Translate

من أين أتى الماء؟ بحث في النصوص المقدسة واللاوعي الإنساني (مقال)

.


.
من أين أتى الماء؟ بحث في النصوص المقدسة واللاوعي الإنساني




قبل أن يكون هناك إله، قبل أن تكون هناك سماء وأرض، قبل أن يكون هناك نور وظلام، كان هناك ماء. هذا ليس شعراً عربياً ولا مقولة فلسفية يونانية، هذا ما تقوله النصوص المقدسة حرفياً، سواء في سفر التكوين اليهودي، أو في القرآن الإسلامي الذي أعاد إنتاج الصورة ذاتها بعبارات مدهشة في تشابهها. الماء، هذا العنصر البسيط الذي نشربه ونتوضأ به ونبكي عليه، يتبين أنه الشخصية الأكثر غموضاً وقوة في كل القصص الخلقية. فهو السابق على كل شيء، وهو الذي يحمل عرش الخالق، وهو الذي ينشق لتنجو منه أمة وتغرق أخرى، وهو الذي يغمر الأرض ليعيد تشكيلها من جديد. ولكن حين نقرأ النصوص بدقة، دون خوف أو تقديس، يتبادر سؤال محرج: إذا كان الماء موجوداً قبل الخلق، فمن خلقه؟ وإذا كان الله هو الخالق، فكيف كان عرشه على شيء لم يخلقه بعد؟ وإذا كان الماء هو الثابت الوحيد في كل هذه القصص، فهل يكون الماء هو الإله الحقيقي، والإله هو مجرد عائم فوقه؟

هذا المقال يحاول تفكيك هذه العقدة السردية، متتبعاً أصول فكرة الماء في المخيال الإنساني القديم، وراصداً كيف انتقلت هذه الفكرة من الأساطير البابلية والكنعانية إلى النص التوراتي، ثم إلى النص القرآني عبر وساطة يهودية ومسيحية، وكيف تطورت قصة شق الماء من حدث تاريخي مزعوم إلى أداة لإضفاء الشرعية على نبوة رجل عربي لم ينتمِ إلى بني إسرائيل، واستعار قصتهم ليقدم نفسه على أنه خاتمهم ومتمم رسالتهم. سنرى أن الماء ليس مجرد عنصر في القصة، بل هو البطل الحقيقي، والإله مجرد ممثل ثانوي يحاول السيطرة على ما هو أقدم منه وأقوى منه. وسنتوقف مطولاً عند سرديات شق نهر الأردن التي تكررت ثلاث مرات في التوراة، لندرك أن هذه الهوس بشق الماء ليس مجرد معجزات عرضية، بل هو نمط متكرر يكشف عن علاقة إشكالية بين الإله وعنصره الأقدم.

قبل أن يكتب اليهود سفر التكوين، وقبل أن يسمع محمد قصة موسى من بحير الراهب أو من التلمود اليهودي، كانت حضارات بلاد الرافدين قد سبقتهم بآلاف السنين في وضع الماء في قلب كونهم. الأسطورة البابلية الخلقية، المسجلة في ملحمة إنوما إيليش، تبدأ بوصف مدهش: عندما لم تكن السماء قد سميت بعد، ولم تكن الأرض قد سميت، كان هناك الماءان الأزليان: الماء العذب الذي يمثله الإله آبسو، والماء المالح الذي تمثله الإلهة تيامات. هذان الإلهان المائيان هما الأصل الأول، ومن جماعهما ولدت الآلهة الأخرى. ولكن الصراع نشب بين الآلهة الصغار وتيامات، حتى جاء الإله مردوخ وقتلها وشق جثتها نصفين، فجعل نصفها سماء ونصفها أرضاً. هنا نكتشف السر: فكرة شق الماء ليست اختراعاً يهودياً ولا إسلامياً، إنها وارثة مباشرة لهذه الأسطورة البابلية، ولكن مع تعديل جوهري. ففي بابل، الآلهة المائية هي الأصل، ومردوخ هو إله لاحق تولى إعادة تنظيم العالم. أما في التوراة، فقد تم حذف آلهة الماء، وأصبح يهوه هو البطل الوحيد، لكن الماء نفسه ظل موجوداً ككتلة بدائية قبل كلمته الأولى. هذا الحذف لم يكن مقصوداً لذاته، بل كان ضرورياً لتأكيد التوحيد، لكنه خلق فجوة منطقية: إذا كان الله وحده موجوداً في البداية، فمن أين جاء هذا الماء الذي يغطي كل شيء؟

