Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (2) أفيخاي أدرعي أمينا عاما لحزب الله (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(2) أفيخاي أدرعي أمينا عاما لحزب الله




في عالمٍ من التناقضاتِ التي تصلحُ لأنْ تكونَ مادةً دسمةً لأفلامِ الكوميديا السوداء، يطلُ علينا "حزبُ الخراء" ومعهُ بيئتهُ المساندةُ التي توصفُ بأنها الأكثرُ "التزاماً" و"انضباطاً" في تاريخِ الجماعاتِ التي مارستْ سياسةَ البطولةِ الوهمية. هذهِ الجماعةُ التي استهلكتْ عقوداً في التلويحِ بأصابعَ مرفوعةٍ وتلاوةِ خطاباتٍ ناريةٍ عنِ المقاومةِ والموتِ في سبيلِ القدس، باتتْ في السنواتِ الأخيرةِ أشبهَ بمسرحيةٍ هزليةٍ لا تتقنُ إلا إتقانَ فنِّ التحولِ السريعِ منْ أسودِ الغابِ إلى قطيعِ أغنامٍ تتبعُ أيَّ منشورٍ يُكتبُ بالعبريةِ على "تويتر". والأعجبُ منْ ذلكَ كلهِ أنَّ "جيشَ الدفاعِ الإسرائيلي" أوْ ما باتَ يُعرفُ اختصاراً لدى هذهِ الجماعةِ بـ"الإلهِ الأزرق"، أصبحَ هوَ المرجعيةَ الأولى والأخيرةَ لـ"حزبِ الخراء" في توجيهِ تحركاتهِ ونزوحهِ وهروبهِ، وكأنَّ "أفيخاي أدرعي" هوَ الأمينُ العامُّ الفعليُّ لهذا الحزبِ دونَ منازع.

فلنستعرضِ المشهدَ العجيبَ الذي تتجلى فيهِ سخافةُ الموقفِ بأبهى حُلّة. كانَ "حزبُ الخراء" وما زالَ يتباهى بأنهُمْ لا يعترفونَ بالدولةِ اللبنانيةِ ولا يخضعونَ لقوانينها، ويؤكدونَ أنَّ مرجعيتَهُمْ هيَ "وليُّ الفقيهِ" في إيران، وأنَّ أوامرَهُ هيَ النافذةُ في دمائهم. ولكنْ حينَ تُطلقُ سهامُ الحربِ وتشتعلُ النيرانُ، نجدُ أنَّ هذهِ الجماعةَ قدْ تخلَّتْ عنْ "وليِّ الفقيه" واستبدلتْه بـ"أفيخاي أدرعي"، المتحدثِ باسمِ جيشِ العدوِّ الذي كانوا يتوعدونَ بإبادتِهِ صباحَ مساءَ. فما أنْ ينشرَ أفيخاي تغريدةً واحدةً يقولُ فيها "أخلوا مدينةَ كذا" أو "أخرجوا منْ منطقةِ كذا"، حتى ترى آلافاً منْ "المقاومينَ" وأتباعِهِمْ يهرولونَ إلى الشوارعِ كالفئرانِ التي ركضتْ منْ جحرٍ إلى جحر، تاركينَ خلفهم بيوتاً وممتلكاتٍ وأحلاماً مزعومةً في "النصرِ الكبير". إنها ليستْ مجردَ استجابةٍ عاجلةٍ، بلْ هيَ استجابةٌ تامةٌ وحذافيرُها لا يُغادرُ حرفٌ واحدٌ منها، وكأنَّ هؤلاءِ ليسوا إلا مرتزقةً يعملونَ في خدمةِ منشوراتِ "أدرعي" وليسوا أتباعاً لـ"حسن زميرة" أو "نعيق قاسم".

