.
.
ياسر عرفات: المتسول، المجرم، الإرهابي
لا يمكن الحديث عن ياسر عرفات دون أن نقر بأنه كان ظاهرة فريدة في تاريخ النضال الفلسطيني، لكنها كانت ظاهرة تجمع بين الأضداد: زعيم ثوري، متسول محترف، فاسد بامتياز، ومجرم صغير كبرت جرائمه مع الوقت. إنه الرجل الذي استطاع أن يقنع العالم بأنه رمز الكفاح، بينما كان يدير منظومة من الفساد والاغتيالات، وحاول مراراً أن يحول الدول العربية إلى ساحات لحساباته الشخصية.
لنبدأ بحقيقة لا يمكن إنكارها: عرفات كان متسولاً على مستوى كوكب الأرض. امتدت يده إلى كل صندوق تبرعات، وكل عاصمة عربية أو غربية، وكل منظمة دولية. كان يقف في المحافل الدولية مرتدياً زيه العسكري الممزق، يبكي مأساة شعبه، وفي جيبه الخلفي حسابات بنكية بمليارات الدولارات. القمة العربية كانت بالنسبة له سوقاً مفتوحاً، يجمع فيها التبرعات من الملوك والرؤساء، بينما كان شعبه يعيش في خيام الفقر والجوع. منظمة التحرير كانت آلة لجمع الأموال، والسلطة الفلسطينية كانت محطة لتوزيع الهبات على المقربين والأتباع، بينما كان الشعب الفلسطيني يصفق له بحماس، وكأنه نبي مرسل لإنجاز المعجزات.
وإذا كان المتسول هو الوجه الأول لعرفات، فإن المجرم كان الوجه الآخر. عرفات لم يكن قائداً سياسياً فحسب، بل كان قائداً لعصابات مسلحة لم تتردد في تصفية خصومها داخل الصف الفلسطيني. منظمة التحرير كانت تخنق أي صوت معارض، وتعتقل وتقتل من يختلف معها، تحت شعار "الوحدة الوطنية". القيادات الفلسطينية التي كانت تنافس عرفات، أو التي كانت تشكك في نزاهته، كانت تدفع الثمن غالياً: الاغتيال أو النفي أو التهميش. ولم تقتصر تصفياته على الفلسطينيين، بل امتدت إلى القادة العرب الذين وقفوا في وجه مشروعه. ففي الأردن، كان عرفات يخطط لقلب النظام الهاشمي وتصفية الملك حسين، وفي لبنان، حاول أن يكون شريكاً في الحرب الأهلية، ثم تحول إلى أحد أسباب دمارها.
أما الوجه الإرهابي لعرفات، فهو الأكثر وضوحاً والأقل إنكاراً. كان عرفات خلف العديد من العمليات الإرهابية التي هزت العالم، من اختطاف الطائرات في الأردن إلى عمليات ميونيخ في ألمانيا، ومن الهجمات على المدنيين الإسرائيليين إلى محاولات اغتيال القادة العرب. لم يكن إرهابياً بالصدفة، بل كان يراه أداة سياسية، وسلاحاً للضغط على الدول العربية والإسرائيلية على حد سواء. ولعل أخطر فصول إرهابه كانت محاولته تحويل الأردن إلى قاعدة عسكرية، وإشعال الحرب الأهلية فيه، ثم الانتقال إلى لبنان ليفعل الأمر نفسه.
في سبتمبر 1970، وبعد سنوات من التوتر، قرر الملك حسين وضع حد للفوضى التي كان يتسبب بها عرفات وفصائله في الأردن . كانت فصائل منظمة التحرير، التي كان يقودها عرفات، قد تحولت إلى "دولة داخل الدولة"، تفرض ضرائبها، وتعتدي على المواطنين، وتخطط لاغتيال الملك والاستيلاء على الحكم . اشتبك الجيش الأردني مع المسلحين الفلسطينيين في معارك دامية، استخدم فيها الجيش الأردني الدبابات والمدفعية الثقيلة ضد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي تحولت إلى ثكنات عسكرية . وخلال أيام، تمكن الجيش الأردني من سحق الفدائيين الذين قُتل منهم حوالي 3,400 شخص، بينما قُتل من الجانب الأردني 537 جندياً . كانت النتيجة الوحيدة لهذه المغامرة أن طُردت منظمة التحرير من الأردن إلى لبنان، بعد أن تحولت المملكة إلى ساحة حرب، ودفع الفلسطينيون والأردنيون معاً ثمن هذه المغامرة الفاشلة .
ولكن عرفات لم يتعلم الدرس. بعد نكسة الأردن، نقل قاعدة منظمة التحرير إلى لبنان، حيث اندمج في الحرب الأهلية اللبنانية التي كانت قد بدأت عام 1975 . أصبحت بيروت الغربية عاصمة لعرفات ولتنظيمه، وبدأت منظمة التحرير تشن هجمات على إسرائيل من جنوب لبنان، مما جعل المنطقة ساحة للانتقام الإسرائيلي. ومرة أخرى، تحول لبنان إلى "دولة داخل دولة"، ومخيمات اللاجئين إلى معاقل عسكرية، والجنوب اللبناني إلى منطقة عازلة يحكمها الفوضى والقتال .
وجاء الرد الإسرائيلي في عام 1982، حينما شنت إسرائيل غزوها الواسع للبنان، وأطلقت عليه اسم "عملية السلام للجليل" . حاصر الجيش الإسرائيلي بيروت الغربية، حيث كان عرفات ومقاتلوه محاصرين، وقصف المدينة لأكثر من شهرين . اضُطر عرفات أخيراً إلى الموافقة على الإخلاء بوساطة أمريكية، وغادر بيروت مع نحو 14,000 مقاتل إلى تونس، بعد أن توزع الباقون على عدة دول عربية . ولكن حتى رحيله لم يمنع المأساة؛ إذ وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا بعد أيام، حيث قتلت ميليشيات لبنانية مسيحية ما بين 3,000 إلى 17,000 لاجئ فلسطيني مدني، تحت أنظار الجيش الإسرائيلي الذي ساعدهم في الدخول .
لكن السخرية القاسية في حياة عرفات أنه كان يجمع الأموال من العرب باسم القضية، بينما كان يدخرها في بنوك سويسرية لحسابه الشخصي . بعد وفاته، كشفت التقارير المالية أن عرفات، الذي كان يعيش في خيمة ويرتدي زياً عسكرياً رثاً، ترك ثروة تقدر بين 1 إلى 6 مليارات دولار . زوجته سهى كانت تتلقى مئة ألف دولار شهرياً من ميزانية السلطة، واستثمرت أموالها في عقارات في تونس وباريس . وحتى ابنته الصغيرة زهوى، التي ولدت عام 1995، ورثت ثروة تجاوزت المليارات . هذه المبالغ لم تكن من جيب عرفات الشخصي، بل كانت من أموال منظمة التحرير، ومن ضرائب الشعب الفلسطيني، ومن تبرعات الدول العربية التي كان يتسولها في كل قمة ومؤتمر .
كانت حياة عرفات عبارة عن مسرحية متكاملة: هو البطل، والشعب هو الجمهور، والعالم هو المسرح. يبكي في التلفزيون، ويغضب في المؤتمرات، ويوقع الاتفاقات التي يخونها في الخفاء. وعندما يحين وقت الحساب، يختفي في قصره المحاصر، ويترك شعبه يواجه مصيره وحيداً. هذا هو ياسر عرفات: المناضل الذي لم يناضل، والفاسد الذي لم يُحاسب، والإرهابي الذي تحول إلى رمز، والمتسول الذي جمع ثروة تفوق خيال الملوك. رحم الله شعبه منه، ومن إرثه الثقيل الذي لا يزال يثقل كاهله حتى اليوم.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire