه يمارس السياسة كأنها لعبة فيديو قديمة، حيث يمكنه تغيير قناعاته وتقلب مواقفه بحسب مستوى الصعوبة في كل مرحلة، فهو اليوم مع 14 آذار وغداً ضدها، وهو اليوم مع المقاومة وبعد غد مع مناهضيها، وكأن الولاءات عنده مثل الملابس التي تبدل بحسب الموسم. لكن الثابت الوحيد في هذه المهزلة هو تمسكه الأعمى بشرعية حزب الله الإرهابي على أرض لبنان، وكأنه يستمد وجوده السياسي من شرعية هذا الحزب الذي لا يعترف بمنطق الدولة ولا بقوانينها ولا بحدودها، بل يعتبر نفسه دولة فوق الدولة وميليشيا فوق كل الميليشيات.

يقف مادايان اليوم ليدافع عن هزائم حزب الله ويبررها وكأنه محامي دفاع عن إرهابيين، يلتوي كالحية ليخرج من كل نكسة حزب الله رواية انتصار وهمية، ويتهرب من سؤال الشعب اللبناني الذي ينزف دمه وماله ومستقبله تحت وطأة هذه الميليشيا الإيرانية، فهو يخون كل جنسيته الأرمنية وكل ديانته المسيحية وكل انتمائه الشيوعي في سبيل البقاء تحت مظلة الملالي الذين لا يقدمون له سوى بعض الوعود الفارغة والتغطية الإعلامية الرخيصة.

ويتطاول هذا الذيل الإيراني في كل مناسبة على من يختلفون معه معتبراً إياهم خونة وعملاء وعملة رخيصة، متناسياً أنه هو نفسه كان عميلاً لسوريا في السابق، ومتناسياً أنه هو نفسه كان يكتب التقارير للمعلم رستم كما يُشاع، ومتناسياً أنه هو نفسه شخص لا يحظى بأي قبول شعبي ولا أي إرث سياسي حقيقي باستثناء تطفله على إرث جورج حاوي الذي لو كان حياً لبرئ من هذا الذيل الصغير الذي ينبش في رفات الموتى ليتاجر بها في سوق السياسة الخاسر. إنه يشبه تماماً تلك الكائنات الطفيلية التي تعيش على جسد عائلها ثم تتحول إلى سم يقتل العائل نفسه، فهو بتمسكه بحزب الله يساهم في تدمير لبنان الذي يدعي حبه له، وكأنه يمارس سياسة انتحارية جماعية باسم المقاومة المزعومة، فشتان بين مقاومة تحرر الأرض ومقاولة تحرر سيادة إيران على لبنان.

الأغرب في قصة مادايان أنه يمارس التهديد والوعيد بكل أريحية وكأنه مفوض من جهات أمنية إيرانية لحماية مصالحها في لبنان، فيخرج في الإعلام ليخوّف ويهدد من لا يعجبه خطابهم، متناسياً أنه لا يملك من القوة سوى بعض الأوراق التي يستخدمها كمدفعية دعائية رخيصة، فهو مثل ذلك الكلب صغير الحجم كثير النباح الذي يحاول أن يخيف المارة بزمجرته لكن أحداً لا يأخذه على محمل الجدّ، لكنه مستمر في نباحه لأن أسياده الإيرانيين يحتاجون إلى مثل هذه الأصوات التي تملأ الفراغ الإعلامي الذي يخلفه تراجع تأثير حزب الله يوماً بعد يوم.

مادايان هو في الحقيقة مجرد مسخ سياسي لا هو من هذا الطرف ولا من ذاك، لا هو أرمني حرّ ولا مسيحي مخلص ولا شيوعي مبدئي، بل هو مجرد ذيل إيراني يتلوى في فضاء لبنان السياسي الملوث، إلى أن يدرك يوماً أن أسياده الإيرانيين ربما يغيرون جلودهم ويبحثون عن كلاب جديدة تنبح في وجوه اللبنانيين بأصوات أخرى، وعندها سيصبح مادايان مجرد أثر تاريخي مضحك في سلسلة الذيول الإيرانية التي طالما استهلكت لبنان واستهلكت أهله دون أن تترك لهم سوى الخراب والعار.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (16) رافي مادايان: طفيلي يتاجر بالسياسة أم وريث نضال؟ (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(16) رافي مادايان: طفيلي يتاجر بالسياسة أم وريث نضال؟





في عالم السياسة اللبنانية، حيث تختلط الدماءُ بالحساباتِ وتتداخلُ الإرثُ السياسيُّ بالمشاريعِ الشخصيةِ، يطلُّ علينا رافي مادايان كشخصيةٍ تثيرُ الجدلَ بقدرِ ما تثيرُ السخريةَ. إنه أحدُ أولئكَ الذينَ يحاولونَ ركوبَ أمواجِ التاريخِ مستغلينَ إرثَ الآخرينَ، لعلَّهم يصلونَ إلى ضفافِ السلطةِ التي طالما حلموا بها. فمنْ هوَ رافي مادايان؟ إنَّه ابنُ أردين مادايان، الأمينِ العامِّ الأسبقِ للحزبِ الشيوعيِّ اللبنانيِّ ، والذي يبدو أنَّ أبرزَ أوراقِ اعتمادِه السياسيةِ هيَ علاقتُه بجورج حاوي، إذ كانَ الأخيرُ بمثابةِ الأبِ الروحيِّ له . ورغمَ هذهِ الصلةِ، فإنَّ كثيرينَ يرونَ فيهِ مجردَ طفيليٍّ سياسيٍّ يحاولُ ركوبَ موجةِ النضالِ بلا استحقاق، فكأنَّ السياسةَ عندهُ ليستْ إيماناً بقضيةٍ بلْ محاولةٌ يائسةٌ للارتقاءِ منْ حالةِ الهامشِ إلى مركزِ الأضواءِ بأيِّ ثمنٍ كان.

إنَّ قراءةً سريعةً لمواقفِ مادايان السياسيةِ تكشفُ عنْ شخصيةٍ متقلبَةٍ لا تثبتُ على حالٍ، فهوَ مثلاً كانَ جزءاً منْ تحالفِ 14 آذار في فترةٍ ما، ثمَّ سرعانَ ما انقلبَ ليصبحَ ناقداً شرساً لهُ وللمعارضةِ على حدٍّ سواءٍ. هذا التقلُّبُ ليسَ ناتجاً عنْ قناعاتٍ راسخةٍ، بلْ هوَ انعكاسٌ لحالةِ "التاجرِ السياسيِّ" الذي يبيعُ ضميرَه لمنْ يدفعُ أكثرَ، ويرتمي في أحضانِ منْ يضمنُ لهُ بقاءً أوْ منصباً. ومَنْ يتصفحْ تصريحاتِه في وسائلِ الإعلامِ، يجدْه يتنقلُ بينَ اتهامِ خصومِه بالعمالةِ للموسادِ، تارةً، وبينَ تبريرِ جرائمِ القتلِ والاغتيالاتِ التي شهدها لبنانُ باسمِ "التوازناتِ الإقليميةِ"، وكأنَّ البلادَ ليستْ وطناً يعيشُ فيهِ الناسُ، بلْ هيَ لوحةُ شطرنجٍ يلعبُ عليها هوَ وأسيادُه.

أما عنْ "نضالِه" المزعومِ، فيكفينا أنْ ننظرَ إلى نتائجِه العمليةِ. إنَّ مادايانَ الذي يتشدقُ باسمِ جورج حاوي ويستدعي إرثَه، هوَ نفسُه منْ كانَ يكتبُ التقاريرَ لـ"المعلمِ رستم" ، كما يشاعُ، أيْ أنهُ لمْ يكنْ سوى عينٍ سوريةٍ في جسدِ الحركةِ الوطنيةِ اللبنانيةِ. والأطرفُ منْ ذلكَ أنَّه يروي كيفَ أنَّ البطريركَ صفيرَ استبعدهُ منْ اجتماعاتِ قرنة شهوان، وكأنَّ في هذا الاستبعادِ إدانةً لهُ وفضحاً لازدواجيةِ ولائِه بينَ بني جلدته وأسيادِه. فمنْ هوَ رافي مادايان إذن؟ إنَّه ذلكَ الممثلُ البائسُ الذي يلعبُ دورَ المناضلِ، بينما الحقيقةُ أنَّه مجردُ صعلوكٍ سياسيٍّ، لا يمتُّ إلى أيِّ مشروعٍ وطنيٍّ لبناني بصلةٍ، بلْ هوَ شخصيةٌ ملتبسةٌ تتغذى على الجثثِ والدماءِ السياسيةِ لتبقى في دائرةِ الضوءِ، وكأنَّ السياسةَ عندهُ ليستْ وسيلةً لخدمةِ الوطنِ، بلْ غايةً في خدمةِ الذاتِ المتضخمةِ التي لا تشبعُ منَ الشهرةِ والتخوينِ.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (15) الثابت والمتحوّل في عشق الآلهة للتسوّل (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(15) الثابت والمتحوّل في عشق الآلهة للتسوّل




في عالمٍ مليءٍ بالتناقضاتِ الصاخبةِ، تبرزُ ظاهرةٌ دينيةٌ طريفةٌ تستحقُ أنْ تُحفرَ في موسوعةِ الغرائبِ الإنسانيةِ تحتَ بابِ "سيكولوجيا التسولِ الإلهيِّ". فمنْ جهةٍ، تملأُ الكتبُ المقدسةُ الدنيا ضجيجاً بصفاتِ الآلهةِ المطلقةِ وقدرتِها اللامتناهيةِ، وتزعمُ أنَّ هذهِ الآلهةَ غنيَّةٌ عنِ العالمينَ، لا تحتاجُ إلى طعامٍ ولا شرابٍ ولا مالٍ ولا مسكنٍ، وأنَّ البشرَ همَ الفقراءُ المحتاجونَ إليها، وأنَّها كريمةٌ جوادٌ تُفيضُ على عبادِها منْ فيضِ رحمتِها الواسعةِ التي لا تنضبُ أبداً. لكنْ إذا انتقلتَ منْ عالمِ النصوصِ المقدسةِ إلى أرضِ الواقعِ الملموسِ، ستكتشفُ أنَّ هذهِ الآلهةَ المُنَزَّهةَ عنِ الحاجةِ تعيشُ حالةً منَ التسولِ الممنهجِ لا تُضاهيها فيها أيُّ مؤسسةٍ بشريةٍ، فهيَ تطالبُ أتباعَها بالتبرعِ لها لبناءِ هياكلِها ومعابدِها ومساجدِها، وتجهيزِها بالفرشِ والستائرِ والثرياتِ، وخلاصِ أجورِ القساوسةِ والأئمّةِ والمؤذنينَ، ودفعِ فواتيرِ الكهرباءِ والماءِ والإنترنتِ، وكأنَّ هذا الإلهَ المتعاليَ لا يستطيعُ أنْ يُوقدَ مصباحاً واحداً في مسجدِه دونَ أنْ يمدَّ يدَهُ لجيوبِ المؤمنينَ الفقراءِ الذينَ لا يجدونَ قوتَ يومِهم.

إنَّها مفارقةٌ تصلُ إلى حدِّ الفضيحةِ الأخلاقيةِ: إلهٌ يوصفُ بأنَّه "الغنيُّ الحميدُ" و"القويُّ المتينُ" و"المنعمُ المتفضِّلُ"، وفي الوقتِ نفسِه نراهُ يتسوّلُ ببجاحةٍ في كلِّ مناسبةٍ، ولا يتركُ فرصةً واحدةً سانحةً إلا وانتهزَها لسلبِ أموالِ أتباعِه تحتَ عناوينَ براقةٍ مثلَ "الزكاةِ" و"الصدقةِ" و"العشورِ" و"القرابينِ" و"النذورِ" و"الكفاراتِ". بلْ إنَّ بعضَ رجالِ الدينِ يذهبونَ إلى أبعدِ منْ ذلكَ فيُخبرونَ المؤمنينَ بأنَّ اللهَ سيُضاعفُ لهمُ الأجرَ والثوابَ مقابلَ تبرعاتِهم، وكأنَّ اللهَ يديرُ بنكاً استثمارياً يمنحُ فوائدَ ربويةً على الودائعِ الإيمانيةِ. لكنْ إذا نظرتَ إلى النتائجِ العمليةِ لهذهِ الإعلاناتِ الإلهيةِ، ستجدُ أنَّ الفقراءَ يزدادونَ فقراً والجائعينَ يزدادونَ جوعاً والأغنياءَ منْ رجالِ الدينِ يزدادونَ ثراءً ورفاهيةً، وكأنَّ التسولَ الإلهيَّ هوَ آلةُ تحويلٍ عجيبةٌ تنقلُ الأموالَ منْ جيوبِ المحتاجينَ إلى خزائنِ المعابدِ التي لا تملأُ جوفَ أحدٍ ولا تَسْقِي عطشاناً ولا تَكْسُو عارياً.

ما يزيدُ الأمورَ سخريةً هوَ أنَّ هذهِ الآلهةَ التي تزعمُ أنها خلقتِ الكونَ منْ لا شيءٍ، وتتحكمُ في حركةِ الكواكبِ ومجرَّاتِها، وتُجرِي الرياحَ وتُنزِلُ المطرَ وتُخرجُ النباتَ، عاجزةٌ تماماً عنْ إسقاطِ رغيفِ خبزٍ واحدٍ على رأسِ إنسانٍ جائعٍ، أوْ رميِ قطعةِ نقودٍ واحدةٍ في جيبِ طفلٍ مفلسٍ يحتاجُ إلى دواءٍ. فهيَ تتركُ عبيدَها يتضورونَ جوعاً ومرضاً وفقراً، بينما تلهثُ خلفَ تبرعاتِهم لتزيينِ قبابِها ومآذنِها، وكأنَّ أولوياتِها هيَ "الديكورُ المقدسُ" لا "البطنُ الجائعُ". إنَّها صورةٌ كاريكاتوريةٌ لإلهٍ مريضٍ بالعُجبِ، يريدُ أنْ يبنِيَ لنفسِه قصوراً فخمةً منْ أموالِ الفقراءِ، ثمَّ يطلبُ منْ هؤلاءِ الفقراءِ أنْ يحمدوهُ على هذهِ النعمةِ العظيمةِ التي أنعمَ بها عليهم، وهيَ فرصةُ المساهمةِ في بناءِ قصرِه الإلهيِّ المتواضعِ الذي لا يليقُ بعظمتِه!

والأدهى منْ ذلكَ أنَّ رجالَ الدينِ، وكلاءَ هذهِ الآلهةِ على الأرضِ، يتفننونَ في ابتكارِ طرقٍ جديدةٍ لابتزازِ المؤمنينَ عاطفياً ودينياً، فيذكرونهمْ بأنَّ أموالَهمْ ليستْ ملكاً لهمْ أصلاً، بلْ هيَ "وديعةٌ" عندهمْ منَ اللهِ، وأنَّ عليهمْ أنْ يردُّوها إليهِ وإلاّ أصابهمْ العذابُ في الدنيا والآخرةِ. وهكذا، يتحولُ الإلهُ المتسوّلُ إلى شريكٍ في ممتلكاتِ الناسِ، وكأنَّهُ شريكُ مضاربةٍ معهمْ في صفقاتِهم العقاريةِ والتجاريةِ، لكنَّهُ لا يشاركُهمْ الخسائرَ بلْ يأخذُ أرباحَه مُقدماً وبالقسطِ الفوريِّ. إنَّهُ نموذجُ ربِّ المالِ المستبدِّ الذي لا يفوِّتُ أيَّ فرصةٍ لانتزاعِ ما في جيوبِ الآخرينَ، ثمَّ يُروّجُ لنفسِه على أنَّه "الرزَّاقُ الكريمُ" و"الغنيُّ الحميدُ"، في تناقضٍ لا يخفى على عاقلٍ ولا يمرُّ على ذي بصيرةٍ دونَ أنْ يضحكَ أوْ يبكي حسبَ مزاجِه.

في المحصلةِ النهائيةِ، يبدو أنَّ الآلهةَ جميعها، يهوهَ واللهَ والثالوثَ، تشتركانِ في متلازمةٍ نفسيةٍ واحدةٍ هيَ "التسولُ المقدسُ"، التي تفرضُ عليها أنْ تدَّعيَ الغنى المطلقَ بينما تتسوّلُ بكلِّ ما أوتيتْ منْ قوةٍ إلهيةٍ. وإذا كانَ هناكَ إلهٌ حقاً، فليُظهرْ لنا قدرتَه مرةً واحدةً بأنْ يَسْقِيَ أتباعَه الجائعينَ خبزاً منَ السماءِ دونَ أنْ يطلبَ منهمْ مقابلاً نقدياً، وليتركْ لهمْ أموالَهمْ التي يُعذبونَ في جمعِها طوالَ حياتِهم. أما إذا استمرَّتِ الآلهةُ على عشْقِها للتسولِ، فليقلْ لنا رجالُ الدينِ بصراحةٍ: يا قومُ، نحنُ فقراءُ مثلكمْ، وإلهُنا مسكينٌ أيضاً لا يملكُ ريالاً واحداً، وهيا بنا جميعاً نتضامنُ في التسولِ، فالفقيرُ يتسوّلُ للغنيِّ، والإلهُ يتسوّلُ للفقيرِ، وهكذا تدورُ عجلةُ التسولِ الإلهيِّ إلى ما لا نهاية.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (14) إذا كان أبو الأنبياء كذاباً، فكيف يكون البقية؟ (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (14) إذا كان أبو الأنبياء كذاباً، فكيف يكون البقية؟




في عالمٍ مليءٍ بالشخصياتِ الدينيةِ التي تُقدَّسُ وتُعظَّمُ دونَ أنْ يجرؤَ أحدٌ على فحصِ سيرتِها بعينٍ ناقدةٍ، يبرزُ "أبو الأنبياء" إبراهيمُ كأعظمِ نموذجٍ على هذهِ الظاهرةِ الغريبةِ التي تجعلُ منَ الكذبِ صفةً إلهيةً إنْ صدرتْ عنِ الشخصيةِ المقدسةِ المطلوبةِ. فالرجلُ الذي اختارهُ اللهُ، أو يهوه، ليكونَ خليلاً له، أي صديقاً حميماً، نجدهُ في نصوصِ التناخِ والتلمودِ والقرآنِ والحديثِ يمارسُ الكذبَ باحترافٍ لا يُستهانُ بهِ، وكأنَّ الكذبَ كانَ شرطاً أساسياً في عقدِ الصداقةِ معَ الخالقِ. فإذا كانَ الخليلُ نفسه، وهوَ رمزُ الصدقِ والأمانةِ في التصورِ الدينيِّ الشعبيِّ، يمارسُ التضليلَ والخداعَ علناً ودونَ خجلٍ، فما بالُكَ بمنْ يتخذهُ قدوةً؟ إنها معادلةٌ رياضيةٌ بسيطةٌ: كلما ارتفعَ مستوى المقدسِ، ازدادَ مستوى الكذبِ المقبولِ اجتماعياً باسمِ "التقوى" و"الحكمةِ الإلهيةِ".

لنبدأْ بجولةٍ سريعةٍ في سجلِّ إبراهيمَ الحافلِ بالكذباتِ التي تتناقضُ معَ أيِّ منطقٍ أخلاقيٍّ بشريٍّ. في التناخ، يحدثنا سفرُ التكوينِ عنْ مرتينِ منفصلتينِ يلجأُ فيهما إبراهيمُ إلى حيلةٍ وضيعةٍ: حينَ يخافُ على حياتِه منْ ملوكِ الأرضِ، يطلبُ منْ زوجتِه سارةَ أنْ تقولَ إنها أختهُ، فيعرضُها بذلكَ للخطرِ، ويتنازلُ عنْ كرامتِه وكرامتِها في سبيلِ بقائِه على قيدِ الحياةِ. وفي المرتينِ، ينكشفُ أمرُه على يدِ الملكِ الوثنيِّ الذي يوبخُه ويعاتبهُ، وكأنَّ الوثنيينَ كانوا أكثرَ أخلاقاً منْ نبيِّ اللهِ وخليلِه. حتى التلمودُ لمْ يكتفِ بالمرتينِ، بلْ أضافَ كذبةً ثالثةً حينَ قالَ إبراهيمُ عنِ الأصنامِ "إنّي سقيمٌ"، وكذبةً رابعةً حينَ قالَ عنِ الأصنامِ التي حطمها "بلْ فعلهُ كبيرُهم هذا"، وكأنَّ اللهَ نفسه يُشرفُ على هذهِ المسرحيةِ الهزليةِ التي تجعلُ منَ الكذبِ فناً دينياً رفيعَ المستوى.

أما القرآنُ والحديثُ، فقدْ حاولا بشتى الطرقِ تبريرَ هذهِ الأكاذيبِ تحتَ شعارِ "الضروراتِ تبيحُ المحظوراتِ"، فجاءَ المفسرونَ ليقولوا إنَّ قولَ إبراهيمَ "إني سقيمٌ" لمْ يكنْ يعني المرضَ الجسديَّ، بلْ كانَ يعني سقمَهُ منْ عبادةِ الأصنامِ، وإنَّ قولَهُ "بلْ فعلهُ كبيرُهم هذا" لمْ يكنْ كذباً، بلْ كانَ استفهاماً تعليمياًّ لفضحِ عبثيةِ عبادةِ الأصنامِ. وهنا تتجلى ذروةُ السخريةِ، فالمسلمونَ يرفضونَ الاعترافَ بأنَّ أبا الأنبياءِ كذبَ ولوْ مرةً واحدةً، في الوقتِ الذي يصرُّ فيهِ التراثُ الإسلاميُّ نفسه، عبرَ صحيحِ البخاري، على أنَّ إبراهيمَ لمْ يكذبْ إلا ثلاثَ مراتٍ، اثنتانِ في ذاتِ اللهِ وواحدةٌ في شأنِ زوجتِه. إنهُ تناقضٌ يفضحُ نفسه بنفسِه، وكأنَّ الكذبَ يصبحُ فضيلةً إذا مارسهُ الأنبياءُ، ورذيلةً إذا مارسهُ عامةُ الناسِ.

لكنَّ الأغربَ منْ كلِّ هذا هوَ مشهدُ إبراهيمَ وهوَ يقدِّمُ زوجتَه سارةَ كـ"أختِهِ" للملوكِ الجبابرةِ، ليسَ مرةً واحدةً بلْ مراراً، وكأنَّهُ قوّادٌ محترفٌ يستخدمُ جسدَ زوجتِه ورحمَها كبطاقةِ مرورٍ آمنةٍ في رحلاتِه الخطرةِ. إنهُ يضعُها في موقفٍ لا تطيقُه أيُّ امرأةٍ، ويعرضُها للاغتصابِ أوِ الأسرِ، وكأنَّ كرامتَها لا تساوي شيئاً أمامَ خوفِه منَ الموتِ. وفي كلِّ مرةٍ، يكتشفُ الملكُ الوثنيُّ الحقيقةَ، فيوبخُ إبراهيمَ ويسألهُ: "ماذا صنعتَ بي؟"، وكأنَّ الوثنيينَ في هذهِ القصصِ همَ الضحايا الأبرياءُ الذينَ استُغِلَّتْ سذاجتُهم منْ قبلِ نبيِّ التوحيدِ الذي يمارسُ الخداعَ باسمِ السماءِ.

إذا كانَ هذا هوَ "خليلُ اللهِ"، فما بالُكَ بمنْ يتخذهُ أسوةً وقدوةً؟ الحديثُ النبويُّ يقولُ: "المرءُ على دينِ خليلِه"، أيْ أنَّ المرءَ يكتسبُ أخلاقَ منْ يصاحبُه ويختارهُ صديقاً. فإذا كانَ اللهُ نفسه قدِ اختارَ كذاباً محترفاً ليصبحَ خليلهُ، فهذا يعني أنَّ الكذبَ جزءٌ منْ طبيعةِ العلاقةِ معَ الإلهِ، وأنَّ الصدقَ ليسَ قيمةً مطلقةً في الدينِ بقدرِ ما هوَ أداةٌ مرنةٌ تتشكلُ حسبَ الحاجةِ والمصلحةِ. اليهودُ والمسيحيونَ يعتبرونَ إبراهيمَ أباً روحيَّاً فقط، ولا يسبغونَ عليهِ أيَّ نوعٍ منَ العصمةِ، بلْ يعترفونَ بأخطائِه ويُدرسونَها في مدارسِهم كنموذجٍ للبشريةِ الضعيفةِ. أما المسلمونَ، فيصرونَ على تطهيرِه منْ أيِّ شائبةٍ، ويُحاولونَ تبريرَ كذباتِه بأغربِ التأويلاتِ، وكأنَّ النصَّ الذي بينَ أيديهم ليسَ نصوصاً بشريةً قابلةً للنقدِ، بلْ هوَ وحيٌ إلهيٌّ لا يُخطئُ ولا يُغني عنِ الحقيقةِ.

في النهايةِ، يبقى السؤالُ الأكثرُ إلحاحاً: إذا كانَ اللهُ قدِ اختارَ كذاباً محترفاً ليكونَ صديقَهُ وخليلَهُ، فهلْ هذا عيبٌ في إبراهيمَ أمْ عيبٌ في اللهِ نفسِه الذي اختارَ هذا الكذابَ ليكونَ رمزاً للصدقِ والأمانةِ في الأرضِ؟ إنهُ تناقضٌ محيرٌ يفضحُ هشاشةَ البناءِ الأخلاقيِّ للدينِ التوحيديِّ برمتهِ، ويجعلنا نتساءلُ إنْ كانَ الصدقُ قيمةً إنسانيةً عليا، أمْ مجردُ شعارٍ يُرفعُ حينَ ينفعُ ويتم إخفاؤه حينَ يضرُّ، تماماً كما فعلَ أبو الأنبياءِ الذي ضحّى بزوجتِه وكذبَ على ملوكِ الأرضِ، ثمَّ صارَ رمزاً للتقوى والطهارةِ بأعجوبةٍ إلهيةٍ لا تفسيرَ لها سوى أنَّ اللهَ يحبُّ الكذابينَ أيضاً.






.

خواطر هائم في عالم البهائم: (13) الإرهاب واختلال العقل في سفر أعمال الرسل (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (13) الإرهاب  واختلال العقل في سفر أعمال الرسل





في مشهدٍ يليق بأفلام الرعب النفسي أكثر منه بكتابٍ مقدس، يطل علينا الإصحاح الخامس من سفر أعمال الرسل بقصة حنانيا وسفيرة، تلك التحفة الفنية في فن الابتزاز الروحي والقتل المعنوي باسم السماء. القصة ببساطة تروي كيف أن رجلاً وامرأته قررا أن يتبرعا بجزء من مالهما للجماعة المسيحية الناشئة، فإذا بقديسهم الكبير بطرس، ذلك العاطل المتسول الذي كان يعيش على فضلات موائد النساء قبل أن يخترع لنفسه مهنة "رئيس الرسل"، ينقلب عليهما كالذئب الجائع، لا ليشكرهما على تبرعهما، بل ليتهمهما بـ"الكذب على الروح القدس" ثم يعلن موتهما الفوري كأنهما ارتكبا جريمة إبادة جماعية. إنها قصة تفضح بدقة متناهية كيف يستخدم الدين كغطاء للسطو على أموال الناس وقتلهم إن هم تجرأوا على التصرف بممتلكاتهم الشخصية دون استئذان الكنيسة.

لنبدأ من البداية: حنانيا وسفيرة كانا يملكان حقلاً، فباعاه وقررا أن يتبرعا بجزء من ثمنه للجماعة المسيحية. هنا يبرز السؤال الأكثر بداهة الذي يتجاهله النص المقدس: هل كانا ملزمين بالتبرع أصلاً؟ وهل كان أي شخص في الجماعة يملك الحق في معرفة قيمة البيع بالضبط؟ الإجابة بكل وضوح هي لا، فالمال كان ملكاً لهما، والتصرف به حق شخصي بحت، ولا ذنب لهما إن احتفظا بجزء منه أو تبرعا به كاملاً. لكن بطرس، ذلك المحترف في لعبة الترهيب، يأتي بمنطق عبثي قائلاً: "أليس وهو باق كان يبقى لك؟ ولما بيع، ألم يكن في سلطانك؟"، ثم يقلب المعادلة ويتهمهما بـ"الكذب على الله" لأنهم لم يتبرعوا بكل المال. إنه منطق أشبه بمن يقول لصديقه: "أنت حر في ألا تهديني شيئاً، لكن إن أهديتني نصف مبلغ هدية، فأنت لص وسارق". إنها لعبة خداع نفسي تهدف لجعل الضحية تشعر بالذنب حتى وهي تمارس حقها المشروع.

أما ذروة السخرية فهي عندما نقرأ وصف بطرس لهذا التبرع الجزئي بأنه "اختلاس"، أي سرقة. وهنا تتجلى عبقرية اللفظ الديني في تحويل الحق الطبيعي إلى جريمة، وتحويل العطاء الطوعي إلى إدانة أخلاقية، وتحويل الأبرياء إلى مجرمين. بطرس يستخدم كلمة "اختلس" ليجعل القارئ يعادي حنانيا وسفيرة وكأنهما سارقا مال يتيم، بينما الحقيقة أنهما مارسا حقهما في التصرف بمالهما بكل حرية. ولو افترضنا جدلاً أنهما قالا إن هذا هو كل المال، فما المشكلة؟ أليس المال مالهما؟ وهل صار التبرع للكنيسة فرضاً كضريبة الدخل؟ بطرس وجماعته لم يكونوا سوى مجموعة من الصعاليك المتسولين الذين وجدوا في خرافة المسيح وسيلة سهلة للعيش على حساب الآخرين دون أن يعملوا ساعة واحدة في حياتهم.

وهنا نصل إلى الجوهر الحقيقي لهذه القصة المخيفة: هدفها الأساسي ليس تقديس "الروح القدس" أو تعليم درس في الصدق، بل بث الرعب في قلوب الأتباع المسيحيين الأوائل، لضمان أن يتبرعوا بكل ممتلكاتهم للكنيسة دون أي تحفظ، وإلا فسيواجهون مصير حنانيا وسفيرة. إنها عملية ابتزاز جماعي باسم السماء، حيث يُستخدم الموت كسلاح رادع لضمان تدفق الأموال إلى جيوب الفقراء الكسالى من رجال الدين الذين لا يعرفون إلا التكفير والتخويف والقتل باسم الإله الفاشل الذي لا يستطيع توفير المال لأتباعه دون أن يسلبوه من الناس باسم العشور والقرابين.

الروح القدس الذي يتحدث عنه بطرس يبدو إلهاً ضعيفاً وعاجزاً، لا يستطيع أن يدير جماعة دينية دون أن يقتل أعضاءها، ولا يستطيع أن يوفر المال لتلك الجماعة دون أن يمارس الإرهاب على أتباعه. إنه إله محتاج لدماء أتباعه وبطونهم، إله لا يختلف عن الأصنام التي كانوا يزعمون أنها تطلب القرابين البشرية. وأما بطرس فهو مجرد مدير مشروع إرهابي ناجح، حوّل الخوف إلى أداة للسيطرة، والموت إلى وسيلة للثراء، والكنيسة إلى مؤسسة للقتل الممنهج باسم المسيح الفقير المتسوّل الذي لم يملك بيتاً يؤويه كما يقولون وكان يعيش على عرق النساء، لكن أتباعه من بعده صاروا أثرياء وديكتاتوريين يملكون بيوت الناس وأموالهم وأرواحهم أيضاً.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (12) قصة القديس مار مينا للمغفلين (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(12) قصة القديس مار مينا للمغفلين




في البداية، دعونا نتفق على أننا أمام ظاهرة تاريخية فريدة من نوعها، وهي قديس مصري قبطي يقرر فجأة أن يتخلى عن مهماته الروحية المعتادة مثل سماع الصلوات وشفاء المرضى، لينزل إلى أرض المعركة كجندي محترف في الجيش البريطاني، يحمل سوطاً ويضرب به جنود الفيلد مارشال روميل حتى ينهزموا. هذه القصة التي يرويها لنا كتاب صادر عن دير مار مينا بمريوط تستحق أن نضعها تحت المجهر، ليس لنقدها، بل لنستمتع بعبقرية السرد التاريخي الذي يخلط بين المعجزات والسياسة الدولية وكأنه فيلم بوليوودي قديم.

لنبدأ بالسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه على أي إنسان يملك نصف عقل: إذا كان مار مينا يملك هذه القوة الخارقة التي تمكنه من إخافة الجيوش الألمانية بأكملها، فلماذا اكتفى بهزيمة الألمان فقط؟ لماذا لم يمتد سوطه الإلهي ليطرد البريطانيين الذين احتلوا مصر منذ عام 1882، أي قبل ستين عاماً من معركة العلمين؟ هل كان البريطانيون يمتلكون نوعاً من الحصانة الروحية التي تجعل القديسين يعجزون عن ضربهم؟ ربما لأنهم كانوا حلفاء في الحرب، كما يبرر لنا النص، ولكن ألم يكونوا محتلين قبل ذلك وبعده؟ أم أن مار مينا كان يقرأ الصحف البريطانية ويظن أنهم جاءوا لزيارة سياحية؟

والأطرف من ذلك أن النص يذكر أن الألمان أنفسهم كانوا يقدسون مار مينا ولديهم كنائس باسمه، مما يعني أن القديس ضرب أتباعه ومحبيه! تخيلوا لو أن المسيح ضرب تلاميذه بالسوط لأنه لم يعجبهم، هذا هو المنطق العجيب الذي يقدمه لنا السرد المعجز. الألماني يحب مار مينا ويبني له كنيسة، فيجيبه القديس بضربه وطرده. أليس هذا أجمل مثال على "نكران الجميل" الإلهي؟

والآن، لننتقل إلى سؤال أكثر أهمية: أين كان مار مينا أيام الاحتلال العثماني الذي استمر أربعمائة عام؟ هل كان في إجازة روحانية طويلة؟ أم أن السياط المقدسة كانت تصدأ في المخزن؟ العثمانيون حكموا مصر بقسوة واستبداد، وفرضوا الضرائب وأذلوا الأهالي، ولكن مار مينا لم يحرك ساكناً. ربما كان مشغولاً بتنظيم رحلات الحج إلى ديره، أو ربما لأنه كان ينتظر قدوم الألمان تحديداً لأنهم أعداء لدودون للكنيسة اليونانية، أما العثمانيون فكانوا مجرد نزلاء مؤقتين.

ولكن السؤال الأكثر إحراجاً على الإطلاق: لماذا لم يمنع مار مينا احتلال العرب لمصر بقيادة عمرو بن العاص في القرن السابع الميلادي؟ هذا الاحتلال الذي غيّر هوية مصر بالكامل، وجعلها دولة عربية إسلامية بدلاً من دولة مسيحية. ألم يكن هذا التهديد الأكبر للكنيسة المصرية على الإطلاق؟ ولكن مار مينا كان نائماً حينها، أو ربما كان يظن أن عمرو بن العاص جاء حاملاً الزهور والهدايا، ولم يستيقظ إلا بعد ثلاثة عشر قرناً عندما سمع أن روميل قادم.

الحقيقة المضحكة التي يتجاهلها هذا السرد الديني هي أن مار مينا لم يهزم الألمان في العلمين، بل هزمتهم القوات البريطانية بقيادة مونتغمري، والأمريكيون، وغيرهم من الحلفاء. ولكن يبدو أن الكنيسة اليونانية أرادت أن تسرق النصر وتنسبه إلى قديسها، وكأنها تقول للبريطانيين: أنتم أيها الجنود جلستم في الخنادق وأطلقتم النار، ولكن مار مينا هو من هزم روميل بسوطه! ولو كان الأمر كذلك، فلماذا أرسل الحلفاء مئات الآلاف من الجنود والدبابات؟ كان بإمكانهم إرسال أيقونة مار مينا فقط، ووضعها في مواجهة روميل ليهرب!

الأمر المثير للسخرية أن النص يذكر أن مونتغمري حلم بمار مينا قبل المعركة، وهذا يذكرنا بأساطير الفراعنة حيث كان الملوك ينامون في المعابد ليأتوهم الأحلام، ولكن الفرق أن الفراعنة كانوا يصدقون هذه الأحلام، أما نحن في القرن الحادي والعشرين فنضحك عليها. هل يعقل أن القائد العسكري الأكبر في المعركة يبني خطته على حلم رآه في منامه؟ هذا يفسر لماذا كانت الحرب طويلة وشاقة، فلو كان الاعتماد على الأحلام فقط لانتهت المعركة في يومين.

الأغرب من كل ذلك أن النص يحاول أن يخلق عداوة بين الألمان والقديس مار مينا، وكأن الألمان أعداء للكنيسة المصرية، بينما نعرف أن النازية كانت عدو الجميع، ولكن هل كان مار مينا يغار على مصر أكثر من المصريين أنفسهم؟ المصريون قاتلوا في العلمين إلى جانب البريطانيين، ولكنهم لم يزعموا أن بطلاً أسطورياً قد أنقذهم، بل كانوا يعرفون أن النصر جاء بفضل الإستراتيجية العسكرية والأسلحة الحديثة.

وأخيراً، نصل إلى النتيجة المنطقية الحتمية: لو كان مار مينا قاهراً للألمان، فلماذا لم يعد إلى ألمانيا بعد الحرب ويطرد الحلفاء أيضاً؟ لماذا توقف عند العلمين واكتفى بالنصر الجزئي؟ الجواب بسيط: لأن القصة كلها مجرد خرافة للترويج لقديس وزيادة شعبيته، أو كما يقولون بالإنجليزية "أسطورة حضرية" قديمة، ولكن مع سوط. وفي النهاية، أقولها بكل صراحة: من الجميل أن يكون لكل أمة بطولاتها الخارقة، ولكن الأجمل أن نعرف أن النصر في العلمين كان بفضل العقول والأسلحة، وليس بفضل فارس يركب جملاً ويضرب بالسوط في منتصف الليل. أما لو كان مار مينا يعاقب المحتلين حقاً، فلبقي سوطه يعمل حتى اليوم ضد جميع الذين يستبيحون الأرض، ولكن يبدو أن السوط الروحي ينفد عندما يتعلق الأمر باحتلالات أخرى غير الألمانية.




.

خواطر هائم في عالم البهائم: (11) هل كان أبو الأنبياء مريضاً نفسياً ومختلاً عقلياً؟ (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(11) هل كان أبو الأنبياء مريضاً نفسياً ومختلاً عقلياً؟




في عالمٍ مليءٍ بالأساطيرِ والخرافاتِ التي تُقدَّسُ بمرورِ الزمن، تقفُ قصةُ "أبو الأنبياء" إبراهيمَ كواحدةٍ منْ أكثرِ الحكاياتِ إثارةً للدهشةِ والسخريةِ في آنٍ واحدٍ. فهذا الرجلُ الذي يُفترضُ أنهُ مؤسسُ الدياناتِ التوحيديةِ الثلاثِ الكبرى، يعرضُ علينا في سيرتِه المزعومةِ نموذجاً فريداً للسلوكِ البشريِّ الذي لوْ حدثَ في عصرِنا الحديثِ لأودعَ صاحبُه أقربَ مستشفىً للأمراضِ النفسيةِ والعقليةِ في جناحِ الحالاتِ الخطرةِ. فمنْ منا يمكنُه أنْ يتخيلَ رجلاً في التاسعةِ والتسعينَ منْ عمرِه، وقدْ جاوزَ طورِ الكهولةِ ودخلَ في مرحلةِ الهشاشةِ البدنيةِ القصوى، يستيقظُ في أحدِ الأيامِ ليؤمنَ بأنَّ "خالقَ الكونِ" قدْ كلَّمهُ في المنامِ وأمرَهُ أنْ يختنَ نفسَهُ بنفسِه باستخدامِ قطعةٍ منَ الحجرِ، دونَ تخديرٍ أو أدواتٍ معقمةٍ أو خبرةٍ طبيةٍ، ثمَّ يشرعَ في تنفيذِ الأمرِ وكأنَّه يمارسُ أشغالاً يدويةً عاديةً كتقطيعِ الخضارِ للمطبخِ؟

السخريةُ هنا لا تقفُ عندَ حدودِ العمليةِ الجراحيةِ البدائيةِ التي تجعلُ منْ أيِّ طبيبٍ حديثٍ يرتجفُ رعباً لمجردِ سماعِها، بلْ تمتدُّ إلى باقي محطاتِ حياةِ هذا الرجلِ الذي يبدو أنَّ علاقتَه بالواقعِ كانتْ أشبهَ بعلاقةِ طفلٍ بألعابِ الخيالِ العلميِ المتوحشِ. فإبراهيمُ لمْ يكتفِ بختانِ نفسِه، بلْ كانَ يرى في منامه أوامرَ بنحرِ ابنه الوحيدِ الذي أنجبَه بعدَ عمرٍ مديدٍ منَ الانتظارِ، ثمَّ يفكُّ في اللحظةِ الأخيرةِ أنَّ اللهَ قدْ أرسلَ لهُ كبشاً ليذبحَه بدلاً منِ الولدِ، وكأنَّ "المخرجَ الإلهيَّ" قدْ غيرَ نصَّ المسرحيةِ فجأةً لأنه أحسَّ بمللِ الجمهورِ منَ المشهدِ الدمويِّ المكررِ. لوْ كانَ هذا الرجلُ يعيشُ بيننا اليومَ، لكانَ أقربُ الناسِ إلى فهمِه هوَ ذاكَ الجارُ الذي يصرخُ في الفجرِ أنهُ ملكُ الزهرةِ وأنَّ الكائناتِ الفضائيةَ تتابعُ تحركاتهِ منْ خلفِ القمرِ.

المضحكُ المبكي في هذهِ القصةِ أنَّ مئاتِ الملايينِ منَ البشرِ لا يزالونَ يرددونَ سيرةَ هذا "النبيِّ المختلِّ" كأنَّها دستورٌ للحياةِ، ويستمدونَ منها تشريعاتهم وأخلاقهم ونظراتهم إلى العالمِ، وكأنَّ المجتمعاتِ العربيةَ والإسلاميةَ قدْ قررتْ أنْ تعلقَ مصيرَها على رجلٍ كانَ يسمعُ أصواتاً في رأسِه ويترجمها إلى أفعالٍ جسديةٍ خطيرةٍ لا تخضعُ لأيِّ منطقٍ طبيٍّ أو نفسيٍّ أو اجتماعيٍّ. وكلَّما مرَّ الزمنُ، توارثتِ الأجيالُ هذهِ الخرافاتِ دونَ أنْ تتوقفَ لحظةً لتسألَ: هلْ كانَ هذا الرجلُ يعاني منْ مرضِ الفصامِ الحادِّ معَ نوباتٍ ذهانيةٍ تجعلهُ غيرَ قادرٍ على التمييزِ بينَ الحلمِ واليقظةِ، أمْ أنَّ اللهَ قدِ اختارَ فعلاً مريضاً نفسياً ليكونَ أباً للأنبياءِ ورسولاً للبشريةِ كلها، لأنَّ اللهَ نفسه يبدو أنَّ لهُ نزعةً كوميديةً غريبةً في اختيارِ ممثلِيهِ على المسرحِ الأرضيِّ؟

ثمَّ تأتي الحلقةُ الأطرفُ في هذهِ المسرحيةِ الهزليةِ الطويلةِ، وهيَ محاولةُ اللاهوتيينَ والمفسرينَ على مرِّ العصورِ أنْ يجدوا تبريراتٍ عقلانيةً لأفعالِ هذا الرجلِ، فتارةً يتحدثونَ عنْ "امتحانِ الإيمانِ" وتارةً عنْ "التسليمِ المطلقِ لإرادةِ الخالقِ"، وكأنَّهم يصرونَ على تحويلِ حالةٍ نفسيةٍ عصيبةٍ إلى درسٍ فلسفيٍّ عميق. أما منْ يجرؤُ على التشكيكِ في هذهِ السرديةِ العبثيةِ فيُتهمُ بالكفرِ والزندقةِ، وكأنَّ العيبَ ليسَ في عقليةِ رجلٍ يختنُ نفسَه بحجرٍ في صحراءِ الجزيرةِ العربيةِ، بلْ في عقليةِ أيِّ إنسانٍ عاقلٍ يرفضُ تصديقَ هذهِ المهازلِ التي تنمُّ عنْ خللٍ واضحٍ في إدراكِ الواقعِ الذي نعيشُ فيهِ.

في النهايةِ، إذا كانَ "أبو الأنبياء" حقاً هوَ الذي اختارَه الخالقُ ليكونَ قدوةً للبشرية، فإنَّ السؤالَ الذي يفرضُ نفسَه بقوةٍ: هلْ كانَ هذا الاختيارُ متعمداً لإثباتِ أنَّ اللهَ نفسه يعاني منْ هوسٍ ساخرٍ بتحويلِ حياةِ البشرِ إلى كوميدياٍ إلهيةٍ لا أولَ لها ولا آخرَ، أمْ أنَّ كلَّ هذهِ القصصِ ما هيَ إلا انعكاسٌ لمرحلةٍ بدائيةٍ منَ التفكيرِ الإنسانيِّ حينَ كانَ الإنسانُ يخلطُ بينَ هلاوسِه الداخليةِ ورسالاتِ السماءِ، ويُقدسُ أوهامَه كي يهربَ منْ مواجهةِ قسوةِ الواقعِ العاريِ الذي لا ينتظرُ مخلصاً ولا نبياً ولا كبشاً يذبحُ بدلاً منَ العقلِ؟





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (10) من قاع الهامور إلى قاعدة الخابور (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(10) من قاع الهامور إلى قاعدة الخابور




في واقعةٍ هي أشبه بمسرحيةٍ عبثيةٍ من إخراج صامويل بيكيت، وإنتاجٍ مشتركٍ بين شبابٍ مصريٍّ يبحثُ عن متنفسٍ ونظامٍ بوليسيٍّ لا يتحملُ حتى نكتةً على فيسبوك، تحولت مدينةُ "قاعِ الهامور" الكرتونيةُ من مجردِ مجموعةٍ ساخرةٍ إلى قضيةٍ أمنيةٍ كبرى. الجروب الذي بدأ كمزحةٍ بين مراهقينَ لمْ يتجاوزا الثامنةَ عشرةَ، جمعَ مليوناً وثمانمئةِ ألفِ عضوٍ في اثني عشرَ يوماً فقط، ليصبحَ بذلكَ أسرعَ تجمعٍ افتراضيٍّ في تاريخِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ المصريِّ، وكأنَّ الشعبَ المصريَّ بأكملهِ قدِ اتفقَ فجأةً على أنَّ الهروبَ إلى قاعِ البحرِ معَ سبونج بوبَ خيرٌ لهُ منَ العيشِ على سطحِ الأرضِ معَ "بلحة" .

المشكلةُ أنَّ النظامَ المصريَّ، بتلابيبِهِ الأمنيةِ التي لمْ تتغيرْ منذْ أيامِ "عبناصر" و"الساداتِ المؤمنِ" و"مباركِ الطيّارِ"، لمْ يستطعْ تحمّلَ فكرةِ أنَّ الناسَ يضحكونَ معاً على مشكلاتِهم . فما إنْ بدأَ الجروبُ يتحولُ إلى منصةٍ للشكوى الجماعيةِ، حتى هرولَ إعلامُ السلطةِ ولجانُها الإلكترونيةُ لاتهامِ القائمينَ عليهِ بأنهمْ "إخوانٌ" و"عمالةٌ" و"خونةٌ"، متناسينَ أنَّ هؤلاءِ القائمينَ همْ فتياتٌ ومراهقونَ لا يتجاوزُ أحدُهم الخامسةَ عشرةَ منَ العمرِ، وأنَّ كلَّ ما كانوا يفعلونَ هوَ كتابةُ منشوراتٍ عنْ غلاءِ الإيجاراتِ وانقطاعِ الكهرباءِ وتكدسِ المواصلاتِ، ولكنْ بأسلوبٍ ساخرٍ مستوحى منْ شخصياتِ الكرتونِ التي أحبوها في طفولتهم . إنها جريمتهم الكبرى: أنهم ضحكوا على واقعٍ لا يُحتملُ، وقديماً قالوا إنَّ الضحكَ منَ الألمِ ليسَ ذنباً، بل هوَ نوعٌ منَ المقاومةِ الصامتةِ التي لا تفهمها الأنظمةُ البوليسيةُ التي تعتبرُ أيَّ تجمعٍ، حتى لوْ كانَ افتراضياً وبينَ كائناتٍ بحريةٍ، مؤامرةً ضدَّ الأمنِ القوميِّ .