في الأساطير الكنعانية، التي عاش اليهود بينها طويلاً، كان الإله بعل هو إله المطر والعواصف، وكان صراعه الأبدي مع الإله يام الذي يمثل البحر يمثل صراع النظام مع الفوضى. هذا الصراع ترك أثره في المزامير وأسفار الأنبياء، حيث يصور يهوه وهو يسحق البحر ويؤدب الوحوش المائية. ولكن الملاحظ أن يهوه لم يقضِ على الماء نهائياً، بل تركه موجوداً كعدو دائم، وكأنه يحتاج إلى هذا العدو ليظهر قوته. وهذا يكشف عن نمط نفسي قديم: الإله البطل يحتاج إلى وحش يهزمه ليبرر وجوده، والماء كان الوحش الأمثل لأنه الأكثر حضوراً وخوفاً في حياة الإنسان القديم. الإنسان القديم كان يعيش على ضفاف الأنهار، يخاف من الفيضانات، يخشى الغرق، ويرى في البحر قوة هائلة لا يمكن السيطرة عليها. حين يأتي نبي ويشق البحر، فإنه يثبت أنه يسيطر على القوة التي يعجز عنها البشر، وبالتالي فهو أقوى من كل الآلهة المزعومة. الماء هنا أصبح ميداناً لمعركة السلطة الإلهية، والنبي هو مجرد ممثل لهذه السلطة.

بقراءة دقيقة لسفر التكوين، نجد أن النص لا يقل بوضوح إن الله خلق الماء من عدم. العبارة العبرية توهو وبوهو التي تترجم عادة إلى خربة وخالية تشير إلى حالة من الفوضى المائية، والكلمة تيهوم التي تعني الغمر أو الهاوية، هي ذاتها مشتقة من الإلهة البابلية تيامات. إذاً، النص التوراتي يحتفظ بذاكرة أسطورية عميقة، رغم محاولاته التوحيدية. الماء في التوراة ليس مجرد عنصر طبيعي، بل هو رمز للشرك والموت والفوضى. الطوفان في قصة نوح ليس عقاباً فقط، بل هو عودة إلى الفوضى الأولى، إعادة ضبط للخلية التي فسدت. حين يغرق الأرض بالماء، فإن يهوه يعيد تشكيل الوجود من جديد، وكأن الماء هو آلة إعادة الضبط الكونية. ثم يأتي الوعد بعدم تكرار الطوفان، وكأن يهوه يقر بهزيمته أمام الماء، فلا يستطيع التحكم به إلا بقدر محدود. قصة شق البحر الأحمر هي ذروة هذا الصراع مع الماء. الماء هنا ليس مجرد عائق، بل هو قوة معادية تحاصر بني إسرائيل وتريد ابتلاعهم، ويهوه يشقه بيد قوية ليصنع طريقاً، ثم يعيده على المصريين فيبتلعهم. هذه المعركة بين يهوه والماء هي معركة وجودية، فبدون الماء العدو، لا يكون يهوه مخلصاً.

