Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (5) شعوب تحلم بالعسل من مؤخرة المهدي (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(5) شعوب تحلم بالعسل من مؤخرة المهدي




في زمنٍ باتتْ فيهِ الأحلامُ الجماعيةُ أشبهَ بنكاتٍ ثقيلةٍ يفهمُ مغزاها الجميعُ عدا منْ يرددونها، تبرزُ ظاهرةٌ غريبةٌ في العالمينِ العربي والإسلامي، وهيَ الانتظارُ المقدسُ لشخصيةٍ غيبيةٍ اسمها "المهدي المنتظر"، الذي سيأتي ليملأَ الأرضَ قسطاً وعدلاً بعدما مُلئتْ ظلماً وجوراً. لكنْ لوْ تأملنا هذا الانتظارَ بعينٍ ساخرةٍ قليلاً، لوجدنا أنَّ الأمرَ لا يختلفُ عنْ تلكَ الأمثالِ الشعبيةِ الساخرةِ التي ترددها الجداتُ في الحكايا، كمنْ ينتظرُ العسلَ منْ مؤخرةِ النملةِ أو الدبسَ منْ مؤخرةِ النمسِ. الفرقُ الوحيدُ أنَّ الأولادَ يكبرونَ ويفهمونَ أنَّ النملَ لا يُنتجُ عسلاً وأنَّ النمسَ لا يُدرُّ دبساً، بينما يظلُّ بعضُ الكبارِ معلقينَ في سرابِ المهديِّ الذي لمْ يظهرْ منذْ قرونٍ، ولنْ يظهرَ أبداً لأنَّه مجردُ وهمٍ جميلٍ اخترعتهُ العقولُ لتبريرِ الفشلِ الذريعِ في إدارةِ الواقعِ.

المهديُ المنتظرُ في ثقافتنا أشبهُ ببطلِ مسرحيةِ "في انتظارِ غودو" لصامويل بيكيت، حيثُ يجلسُ شخصانِ على حافةِ طريقٍ ينتظرانِ قدومَ غودو الذي لا يأتي أبداً. لكنَّ الفرقَ الوحيدَ بينَ المسرحيةِ الأوروبيةِ العبثيةِ وبينَ واقعنا العبثيِّ أضعافاً هوَ أنَّ شخصياتِ بيكيت كانتْ تنتظرُ بلا هدفٍ ولا رسالةٍ ولا شعارات، بينما نحنُ ننتظرُ مهدياً يحملُ رايةَ الإسلامِ ويعدُنا بالعدلِ، لكنَّه يظلُّ متوارياً في سراديبِ المجاري الغيبيةِ منذُ أكثرَ منْ ألفِ عامٍ، تاركاً إيانا نتخبطُ في الظلمِ والفسادِ والدماءِ باسمِ انتظارهِ المقدسِ الذي تحولَ إلى مشروعِ تدميرٍ للحاضرِ باسمِ مستقبلٍ لنْ يأتي.

المضحكُ المبكي في هذهِ القصةِ هوَ أنَّ الشعوبَ التي تنتظرُ المهديَ هيَ نفسُها الشعوبُ التي ترفضُ أنْ تبنيَ دولةَ مؤسساتٍ أوْ أنْ تطورَ مجتمعاتها أوْ أنْ تجتهدَ في حلِّ مشاكلها الراهنة، مفضلةً أنْ ترميَ كلَّ أملها على كائنٍ خرافيٍّ سيحلُّ كلَّ شيءٍ بكبسةِ زرٍّ غيبيةٍ. وكأنَّ العالمَ سيتوقفُ عنِ الدورانِ حتى يحضرَ هذا المخلوقُ الأسطوريُّ ليوزعَ العدلَ كما يُوزعُ الحلوى في الأفراح. وكلما تعمقَ الفشلُ واشتدَّ الخرابُ، ازدادَ التمسكُ بهذا الوهمِ وكأنَّه شريانُ حياةٍ أخير، بدلاً منْ أنْ يكونَ عبئاً ثقيلاً يمنعُ أيَّ محاولةٍ للنهوضِ الفعليِّ.

الغريبُ في الأمرِ أنَّ الذينَ يستعدونَ للمهديِ يبنونَ لهُ الدولةَ في مخيلتهمْ قبلَ أنْ يبنوها لأبنائهم، ويجهزونَ لهُ الجيوشَ في أحلامهمْ بينما جيوشهمْ الحقيقيةُ تنهارُ أمامَ أولِ اختبارٍ جادٍ. إنهُ مثلُ منْ ينتظرُ أنْ تأتيهُ عربةُ الآيس كريمِ وهيَ تمرُّ منْ أمامِ بيتهِ دونَ أنْ يُخرجَ نقوداً منْ جيبهِ، ثمَّ يلومَ البائعَ لأنه لمْ يتوقفْ عندَ بابِه. وفي النهاية، لا المهديُ يأتي ولا العسلُ يخرجُ منْ مؤخرةِ النملِ، وتبقى الشعوبُ تترنحُ بينَ أملٍ زائفٍ ويأسٍ حقيقيٍّ، دونَ أنْ تدركَ أنَّ الخلاصَ الحقيقيَّ لا يأتي منْ سراديبِ الغيبِ بلْ منْ عقولِ البشرِ وأيديهم التي تزرعُ وتحصدُ وتُصلحُ وتدمرُ بإرادتِها لا بإرادةِ منتظرٍ لا يجيءُ.

إنَّها مسرحيةٌ عبثيةٌ بامتياز، نعيشُ أدوارنا فيها بحماسٍ زائدٍ ووعيٍ ناقص، نموتُ فيها أجيالٌ بعدَ أجيال، ويُخرَّبُ العالمُ بأكملهِ بسببِ تفاهةٍ اسمها "انتظارُ المخلصِ الغيبي"، بينما الحقيقةُ التي لا يقبلُها العقلُ الهشُّ هيَ أنَّ المخلصينَ الحقيقيينَ ليسوا أنبياءً ولا مهديينَ ولا أوصياءَ، بلْ همْ أولئكَ الذينَ يقررونَ أنْ يصنعوا عدلَهم بأيديهم وأنْ يبنوا وطنهم بسواعدهم، بعيداً عنْ خرافةِ "العسلِ منْ مؤخرةِ المهدي" التي لمْ تزدْ شعوبنا إلا إدماناً على الوهمِ وهروباً منَ المواجهةِ الحقيقيةِ معَ ذاتها ومعَ تاريخِها المليءِ بالإحباطاتِ التي ألبستْها عباءةَ الانتظارِ لتبريرِ كسلِها وعجزِها.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...