والأغربُ منَ ذلكَ أنَّ الجروبَ أغلقَ أبوابَهُ "مؤقتاً" لمدةِ تسعةٍ وخمسينَ يوماً، على أنْ يعودَ في 22 أكتوبرَ المقبل، وكأنَّ الدولةَ التي تعجزُ عنْ حلِّ أزمةِ الخبزِ والكهرباءِ والصرفِ الصحيِّ، تجدُ في إغلاقِ صفحةِ "فيسبوك" حلاً سحرياً لمشاكلِها المستعصيةِ . هنا تبرزُ السخريةُ الأعمقُ: النظامُ الذي يصفُ نفسَهُ بـ"القائدِ المنقذِ الأبديِّ" لا يترددُ في استخدامِ آلةِ القمعِ ذاتِها التي استخدمها أسلافُه، وكأنَّ عقاربَ الساعةِ السياسيةِ توقفتْ عندَ عصرِ "الحكامِ الأبديينَ" الذينَ يظنونَ أنَّ الشعبَ لا يعرفُ مصلحتَه، وأنَّ الحكيمَ الوحيدَ هوَ الجاثمُ على كرسيِّ الحكمِ حتى آخرِ رمقٍ، حتى باتَ المصريونَ يطلقونَ على رئيسهمَ لقبَ "بلحة" تهكماً، وكأنَّ اسمَهَ أصبحَ مرادفاً للتصلُّبِ والعجزِ عنِ الفهمِ .

يبقى السؤالُ الأكثرُ إلحاحاً: هلْ سيتحولُ "قاعُ الهامورِ" إلى "خابور" أو خازوقٍ في خاصرةِ الدولةِ السيساويةِ؟ التاريخُ يخبرنا أنَّ إغلاقَ منافذِ التنفيسِ لا يلغي الأزماتِ، بلْ يحولُها إلى انفجارٍ في الشارعِ، فالشعبُ الذي ضاقَ ذرعاً بالغلاءِ والقمعِ، ووجدَ في مدينةٍ كرتونيةٍ متنفساً لأحلامِه وخيباتِه، قدْ يضطرُّ يوماً للخروجِ إلى الشارعِ حينَ يكتشفُ أنَّ "قاعَ الهامورِ" قدْ أغلقَ أبوابَه، وأنَّ الحلمَ الوحيدَ المتبقيَ هوَ التغييرُ الفعليُّ، وأنَّ "الجراحةَ" التي ستفصلُ الرئيسَ الأبديَّ عنْ كرسيِّه قدْ تكونُ وشيكةً، لأنَّ الضحكَ حينَ يُمنعُ، يصيرُ البكاءُ ثورةً.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (09) شعوب تحلم بالعسل من مؤخرة المهدي (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(09) شعوب تحلم بالعسل من مؤخرة المهدي




في زمنٍ باتتْ فيهِ الأحلامُ الجماعيةُ أشبهَ بنكاتٍ ثقيلةٍ يفهمُ مغزاها الجميعُ عدا منْ يرددونها، تبرزُ ظاهرةٌ غريبةٌ في العالمينِ العربي والإسلامي، وهيَ الانتظارُ المقدسُ لشخصيةٍ غيبيةٍ اسمها "المهدي المنتظر"، الذي سيأتي ليملأَ الأرضَ قسطاً وعدلاً بعدما مُلئتْ ظلماً وجوراً. لكنْ لوْ تأملنا هذا الانتظارَ بعينٍ ساخرةٍ قليلاً، لوجدنا أنَّ الأمرَ لا يختلفُ عنْ تلكَ الأمثالِ الشعبيةِ الساخرةِ التي ترددها الجداتُ في الحكايا، كمنْ ينتظرُ العسلَ منْ مؤخرةِ النملةِ أو الدبسَ منْ مؤخرةِ النمسِ أو السمنة من ورك النملة. الفرقُ الوحيدُ أنَّ الأولادَ يكبرونَ ويفهمونَ أنَّ النملَ لا يُنتجُ عسلاًولا سمنا وأنَّ النمسَ لا يُدرُّ دبساً، بينما يظلُّ بعضُ الكبارِ معلقينَ في سرابِ المهديِّ الذي لمْ يظهرْ منذْ قرونٍ، ولنْ يظهرَ أبداً لأنَّه مجردُ وهمٍ جميلٍ اخترعتهُ العقولُ لتبريرِ الفشلِ الذريعِ في إدارةِ الواقعِ.

المهديُ المنتظرُ في ثقافتنا أشبهُ ببطلِ مسرحيةِ "في انتظارِ غودو" لصامويل بيكيت، حيثُ يجلسُ شخصانِ على حافةِ طريقٍ ينتظرانِ قدومَ غودو الذي لا يأتي أبداً. لكنَّ الفرقَ الوحيدَ بينَ المسرحيةِ الأوروبيةِ العبثيةِ وبينَ واقعنا العبثيِّ أضعافاً هوَ أنَّ شخصياتِ بيكيت كانتْ تنتظرُ بلا هدفٍ ولا رسالةٍ ولا شعارات، بينما نحنُ ننتظرُ مهدياً يحملُ رايةَ الإسلامِ ويعدُنا بالعدلِ، لكنَّه يظلُّ متوارياً في سراديبِ المجاري الغيبيةِ منذُ أكثرَ منْ ألفِ عامٍ، تاركاً إيانا نتخبطُ في الظلمِ والفسادِ والدماءِ باسمِ انتظارهِ المقدسِ الذي تحولَ إلى مشروعِ تدميرٍ للحاضرِ باسمِ مستقبلٍ لنْ يأتي.

المضحكُ المبكي في هذهِ القصةِ هوَ أنَّ الشعوبَ التي تنتظرُ المهديَ هيَ نفسُها الشعوبُ التي ترفضُ أنْ تبنيَ دولةَ مؤسساتٍ أوْ أنْ تطورَ مجتمعاتها أوْ أنْ تجتهدَ في حلِّ مشاكلها الراهنة، مفضلةً أنْ ترميَ كلَّ أملها على كائنٍ خرافيٍّ سيحلُّ كلَّ شيءٍ بكبسةِ زرٍّ غيبيةٍ. وكأنَّ العالمَ سيتوقفُ عنِ الدورانِ حتى يحضرَ هذا المخلوقُ الأسطوريُّ ليوزعَ العدلَ كما يُوزعُ الحلوى في الأفراح. وكلما تعمقَ الفشلُ واشتدَّ الخرابُ، ازدادَ التمسكُ بهذا الوهمِ وكأنَّه شريانُ حياةٍ أخير، بدلاً منْ أنْ يكونَ عبئاً ثقيلاً يمنعُ أيَّ محاولةٍ للنهوضِ الفعليِّ.

الغريبُ في الأمرِ أنَّ الذينَ يستعدونَ للمهديِ يبنونَ لهُ الدولةَ في مخيلتهمْ قبلَ أنْ يبنوها لأبنائهم، ويجهزونَ لهُ الجيوشَ في أحلامهمْ بينما جيوشهمْ الحقيقيةُ تنهارُ أمامَ أولِ اختبارٍ جادٍ. إنهُ مثلُ منْ ينتظرُ أنْ تأتيهُ عربةُ الآيس كريمِ وهيَ تمرُّ منْ أمامِ بيتهِ دونَ أنْ يُخرجَ نقوداً منْ جيبهِ، ثمَّ يلومَ البائعَ لأنه لمْ يتوقفْ عندَ بابِه. وفي النهاية، لا المهديُ يأتي ولا العسلُ يخرجُ منْ مؤخرةِ النملِ، وتبقى الشعوبُ تترنحُ بينَ أملٍ زائفٍ ويأسٍ حقيقيٍّ، دونَ أنْ تدركَ أنَّ الخلاصَ الحقيقيَّ لا يأتي منْ سراديبِ الغيبِ بلْ منْ عقولِ البشرِ وأيديهم التي تزرعُ وتحصدُ وتُصلحُ وتدمرُ بإرادتِها لا بإرادةِ منتظرٍ لا يجيءُ.

إنَّها مسرحيةٌ عبثيةٌ بامتياز، نعيشُ أدوارنا فيها بحماسٍ زائدٍ ووعيٍ ناقص، نموتُ فيها أجيالٌ بعدَ أجيال، ويُخرَّبُ العالمُ بأكملهِ بسببِ تفاهةٍ اسمها "انتظارُ المخلصِ الغيبي"، بينما الحقيقةُ التي لا يقبلُها العقلُ الهشُّ هيَ أنَّ المخلصينَ الحقيقيينَ ليسوا أنبياءً ولا مهديينَ ولا أوصياءَ، بلْ همْ أولئكَ الذينَ يقررونَ أنْ يصنعوا عدلَهم بأيديهم وأنْ يبنوا وطنهم بسواعدهم، بعيداً عنْ خرافةِ "العسلِ منْ مؤخرةِ المهدي" التي لمْ تزدْ شعوبنا إلا إدماناً على كبتاغون الوهمِ وهروباً منَ المواجهةِ الحقيقيةِ معَ ذاتها ومعَ تاريخِها المليءِ بالإحباطاتِ التي ألبستْها عباءةَ الانتظارِ لتبريرِ كسلِها وعجزِها وفشلها وانحطاطها.




.

خواطر هائم في عالم البهائم: (08) بهائم الله وسيولة مفهوم العمالة (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(08) بهائم الله وسيولة مفهوم العمالة





في قاموسِ السياسةِ العربيةِ والإسلاميةِ، لا تخلو أيُّ جملةٍ من كلمةِ "عمالة" أو "خيانة" أو "تخوين"، وكأنَّ هذهِ المفرداتِ أصبحتْ جزءاً منَ الحمضِ النوويِّ للمنطقِ السياسيِّ الذي لا يستقيمُ إلا بإلقاءِ التهمِ جزافاً على كلِّ منْ يختلفُ معَكَ في الرأيِ أوِ المصالحِ. وإذا كانَ القرآنُ الكريمُ قدْ أرسى مفهومَ "النفاقِ" كصفةٍ دنيئةٍ لأولئكَ الذينَ يظهرونَ الإيمانَ ويبطنونَ الكفرَ، فإنَّ المسلمينَ لمْ ينتظروا طويلاً حتى حوّلوا هذا المفهومَ إلى سلاحٍ دمويٍّ يصوبونهُ في ظهورِ بعضهمْ بعضاً، فأصبحَ كلُّ منافقٍ يتهمُ الآخرَ بالنفاقِ حتى باتَ الجميعُ في دائرةِ اتهامٍ لا تنتهي، وكأنَّ النفاقَ صارَ أساساً منْ أساسياتِ الانتماءِ الدينيِّ لا استثناءً فيهِ. فالخليفةُ يتهمُ الصحابيَّ، والصحابيُّ يتهمُ التابعيَّ، والتابعيُّ يتهمُ منْ يليهِ، وهكذا دواليكَ في سلسلةِ تخوينٍ لا أولَ لها ولا آخرَ، إلى أنْ وصلَ الحالُ ببعضِ الفرقِ إلى اعتبارِ أنَّ أكثرَ منْ تسعينَ بالمئةِ منَ الأمةِ همْ منافقونَ لا يعرفونَ اللهَ حقَّ معرفتِهِ، وكأنَّ اللهَ قدْ خلقَ هذهِ الأمةَ لتكونَ مختبراً تجريبياً للنفاقِ قبلَ أيِّ شيءٍ آخرَ.

أما اليومَ، فقدْ تطوّرَ مفهومُ العمالةِ بشكلٍ لافتٍ معَ تطورِ وسائلِ الاتصالِ وصعودِ الأنظمةِ الشموليةِ في كثيرٍ منَ البلدانِ العربيةِ والإسلاميةِ. فالحاكمُ يتهمُ المعارضةَ بأنَّها عميلةٌ للغربِ أو لإسرائيلَ أو لأمريكا، والمعارضةُ تردُّ الصاعَ صاعينَ وتتهمُ الحاكمَ بأنَّه عميلٌ أيضاً، وكأنَّ اللعبةَ كلَّها تدورُ حولَ منْ هوَ الأكثرُ عمالةً لا حولَ منْ هوَ الأكثرُ كفاءةً في الحكمِ أو الأكثرَ حرصاً على مصالحِ الشعبِ. كلُّ طرفٍ يحملُ ملفاً منَ التهمِ ضدَّ الآخر، وكلاهما ينسى أنَّ التخوينَ المتبادلَ لا يخدمُ إلا استمرارَ حالةِ الفوضى السياسيةِ التي تجعلُ المواطنَ حائراً بينَ هذا العميلِ وذاك، وكأنَّ الخياراتِ كلَّها تنتهي عندَ بابِ "منْ يعملُ لمين". إنها بذلكَ تصبحُ لعبةً لا منتصرَ فيها سوى أولئكَ الذينَ ينجحونَ في إيهامِ الجماهيرِ بأنَّهم وحدهمَ الأنقياءُ منْ هذهِ اللوثةِ التي تصيبُ كلَّ منْ يتولى منصباً أوْ يملكُ رأياً مخالفاً.

والنموذجُ الأكثرُ عبقريةً في هذا الفضاءِ المليءِ بالتخوينِ هوَ "حزبُ اللهِ اللبنانيُّ" الذي يرفعُ شعاراتِ الولاءِ لإيرانِ ويثبتُ يومياً أنَّ مفهومَ العمالةِ عندهُ لا يختلفُ عنْ مفهومِ النفاقِ عندَ السلفِ، فها هوَ أمينُهُ العامُّ السابقُ يزعمُ أنهُ عميلٌ للخمينيِّ وأنَّ نظامَ الملاليِ الإيرانيَّ هوَ القائدُ المطلقُ لجميعِ قراراتِه، وفي الوقتِ نفسهِ يصفُ كلَّ معارضيهِ بأنَّهم عملاءُ إسرائيلَ وأمريكا، وكأنَّ العمالةَ صفةٌ تنحصرُ في الآخرينَ ولا يجوزُ أنْ تطولَ حزبَ اللهِ نفسه الذي يمارسُ العمالةَ بطريقةٍ فنيةٍ لا مثيلَ لها. لكنَّ الأطرفَ في السخريةِ هوَ أنْ يأتيَ موسادُ إسرائيلَ الذي يعتبرُهُ الحزبُ العدوَّ الأكبرَ، ويفضحَ كلَّ هذهِ الأقنعةِ في عمليةِ البيجرِ الشهيرةِ، حيثُ تبينَ أنَّ جزءاً كبيراً منْ عناصرِ الحزبِ وقادتِهِ كانوا يتعاملونَ معَ إسرائيلَ سراً، وأنَّ كثيراً منَ العملياتِ التي ضربتْ الحزبَ لمْ تكنْ لِتنجحَ لولا وجودُ أيادٍ داخليَّةٍ تعملُ لصالحِ العدوِّ، وهوَ ما جعلَ الحزبَ يسقطُ في فخِّ التهمةِ التي كانَ يرمي بها الآخرينَ دائماً، إذ أصبحَ هوَ نفسه نموذجاً للعمالةِ التي يتقنُها ولا يتقنُ غيرها، وكأنَّ اللهَ أرادَ أنْ يريَ البشرَ أنَّ عمالةَ الآخرينَ ليستْ سوى صورةٍ طبقَ الأصلِ عنْ عمالةِ الذاتِ التي تختبئُ تحتَ عباءةِ الولاءِ المزعوم.

والسؤالُ الذي يفرضُ نفسَهُ بقوةٍ في ظلِّ هذا الكمِّ الهائلِ منَ التخوينِ المتبادلِ، هوَ: هلْ يصحُّ أنْ نستمرَّ في استعمالِ هذهِ العباراتِ الزئبقيةِ التي تتحولُ في لحظةٍ منْ أداةٍ للتحليلِ السياسيِّ إلى سلاحٍ للإبادةِ المعنويةِ والجسديةِ للخصومِ؟ أليسَ منَ الأجدرِ بنا أنْ ندركَ أنَّ الولاءَ والعمولةَ مفهومانِ فضفاضانِ لا ينضبطانِ تحتَ أيِّ تعريفٍ موضوعيٍّ، وأنَّ كلَّ طرفٍ يستعملُهما بحسبِ مصلحتِهِ في لحظةٍ تاريخيةٍ معينةٍ، بحيثُ يصبحُ منَ المستحيلِ التمييزُ بينَ عميلٍ حقيقيٍّ وآخرَ وهميٍّ في هذهِ اللعبةِ التي لا فائزَ فيها سوى منْ ينجحُ في إيهامِ الناسِ بأنَّهُم وحدَهُم فوقَ الشبهاتِ، بينمَا الحقيقةُ أنَّ الجميعَ في مستنقعِ العمالةِ والنفاقِ إلى حدِّ أنَّ عبارةَ "بهائمِ اللهِ" قدْ تكونُ أصدقَ وصفٍ لأولئكَ الذينَ يستعملونَ مفاهيمَ الدينِ والدولةِ كغطاءٍ لحماقاتهم السياسيةِ التي لا تنتهي.






.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...