ولكن قصة موسى لم تكن الوحيدة في التوراة التي تتحدث عن شق الماء. هناك ثلاث سرديات أخرى تتعلق بنهر الأردن، وكل منها تحمل دلالات خاصة تضيف إلى هذا النمط المتكرر. السردية الأولى تخص يشوع بن نون، خليفة موسى، الذي قاد بني إسرائيل لدخول أرض كنعان. في سفر يشوع، نقرأ أن الكهنة حملوا تابوت العهد، وعندما وضعوا أقدامهم في مياه الأردن، انقطع الماء وانشق، وعبر الشعب على اليابسة. التفاصيل هنا تختلف عن قصة موسى، فالماء لم ينشق بضربة من عصا، بل بمجرد أن لمس الكهنة حاملو التابوت مياه النهر، وقف الماء منبعاً واحداً وتلاشى الجاري الآخر. وهذا يحمل رمزية كبيرة: التابوت، الذي يمثل حضور يهوه نفسه، هو الذي يشق الماء، وليس عصا موسى. كأن يهوه يريد أن يقول إن قوته ليست مرتبطة بشخص نبي، بل هي مرتبطة بوجوده في تابوته، وبالتالي فإن يشوع، رغم أنه ليس بمكانة موسى، يحمل نفس القوة لأنه يحمل نفس الإله. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا كان لا بد من شق الأردن أيضاً؟ ألم يكفِ شق البحر الأحمر قبل أربعين سنة؟ الجواب يكمن في أن جيلاً جديداً من بني إسرائيل قد نشأ، وهو جيل لم يشهد معجزة الخروج، وكان بحاجة إلى معجزة جديدة لإثبات أن يهوه لا يزال معهم، وأن يشوع هو خليفة شرعي لموسى. وهنا نرى كيف يتم استخدام الماء كأداة لتأكيد الشرعية السياسية والدينية، فشق الأردن هو بمثابة تنصيب جديد، أو تكرار للمعجزة الأم لإضفاء الهيبة على القائد الجديد.

السردية الثانية تخص النبي إيليا، ذلك الرجل الغامض الذي ظهر فجأة في تاريخ إسرائيل واختفى فجأة. في سفر الملوك الثاني، نقرأ أن إيليا أخذ عباءته ولفها وضرب بها مياه الأردن، فانشق الماء إلى يمين وشمال، وعبر هو وخليفته أليشع على اليابسة. هنا تتكرر نفس المعجزة، ولكن بآلية مختلفة. إيليا لا يحمل تابوتاً، ولا يستخدم عصا، بل يستخدم عباءته، تلك العباءة التي ستنتقل لاحقاً إلى أليشع كرمز لانتقال السلطة النبوية. وهنا نصل إلى نقطة مهمة: عباءة إيليا ليست مجرد رداء، بل هي أداة سحرية تحمل قوة إلهية، شأنها شأن عصا موسى، ولكنها أكثر تواضعاً وبساطة. وهذا قد يعكس تطوراً في الفكر الديني، حيث تنتقل القوة من أشياء احتفالية ضخمة كالتابوت والعصا إلى أشياء شخصية كالثياب. بعد أن عبر إيليا الأردن مع أليشع، حدثت المعجزة الأعظم: ارتفع إيليا إلى السماء في مركبة من نار وخيل من نار، وترك عباءته لتسقط على أليشع. وهنا يأتي السرد الثالث: أليشع أخذ عباءة إيليا، وضرب بها مياه الأردن، وانشق الماء مرة أخرى، وعبر على اليابسة. ولكن الفرق أن أليشع لم يشق الماء بمجرد الضرب، بل قال: أين رب إيليا؟ ثم ضرب الماء فانشق. هذه الجملة تكشف عن شك مؤقت، أو على الأقل عن حاجة إلى تأكيد أن قوة إيليا قد انتقلت حقاً إلى خليفته.

هذه السرديات الثلاث، بالإضافة إلى قصة موسى، تشكل نمطاً واضحاً: شق الماء هو المعجزة التأسيسية لكل قائد روحي كبير في التوراة. موسى شق البحر ليؤسس أمة، يشوع شق الأردن لدخول الأرض، إيليا شق الأردن ليؤكد مكانته كنبي عظيم، وأليشع شق الأردن ليرث هذه المكانة. ولكن ما هو الهدف من كل هذا التكرار؟ هل الماء عنيد لدرجة أنه يحتاج إلى شق جديد مع كل جيل؟ أم أن البشر هم الذين يحتاجون إلى إعادة تأكيد هذه المعجزة لأنهم ينسونها بسرعة؟ من الواضح أن النص التوراتي يدرك أن المعجزات لا تدوم في الذاكرة، وأن كل جيل يحتاج إلى معجزة خاصة به ليؤمن. ولكن هذا يطرح إشكالية أخرى: إذا كانت المعجزات تتكرر، فهل هي حقاً معجزات؟ المعجزة بحكم تعريفها هي حدث استثنائي يخالف قوانين الطبيعة، ولكن إذا تكررت أربع مرات، فإنها تصبح نمطاً، والنمط ليس استثنائياً بل هو قاعدة جديدة. وكأن التوراة تريد أن تقول إن شق الماء هو من صلاحيات يهوه الدائمة، وليس حدثاً لمرة واحدة، وهذا يجعل منها أقل إدهاشاً وأكثر توقعاً.

أما في القرآن، فنقرأ قصة الخلق مختصرة بشكل مثير: وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء. هذه الآية هي الملخص الأكثر إدهاشاً لفكرة الماء الأزلي. فالعرش الإلهي يطفو على الماء، والماء موجود قبل السماوات والأرض، ولكن القرآن لا يقل من أين جاء هذا الماء، ولا متى خلقه الله، ولا كيف كان هناك ماء قبل وجود مكان يحويه. هذا الغموض ليس مجرد إيجاز بلاغي، بل هو محاولة للتعامل مع إشكالية التوراة دون حلها، إذ أن القرآن يقر بأن الماء كان موجوداً قبل الخلق، لكنه يتجنب السؤال المحرج عن مصدره. أما قصة موسى وشق البحر، فهي من أكثر القصص تكراراً في القرآن، وتذكر في سور الشعراء والقصص والدخان والذاريات وغيرها. ولكن الملاحظ أن القرآن لا يقدم أي تفاصيل مادية عن كيفية انشقاق البحر، ولا يذكر عدد الأسباط، ولا اسم فرعون، ولا مكان الحدث بدقة. هذه التفاصيل كلها موجودة في التلمود والمدراش اليهودي، وقد تم استيرادها إلى التفاسير الإسلامية عبر مصادر يهودية ككعب الأحبار ووهب بن منبه، اللذين كان لهما تأثير هائل على تشكيل السرد الإسلامي لقصة الخروج.

هذا الاستيراد للخرافة اليهودية ليس مجرد إعارة أدبية، بل هو عملية أيديولوجية عميقة. فمحمد، الذي كان يبحث عن شرعية لنبته في بيئة مشركة، احتاج إلى ربط نفسه بالتراث النبوي السابق، وتحديداً بالتراث الإبراهيمي والموسوي. لكن المشكلة أن محمداً لم يكن يهودياً، ولا عربياً من بني إسرائيل، بل كان عربياً قرشياً من مكة، وقصة بني إسرائيل ليست من تراثه القومي. لذلك، كان لا بد من اعتماد قصة شق البحر كعلامة على أنه يتبع نفس التقليد النبوي، وأن معجزته مماثلة لمعجزة موسى، حتى وإن كان البحر الذي شقه محمد هو مجرد استعارة أو حدث غير مؤكد تاريخياً. ولكن إعادة إنتاج القصة لم تكن كافية لإقناع اليهود، لأنهم كانوا يعرفون أن محمداً لم يشق بحراً حقيقياً، ولم يعبر بأتباعه عبر ماء منفلق، بل اقتصر الأمر على سرد القصة وكأنها حدثت لموسى، وليس له شخصياً. هذه السرقة الأدبية لم تمر دون نقد، حتى من بعض المسلمين الأوائل الذين كانوا يتساءلون: لماذا لم يذكر القرآن معجزة شق البحر لمحمد نفسه، بل أصر على نسبتها لموسى؟ وحاول المفسرون اللاحقون تبرير ذلك بأن القرآن لا يهدف إلى تكرار المعجزات، بل إلى تثبيت عقيدة التوحيد، ولكن التبرير ظل ضعيفاً أمام الحقيقة الواضحة: محمد احتاج إلى قصة موسى لأنه لم يكن لديه قصة مماثلة خاصة به.

