.
.
الخطاب المهدوي وأزمة المشروعية في إيران المعاصرة
تمثل عقيدة المهدي المنتظر أحد الأعمدة الأساسية للفكر الشيعي الإثني عشري، ولكنها تحولت في العقود الأخيرة، وتحديداً بعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، من مجرد اعتقاد ديني ينتظر المؤمنون تحققه في نهاية الزمان، إلى أداة سياسية فعالة تستخدم لتبرير السلطة وتثبيت الحكم وتعبئة الجماهير وتوجيه السياسة الخارجية. وهذا التحول لم يكن مجرد تطبيق عملي لعقيدة قديمة، بل كان إعادة اختراع لها في سياق سياسي جديد، حيث تم توظيف الغيبة الإلهية للإمام الغائب لتأسيس نظام سياسي متكامل، يقوم على فكرة أن الفقيه هو النائب العام عن المهدي، وبالتالي فإن سلطته مستمدة من الإمام الغائب نفسه، وطاعته طاعة إلهية، ومعارضته معارضة للمهدي المنتظر. وهذه المقولة، التي صاغها روح الله الخميني في نظريته عن ولاية الفقيه، شكلت نقلة نوعية في الفكر السياسي الشيعي، لأنها حولت عقيدة كانت تنتظر الخلاص الغيبي إلى أيديولوجية حكم فعالة، تمنح النظام الديني شرعية مطلقة وتجعل من أي نقد له خروجاً على الدين نفسه. ولكن هذه الآلية، مهما كانت فعالة في ترسيخ السلطة، تحمل في طياتها أزمة مشروعية عميقة، لأنها تربط شرعية النظام بشخص غائب لا يمكن لأحد أن يشهد بوجوده أو يثبت نيابته، وتؤجل حل جميع المشكلات إلى ظهور هذا الشخص، مما يريح النخبة الحاكمة من أي مسؤولية تجاه أوضاع الناس، ويحول دون أي إصلاح سياسي أو اقتصادي جوهري.
تعود جذور أزمة المشروعية في إيران إلى اللحظة التي تأسس فيها النظام الجمهوري على أساس ديني، حيث تم وضع الدستور الإيراني ليجمع بين الجمهورية والولاية الدينية، وجعل من الفقيه الأعلى ولياً للأمر ونائباً عن الإمام الغائب. وهذه الصيغة الهجينة، التي تجمع بين الانتخاب الشعبي والتفويض الإلهي، خلقت توتراً دائماً بين مصدرين للشرعية: الشعب الذي ينتخب، والإله الذي يفوض. وفي حالة تعارض الإرادة الشعبية مع إرادة الفقيه، تكون الغلبة للفقيه بوصفه ممثل الإله، وهذا ما يفسر استمرار النظام في قمع المعارضين وتزوير الانتخابات وتكميم الأفواه، لأنه يعتبر نفسه فوق الشعب وليس خاضعاً له، وأن شرعيته تأتيه من الإمام الغائب وليس من صناديق الاقتراع. وهذه الإشكالية الدستورية هي جوهر أزمة المشروعية في إيران، لأن النظام يطلب من الشعب أن يصدق بأن الفقيه هو نائب المهدي، مع أن المهدي نفسه مجرد اعتقاد لا يمكن إثباته، وأن الفقيه ليس سوى إنسان عادي يخطئ ويصيب، ويسيء التصرف ويظلم، ولا توجد أي ضمانة على أنه يمثل بالفعل إرادة الإمام الغائب، أو أن ما يفعله هو ما كان ليفعله المهدي لو كان حاضراً.
أما على المستوى النفسي والاجتماعي، فإن الخطاب المهدوي يلعب دوراً مزدوجاً في المجتمع الإيراني، فهو من جهة يمنح المؤمنين شعوراً بالأمل والثبات، ويوحدهم حول هدف مقدس، ويجعلهم يتحملون صعوبات الحياة في ظل العقوبات والفقر والقمع، لأنهم يعتقدون أن المهدي سيأتي عاجلاً أم آجلاً ليعيد العدل وينصرهم على أعدائهم. ومن جهة أخرى، يعمل هذا الخطاب على شل الإرادة الجماعية، ويحول دون قيام الشعب بتحمل مسؤولية تغيير أوضاعه بنفسه، لأنه يجعل من التغيير أمراً إلهياً يحدث بمعجزة، وليس نتيجة لنضال سياسي واجتماعي. وهذا الشلل هو ما يفسر استمرار النظام رغم كل أزماته، فالشعب الإيراني، على الرغم من معاناته الاقتصادية والسياسية، يظل منقسمًا بين من يؤمن بالخطاب المهدوي وينتظر الخلاص، ومن يعارضه لكنه لا يملك البديل القادر على توحيده وتنظيمه، مما يخلق حالة من العجز الجماعي تحافظ على استقرار النظام الهش.