ولأنَّ المفارقاتِ لا تنتهي عندَ هذا الحدِّ، بلْ تتوالى كسلسلةٍ منْ المواقفِ الكوميديةِ التي تفوقُ خيالَ أيِّ كاتبِ ساخر، نقترحُ بجديةٍ هزليةٍ أنْ يتمَّ تعيينُ "أفيخاي أدرعي" نفسه أو منْ تليهِ منْ المتحدثينَ الرسميينَ لجيشِ الدفاعِ الإسرائيلي، كـ"ألا واوية" مثلاً، في منصبِ الأمينِ العامِّ لـ"حزبِ الخراء"، لأنهم في الواقعِ أصدقُ منْ يطبقُ أوامرَهُ وينفذُ توصياتِهِ في زمنِ السلمِ والحربِ دونَ أيِّ ترددٍ أوْ مراجعةٍ أوْ استشارةِ "وليِّ الفقيه". فحينَ كانَ "السيدُ حسن" يرفعُ إصبعهُ ويعدُ بـ"النصرِ المبين"، كانَ أتباعهُ ينظرونَ إليهِ وكأنهُ وحيٌ منَ السماءِ يُنزلُ عليهم. ولكنْ حينَ نطقَ "أفيخاي" كلمةً واحدةً عنْ النزوحِ، تحولَ الوحيُ الإلهيُّ إلى مجرّدِ كلامٍ فارغٍ، وأصبحَ "أفيخاي" هوَ المرجعَ الأسمى، والنبيَّ الجديدَ الذي تُتلى أقوالُهُ في البيوتِ والمساجدِ والحسينياتِ كأوامرَ عسكريةٍ لا تحتملُ النقاشَ. لقدْ أصبحَ أتباعُ "حزبِ الخراء" أكثرَ انضباطاً معَ منشوراتِ "أدرعي" منْ أيِّ جيشٍ نظاميٍّ معَ أوامرِ قيادتِهِ، وباتوا أشبهَ بقطيعٍ منَ الحميرِ المدجَّنةِ التي لا تسمعُ إلا صوتَ سائقِهَا الإسرائيليِّ، الذي يديرُ دفتها كيفما يشاءُ.

وهنا تبرزُ قمةُ السخريةِ عندما نراهم يهرولونَ إلى مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ ليتأكدوا منْ آخرِ منشوراتِ "أدرعي" قبلَ أنْ يتخذوا أيَّ خطوةٍ، وكأنهم يتلقونَ الوحيَ الإلهيَّ الجديدَ عبرَ حسابه على "تويتر". لمْ يعدْ هناكَ حاجةٌ لـ"السيدِ نصرالله" أو "نعيق قاسم" أو أيِّ أمينٍ عامٍّ سواهما، لأنَّ القيادةَ الفعليةَ أصبحتْ بيدِ المتحدثِ العسكريِّ الإسرائيليِّ، الذي يديرُ هروبَ "المقاومة" كما يديرُ أيَّ ملفٍّ عسكريٍّ. البيئةُ المساندةُ لـ"حزبِ الخراء"، وهيَ نفسُ البيئةِ التي كانتْ ترددُ أنَّها ستهبُّ كالرعدِ حينَ يُطلبُ منها الدفاعُ عنْ لبنانَ ومقاومةِ الاحتلالِ، ها هيَ اليومَ تتحولُ إلى مجموعاتٍ فوضويةٍ تلهثُ وراءَ منشوراتِ العدوِّ، تاركةً وراءَها كلَّ ادعاءاتِها عنِ البطولةِ والتفاني.

في النهاية، لا يسعنا سوى التصفيقُ بحرارةٍ لهذهِ المهزلةِ الفريدةِ منْ نوعِها، التي جعلتْ منْ "أفيخاي أدرعي" أشهرَ وأكثرَ الشخصياتِ تأثيراً في "حزبِ الخراء"، دونَ أنْ يتكبدَ أيَّ عناءٍ في الترشحِ أوِ الكسبِ الشعبيِّ، بلْ فقطْ منْ خلالِ تغريداتٍ يكتبُها بحروفٍ عبريةٍ قليلة. لقدْ نجحَ أفيخاي حيثُ فشلَ جميعُ أمناءِ الحزبِ السابقين، وأصبحَ هوَ القائدَ الفعليَّ الذي لا يُعصى لهُ أمرٌ، والذي يتبعهُ الجميعُ كالخرافِ العمياءِ التي لا تعرفُ إلا صوتَ راعيها الجديدِ القادمِ منْ تل أبيب.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...