إذا قرأنا التفاسير الإسلامية مثل تفسير الطبري أو ابن كثير أو القرطبي، نجد أن قصة موسى قد تضخمت بشكل مذهل. فعدد بني إسرائيل الذين عبروا البحر ارتفع من بضع مئات إلى مئات الآلاف أو حتى الملايين حسب بعض الروايات، وتم وصف انشقاق البحر بتفاصيل درامية: اثنا عشر طريقاً لكل سبط، والماء يقف كالجبال، والمصريون يدخلون في طرقهم ثم يغلق عليهم البحر. هذه التفاصيل ليست في القرآن، بل هي مقتبسة من المصادر اليهودية المتأخرة، وتحديداً من التلمود البابلي ومن كتاب الحياة للفيلسوف اليهودي فيلون السكندري. ولكن المفارقة أن المفسرين المسلمين أضافوا خيالات جديدة لم تكن في المصادر اليهودية، مثل أن البحر انشق بأمر الله وليس بضرب موسى، أو أن الماء أصبح كالطين أو الزجاج ليمنع الغرق، أو أن جبريل نزل ليقود موسى عبر البحر. هذا التضخيم المستمر للخرافة هو سمة أساسية في كل الأديان، فكلما انتقلت القصة من جيل إلى جيل، تضاف إليها تفاصيل جديدة لتزيد من دهشة السامع، ولتؤكد أن النبي السابق كان أعظم مما يتصوره الناس.

ولكن السؤال الأكثر إحراجاً يبقى قائماً: لماذا كل هذا الهوس بشق الماء تحديداً؟ الماء هو العنصر الأكثر تناقضاً في المخيال البشري. فهو مصدر الحياة، وبدونه لا تنبت الأرض ولا تزهر ولا تعيش الكائنات. وهو في الوقت نفسه مصدر الموت، حين يفيض فيغرق القرى والحقول، وحين يتحول إلى طوفان لا يستطيع أحد الوقوف أمامه. هذا التناقض جعل الماء محوراً للأساطير والطقوس الدينية منذ فجر التاريخ. في مصر القديمة، كان نهر النيل هو الإله الخفي الذي يمنح الحياة، وفي بابل كانت الآلهة المائية هي الأصل الأزلي، وفي الهند كانت نهر الغانج هو الإلهة الأم. اليهودية والإسلام ورثتا هذا الهوس، لكنهما حولاه من عبادة الماء إلى خوف منه وهيمنة عليه. فبدلاً من أن يسجد الناس للماء، جعلوا إلههم يسجد عرشه على الماء، وكأنه يقول: أنا فوق الماء، أنا أسيطر على الفوضى، لا تخافوا من الماء بل خافوا مني. ولكن هذا التحويل لم يكن مقنعاً بالكامل، لأن الخوف من الماء بقى موجوداً في النصوص كأداة للعقاب، فالله يغرق العالم حين يغضب، ويغرق الجنود، ويجعل البحر مقبرة للأعداء.

لنعد الآن إلى أصل الإشكالية في الإسلام. يقال إن عرش الله كان على الماء، وهذا النص القرآني يثير تساؤلات لا تقل إحراجاً عن سابقه التوراتي. إذا كان الله قديم أزلي، فمن أين جاء الماء الذي يحمل عرشه؟ وإذا كان قد خلقه، فأين كان قبل خلقه؟ وإذا كان الماء هو الذي كان يحمل العرش، فهل كان الماء أقوى من الله لأنه يتحمله؟ هذه الأسئلة ظلت عالقة في الفكر الإسلامي دون إجابة مقنعة، وحاول المتكلمون تفاديها بأن قالوا إن الماء مخلوق ولكنهم لم يحددوا تاريخ خلقه، تاركين غموضاً مقصوداً يسمح للمؤمن بقبول النص دون نقد. ولكن النقاد والمشككين قديماً وحديثاً لم يمرروا هذا الغموض بسهولة. في العصر العباسي، طرح الزنادقة والملحدون أسئلة مماثلة، واتهموا الإسلام بنقل الأساطير القديمة، ورد عليهم المتكلمون بحجج فلسفية معقدة حول حدوث العالم وإمكانية خلقه من عدم. ولكن كل هذه الحجج لم تقدم تفسيراً مقنعاً لمشكلة الماء الأزلي، وظل النص القرآني كما هو: عرش على الماء، وماء قبل كل شيء.

وهنا نصل إلى نقطة حساسة للغاية، وهي علاقة الإسلام باليهودية في استعارته لهذه الخرافة. محمد لم يكن مجرد ناقل أمين للتراث التوراتي، بل كان منقحاً ومحرراً، يعيد صياغة القصص بما يتناسب مع رسالته الجديدة. لكنه في حالة قصة شق البحر، لم يضف أي جديد جوهري، بل اكتفى بإعادة السرد بإيجاز، وترك التفاصيل للمفسرين لاستعارتها من اليهود. وهذا يضعنا أمام مفارقة تاريخية: الإسلام، الذي جاء ليصحح اليهودية والمسيحية، انتهى به المطاف إلى استعارة خرافتهم الأكثر شهرة، بل وتضخيمها بإضافات جديدة. وكأن الرسالة الجديدة لم تكن جديدة بما فيه الكفاية لتستغني عن هذا التراث القديم، مما يطرح سؤالاً حول مدى أصالة هذه الرسالة واستقلاليتها عن الثقافات السابقة.

أما سرديات شق الأردن في التوراة، فتكشف عن نمط آخر من استخدام الماء كأداة سياسية. فكل مرة كان يتم فيها شق الماء، كان الغرض هو إثبات شرعية قائد جديد أو بداية عهد جديد. يشوع شق الأردن ليبدأ عهد دخول الأرض، إيليا شقه ليؤكد أنه النبي الأعظم في عصره، وأليشع شقه ليؤكد أنه وريث إيليا. هذه السرديات الثلاث، إلى جانب سردية موسى، تشكل ما يمكن تسميته بتراث شق الماء، وهو تراث يهدف إلى إظهار أن يهوه يتحكم في العنصر الأكثر فوضوية في الطبيعة، وأن قادته يمتلكون هذه القدرة الخارقة. ولكن إذا كان يهوه يتحكم في الماء، فلماذا يحتاج إلى شقه مراراً وتكراراً؟ ألا يستطيع أن يمنح قادته القدرة على التحكم به مرة واحدة وإلى الأبد؟ الإجابة تكمن في أن الماء ليس مجرد عنصر مادي، بل هو أيضاً رمز للتحدي والاختبار. ففي كل مرة يُشق فيها الماء، يُختبر إيمان الشعب، وتُختبر شرعية القائد، وتُختبر قدرة الإله على التصرف في أي لحظة.

في سفر يشوع، هناك تفاصيل إضافية تلفت الانتباه. حين عبر الكهنة حاملو تابوت العهد الأردن، أمر يشوع اثني عشر رجلاً، واحد من كل سبط، بأن يأخذوا اثني عشر حجراً من وسط النهر حيث وقف الكهنة، وأن ينصبوا هذه الحجارة في مكان المبيت، ليكون ذلك تذكاراً للأجيال القادمة. هذا الطقس التذكاري هو اعتراف ضمني بأن البشر ينسون المعجزات، وأنهم بحاجة إلى علامات ملموسة لتذكرها. ولكن العجيب أن هذه الحجارة نفسها لم تبقَ على مر الزمن، ولم يذكرها أي مؤرخ أو كاتب لاحق، مما يثير الشك حول حدوث الواقعة نفسها. وكأن التذكار المادي قد ضاع، فبقيت القصة فقط في النص المقدس، وكأن النص نفسه صار هو التذكار، وهو ما يحيلنا إلى سؤال حول مصداقية هذه السرديات واعتمادها على الإيمان بدلاً من الأدلة المادية.

في سردية إيليا وأليشع، نجد بعداً آخر للمشكلة. إيليا لم يكتف بشق الماء، بل ارتفع إلى السماء في مركبة نارية، وهذه المعجزة تجعل منه شخصية استثنائية حتى بين الأنبياء. ولكن السؤال الذي يطرحه النقاد: لماذا لم يشق إيليا الماء قبل أن يصعد إلى السماء مباشرة، بل شقه ليعبر الأردن مع أليشع، ثم عاد فشق مرة أخرى بعد الصعود؟ هذا التكرار في نفس السردية يوحي بأن شق الماء كان مجرد طقس انتقال، وكأن الماء هو الحد الفاصل بين عالمين: عالم البشر حيث الماء عائق، وعالم الآلهة حيث الماء يخضع. وعندما عبر إيليا الأردن مع أليشع، كان وكأنه يمر من عالم إلى آخر، ومن عصر إلى عصر، ومن مسؤولية إلى مسؤولية. وهكذا يصبح الماء ليس فقط عدواً يُهزم، بل أيضاً بوابة تُفتح بين الأزمنة والمراحل.

في النهاية، يمكننا أن نخلص إلى نتيجة جريئة ولكنها منطقية: في النصوص المقدسة، سواء التوراتية أو القرآنية، الماء هو العنصر الثابت الذي لا يختفي، وهو السابق على كل شيء، وهو الذي يحمل العرش الإلهي، وهو الذي يبتلع الأعداء، وهو الذي يمنح الحياة ويعاقب بالموت. أما الإله، سواء سمي يهوه أو الله، فهو مجرد قوة تتدخل لتعديل نظام الماء، لشققه تارة وإغراقه تارة أخرى، لكنه لا يستطيع القضاء عليه أو إلغاء وجوده. هذا لا يعني أن الماء إله بالمعنى اللاهوتي، لكنه يعني أن النصوص المقدسة، رغم محاولاتها التوحيدية، احتفظت ببقايا من التفكير الأسطوري القديم الذي جعل الماء هو الأصل الأول. والماء، بما فيه من تناقض، يمثل الطبيعة الأم التي لا تخضع لأي إله، والتي تذكّر البشر بأنهم عاجزون أمامها، مهما ادعت أنبياؤهم أنهم يشقونها ويأمرونها.

الخرافة إذن ليست في مجرد قصة شق الماء، بل في محاولة البشر المستمرة لتوظيف هذه القصة لخدمة أغراضهم السياسية والدينية، سواء كان ذلك لإضفاء الشرعية على نبوة موسى، أو على نبوة محمد، أو لتبرير غضب إلهي بحاجة إلى إغراق الخاطئين، أو لتأكيد خلافة يشوع لإيليا وأليشع. الماء يبقى ماء، ينساب كما يشاء، ولا ينشق ليعبر قوم ويغرق آخرين، إلا في خيال كتبته أيدي بشرية، ثم قدسته عقول خائفة، ثم تناقلته الأجيال كحقيقة مقدسة لا تقبل النقاش. وإذا كانت هناك حقيقة واحدة نستخلصها من كل هذا، فهي أن البشر هم الذين صنعوا آلهتهم على صورة مياههم، وجعلوها تارة رحيمة وتارة قاسية، لكن الماء نفسه لم يطلب منهم يوماً أن يعبدوه أو يخافوه. الماء ببساطة موجود، وهو أقدم من كل النصوص، وأكثر صدقاً من كل القصص. وفي النهاية، ربما كان السؤال الأهم ليس من أين أتى الماء، بل لماذا نحتاج إلى كل هذه الخرافات لنبرر وجودنا أمامه؟ ولماذا يصر البشر على تقديس أنبياء يشقون الماء بدلاً من تقديس الماء نفسه الذي يمنحهم الحياة ويهددهم بالموت في آن واحد؟ الإجابة تكمن في رغبة الإنسان القديمة في الهيمنة على الطبيعة، وفي اختراع آلهة على صورته لتهدئة خوفه من قوى لا يستطيع السيطرة عليها، والماء كان وما يزال أقوى هذه القوى، وأكثرها حضوراً في وجداننا الجمعي.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...