وعلى المستوى الإقليمي، استخدمت إيران عقيدة المهدي كغطاء لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط، ودعمت جماعات مسلحة في لبنان وفلسطين وسوريا واليمن والعراق، وقدمت هذا الدعم على أنه تمهيد لظهور المهدي، وأن هذه الجماعات هي جند المهدي التي تعد الطريق لعدله الشامل. وهذه الآلية فعالة للغاية في تجنيد المقاتلين، لأنها تمنحهم شعوراً بأنهم يشاركون في ملحمة كونية، وأن استشهادهم في سبيل المهدي هو أسمى أنواع الشهادة، وأنهم سيكونون في مقدمة جنوده عندما يظهر. ولكن هذه الآلية تحمل في طياتها مخاطر كبيرة، لأنها تخلق حالة من التطرف والعنف باسم الدين، وتبرر القتال بلا حدود أو ضوابط، لأن الهدف هو إلهي وليس سياسياً، وبالتالي فهو يعلو على كل القوانين والأخلاقيات الدولية. وهذا التطرف هو ما يفسر استمرار الصراعات في المنطقة، وعدم قدرة أي طرف على الوصول إلى حلول سياسية، لأن كل طرف يعتبر نفسه ممثلاً للإله، والآخر ممثلاً للشيطان، مما يجعل التسوية مستحيلة، والحوار عقيم، والقتال هو الحل الوحيد.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن الخطاب المهدوي يلعب دوراً خطيراً في تعزيز الفساد وعدم الكفاءة، لأن النظام يستخدم عقيدة المهدي لتبرير فشله الاقتصادي، ويعلن أن الأزمة المالية هي جزء من امتحان إلهي، وأن الحل سيأتي مع ظهور المهدي وليس من خلال الإصلاحات الاقتصادية الجادة. وهذا التبرير يريح المسؤولين من أي محاسبة، لأنهم يعتبرون أنفسهم فوق النقد، وأن أي نقد لسياساتهم هو نقد لخطة الله نفسه. والنتيجة هي استمرار التضخم والبطالة وتدهور العملة وتراجع الخدمات، مع بقاء النخبة الحاكمة في مواقعها، دون أي تغيير أو إصلاح، وكأن الشعب الإيراني محكوم عليه بالانتظار، سواء أراد ذلك أم لا. وهذه الآلية هي ما وصفها بعض المحللين بأنها "ديكتاتورية الانتظار"، حيث يتم إدارة البلاد باسم شخص غائب، ويتم تبرير الفشل باسم الإرادة الإلهية، ويتم قمع المعارضين باسم حماية العقيدة، ولا يوجد أي أفق للتغيير ما دام المهدي لم يظهر بعد.
ومن المفارقات العجيبة في هذا السياق، أن النظام الإيراني يستخدم كل أدوات العلم والتكنولوجيا الحديثة في إدارة الدولة وقمع المعارضين وتوسيع النفوذ، من الأقمار الصناعية إلى الصواريخ الذكية إلى برامج التجسس الإلكترونية، ولكنه في الوقت نفسه يظل متمسكاً بعقيدة المهدي كأساس لشرعيته، وكأن التقدم العلمي لا يتعارض مع الاعتماد على أسطورة غيبية لم تثبت تاريخياً. وهذه المفارقة تعكس الانفصام الذي يعيشه النظام، حيث يمارس السياسة بأدوات العصر، ويبررها بأساطير الماضي، ويطلب من شعبه أن يصدق بالمعجزات، بينما هو نفسه لا يعتمد عليها في إدارة أمنه أو اقتصاده، بل يعتمد على الحسابات العقلانية والمصالح الواقعية. وهذا الانفصام ليس مجرد تناقض نظري، بل هو أزمة حقيقية تهدد استقرار النظام، لأن الشعب الإيراني، وخاصة الأجيال الشابة المتعلمة، لم يعد يصدق بسهولة هذه الأساطير، وأصبح يرى التناقض بين ما يقال وما يحدث، وبين الوعد بالخلاص وواقع القمع والفقر، وهذا الوعي المتزايد هو أخطر ما يواجه النظام، لأنه يهدد أساس شرعيته القائم على الغيبيات.
أما على المستوى الداخلي، فإن أزمة المشروعية تتفاقم كلما تعمقت الأزمات الاقتصادية والسياسية، لأن النظام يفقد القدرة على تقديم حلول عملية، ويظل يكرر نفس الخطاب المهدوي الذي لم يعد مقنعاً لكثير من الإيرانيين، خاصة بعد حركة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد في الأعوام الأخيرة، حيث خرج الملايين إلى الشوارع مطالبين بالتغيير، ولم يعد الخطاب الديني قادراً على احتوائهم أو تهدئتهم. وهذه الاحتجاجات هي دليل واضح على أن عقيدة المهدي لم تعد كافية لتبرير الاستبداد، وأن الشعب يريد حلولاً الآن، وليس وعوداً بمستقبل غامض. وهذا التحول في الوعي الجماعي هو أكبر تحدٍ يواجه النظام الإيراني، لأنه يعني أن الخيارات التي كانت تعمل لسنوات قد استنفدت، وأن النظام مضطر إلى إعادة النظر في أسس شرعيته، أو مواجهة خطر الزوال.
إن أزمة المشروعية في إيران ليست مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هي أزمة بنيوية، لأن النظام قام على أساس ديني، والدين أساسه الإيمان، والإيمان لا يمكن إثباته أو فرضه، وهو يضعف كلما تعمق العلم والعقلانية في المجتمع. وهذا هو المصير الذي ينتظر كل الأنظمة التي تؤسس شرعيتها على الغيبيات، فعاجلاً أم آجلاً يكتشف الناس أن الغيبيات لا تحل المشكلات، وأن الانتظار لا يغير الواقع، وأن الخلاص الحقيقي لا يأتي من شخص غائب، بل من عمل جماعي منظم يبدأ من الناس أنفسهم. وهذا الاكتشاف قد لا يحدث بين عشية وضحاها، ولكنه يحدث تدريجياً، مع تراكم الخبرات والإخفاقات، ومع تقدم التعليم والانفتاح على العالم، ومع ظهور بدائل سياسية وثقافية قادرة على منافسة الخطاب الديني المهيمن.
وفي الموازنة بين ما يروج له النظام الإيراني وما يحدث على الأرض، نجد فجوة هائلة بين الخطاب والواقع، بين الوعد بالعدل وممارسة القمع، بين التطلع إلى التحرر والسيطرة الشاملة، بين الإيمان بالشعب والاستهانة به. وهذه الفجوة هي المصدر الأكبر لأزمة المشروعية، لأنها تجعل كل خطاب النظام غير مصدق، وكل وعوده غير موثوقة، وكل تبريراته غير مقنعة. والشعب الإيراني، بعد أربعة عقود من الثورة، أصبح يدرك هذه الفجوة جيداً، وأصبح يطلب من نظامه أن يثبت شرعيته بالأداء وليس بالإيمان، بالعدل وليس بالوعد، بالشفافية وليس بالأسرار، وبالمشاركة وليس بالوصاية. وهذا التحول في الطلبات هو ما يجعل أزمة المشروعية حادة ومستمرة، لأنه يضع النظام أمام اختبار حقيقي: إما أن يتغير وإما أن يزول.
وليس من المستبعد أن يؤدي استمرار هذه الأزمة إلى تحولات كبيرة في النظام السياسي الإيراني، فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تعتمد على الأساطير لتبرير سلطتها لا تبقى طويلاً في وجه العلم والعقلانية، وأن الخرافات مهما كانت قوية في البداية، فإنها تتهاوى عندما يصبح الناس قادرين على رؤية التناقض بين ما يقال وما يحدث. وهذا ليس تفاؤلاً بلا دليل، بل هو قراءة للتاريخ، حيث انهارت الأنظمة الدينية في أوروبا، وتراجعت سلطة الكنيسة، وتأسست الدول العلمانية، ليس لأن الناس تخلوا عن الدين، بل لأنهم فصلوا بين الدين والدولة، وجعلوا السياسة شأناً دنيوياً يقوم على العقل والمشاركة والشفافية. وقد يكون إيران في طريقها إلى نفس المصير، وإن كان الطريق طويلاً وشاقاً، ويعتمد على وعي الشعب وتنظيمه وقدرته على التغيير.
إذا أردنا الخروج باستنتاج من هذا التحليل، فعلينا أن نعترف بأن الخطاب المهدوي في إيران، على الرغم من نجاحه في ترسيخ النظام لعقود، أصبح اليوم جزءاً من المشكلة وليس الحل، وأصبح عقبة أمام التغيير والإصلاح، وأداة لتعزيز الفساد والقمع وليس لتحقيق العدل. وهذا يعني أن مستقبل إيران سيكون رهناً بقدرة الشعب على تجاوز هذا الخطاب، وبناء نظام سياسي جديد يقوم على أسس دنيوية وعقلانية، حيث تكون الشرعية من الشعب وليس من الغيب، وتكون المسؤولية أمام الناس وليس أمام إمام غائب، وتكون الحلول عملية وليست معجزية. وإن تحقق هذا التحول، فسيكون درساً للعالم أجمع، بأن أساطير الماضي مهما كانت قوية، فإنها لا تستطيع أن تقف أمام إرادة البشر في العيش بحرية وكرامة وعدل.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire