Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (06) شدو الربابة في معرفة الصحابة (مقال)

.




.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(06) شدو الربابة في معرفة الصحابة





إذا أردنا أن ننظر إلى التاريخ الإسلامي بعينٍ ساخرةٍ خاليةٍ من القداسة، فسنكتشفُ أنَّ ما يُروى عن "الصحابةِ الكرام" هو في حقيقتهِ أقربُ إلى سيناريو فيلمٍ عصاباتٍ منخفضِ التكلفة، تدورُ أحداثُه حولَ صراعٍ محمومٍ على كرسيِّ السلطةِ وسرقةِ المالِ واستغلالِ البسطاءِ باسمِ الدين. القصةُ تبدأُ فورَ وفاةِ النبيِّ الذي لمْ يُدفنْ إلا بعدَ ثلاثةِ أيامٍ كاملةٍ، حينَ انتفخَ جسدُه وأنتنَ، لأنَّ أتباعَه انشغلوا بتقسيمِ الغنيمةِ الأكبرِ وهيَ الخلافة، في مشهدٍ كاريكاتيريِّ يُذكّرُ بلحظةِ انشغالِ اللصوصِ بتوزيعِ المسروقاتِ بينما الضحيةُ مازالتْ دافئةً على الأرض. سقيفةُ بني ساعدةَ لمْ تكنْ مجلسَ شورى، بلْ كانتْ سوقاً للمزايداتِ السياسيةِ والوعودِ الكاذبةِ والتهديداتِ المبطنةِ، حيثُ باعَ الحاضرونَ ضمائرهم بأبخسِ الأثمانِ مقابلَ منصبٍ لا يدومُ طويلاً، وكأنَّ الخلافةَ كانتْ جائزةً في لعبةٍ صبيانيةٍ لا تعرفُ إلا الصراخَ واللكمَ تحتَ الحزام.

ولمْ تقتصرِ المهازلُ على مشهدِ السقيفةِ وحدها، بلْ تعدتها إلى كلِّ تفاصيلِ حياةِ هذهِ العصابةِ التي حوّلتِ الدينَ إلى غطاءٍ لممارساتِ الإرهابِ والقتلِ والنهبِ المنظمِ تحتَ مسمّى "الجهادِ في سبيلِ الله". فالغنائمُ كانتْ هيَ البوصلةَ الوحيدةَ التي تتحركُ على إيقاعِها السيوفُ، والسبيُ كانَ تجارةً رابحةً تنتقلُ فيها النساءُ والأطفالُ منْ ملكٍ إلى ملكٍ باسمِ "مِلْكِ اليمين"، وكأنَّ السماءَ قدْ شرّعتْ لهم هذا العبثَ الإنسانيَ في رسالةٍ جلّتْ عنْ هذهِ التفاهاتِ. أما بيتُ مالِ المسلمينَ، فكانَ أشبهَ بصندوقِ نقودٍ في عرينِ اللصوص، يتسابقُ عليهِ الصحابةُ والتابعونَ وكأنهم في سوقِ مزادٍ علنيٍّ، حتى أصبحَ منْ يسرقُ أكثرَ هوَ الأكثرُ قداسةً في نظرِ الجماهيرِ المخدوعةِ التي ظلتْ ترددُ "رضيَ اللهُ عنهم" دونَ أنْ تسألَ نفسَها مرةً واحدةً عنْ جدوى كلِّ هذهِ الدماءِ التي سُفكتْ باسمِ صحابةٍ لا يُعرفُ عنهم سوى أنَّهم كانوا بارعينَ في فنِّ التكالبِ على الدنيا.

والمدهشُ في هذهِ الروايةِ التي لا تُشبهُ الرواياتِ، أنها لمْ تتوقفْ عندَ حدودِ الزمنِ القديمِ، بلْ تسربتْ إلى جيناتِ المسلمِ المعاصرِ وكأنَّها حمضٌ نوويٌّ لا يُمكنُ التخلصُ منه. فكلُّ منْ يقرأُ التاريخَ بتجردٍ يجدُ أنَّ الصراعَ على السلطةِ والمالِ مازالَ يُدارُ بالطرقِ نفسِها، وأنَّ استغلالَ الحمقى كوقودٍ للحروبِ مازالَ هوَ الأسلوبَ الأنجعَ لإشعالِ المعاركِ في كلِّ زاويةٍ منْ زوايا العالمِ الإسلاميِّ. الأسماءُ تغيرتْ، لكنَّ اللعبةَ بقيتْ نفسَها: شيخٌ يلوحُ بيديهِ ويملأُ الدنيا شعاراتٍ، وآخرُ يسرقُ بيتَ المالِ تحتَ غطاءِ "الجهادِ المقدسِ"، ومغفلونَ يهرولونَ وراءَ السرابِ وكأنهم لمْ يقرأوا تاريخاً ولمْ يعرفوا أنَّ آباءهم كانوا يهرولونَ وراءَ نفسِ السرابِ منذُ أربعةَ عشرَ قرناً.

في الختام، إذا كنا سنشدو بالربابةِ في معرفةِ الصحابة، فعلينا أنْ نعترفَ بأنَّ الربابةَ التي نعزفُ عليها هيَ أداةٌ قديمةٌ مهترئةٌ لا تُنتجُ إلا نغماتٍ حزينةً متكررةً، وأنَّ الصحابةَ في كتبِ التاريخِ ليسوا سوى نماذجَ بشريةٍ لا تختلفُ كثيراً عنْ عصاباتِ اليوم، كلُّ همِّها كانَ السلطةَ والتسلطَ والمالَ والنساءَ باسمِ دينٍ بريءٍ منْ هذهِ الشوائبِ. وإنْ بقيَ شيءٌ منَ العبرةِ، فهوَ أنَّ هذهِ العصابةَ التي أسستْ لمشروعِ السطوِ التاريخيِّ لمْ تتركْ لنا إرثاً يذكرُ سوى إدمانِ العنفِ، وتقديسِ السذجِ، وتزويقِ الكذبِ، وكلُّها أمراضٌ مازالتْ تعصفُ بنا حتى اليومَ وكأنَّ الزمنَ لمْ يتقدمْ خطوةً واحدةً منذُ تلكَ السقيفةِ التي جمعتْ رجالاً يظنونَ أنَّ اللهَ ينظرُ إليهم منْ ثقبِ البابِ بينما همْ يصفقونَ على سلطةٍ لا تساوي فلساً واحداً أمامَ تاريخٍ مليءٍ بالخرابِ الذي صنعوه بأيديهم.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...