.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(7) القول الأخير في نهيق الحمير
في عالمٍ يتسارعُ فيهِ الزمنُ وتتطورُ فيهِ التكنولوجيا بوتيرةٍ تجعلُ الإنسانَ يعجزُ عنْ مواكبتها، نجدُ أنَّ بعضَ الممارساتِ تظلُّ عالقةً في دهاليزِ القرونِ الوسطى، مُصرّةً على البقاءِ رغمَ كلِّ الإنجازاتِ التي حققها العقلُ البشري. ومنْ أبرزِ هذهِ الممارساتِ العتيقةِ التي تثيرُ الدهشةَ والسخريةَ معاً، ذلكَ النهيقُ الجماعيُ الذي يخرجُ منْ مآذنِ المساجدِ خمسَ مراتٍ في اليومِ الواحد، ليخترقَ حياةَ الناسِ في منازلهمْ ومتاجرهمْ ومستشفياتهمْ وحتى في أحلامهمْ. إنهُ "الأذان" في نسختهِ الحمقاءِ التي ترفضُ التغييرَ وتحتقرُ التطورَ وتصرُّ على فرضِ نفسها على الجميعِ وكأنَّ الفضاءَ العامَ والخاصَ هوَ ملكيةٌ خاصةٌ لهؤلاءِ الناهقينَ الذينَ لا يكفونَ عنِ التذكيرِ بوجودهمْ عبرَ مكبراتِ الصوتِ التي لا يكتفونَ بواحدٍ منها، بلْ يضعونَ اثنينِ أوْ ثلاثةً أوْ أكثرَ، ويُشغّلونها بأعلى درجةٍ ممكنةٍ كأنهمْ يخوضونَ حرباً صوتيةً ضروساً ضدَّ كلِّ منْ لا يشاركهمْ شغفهمْ بهذا النهيقِ اليوميِّ المملِّ.
المضحكُ في الأمرِ أنَّ هؤلاءِ الذينَ يدّعونَ التمسكَ بالسنةِ والجماعةِ يمارسونَ التكنولوجيا الحديثةِ بكلِّ براعةٍ حينَ تتعلقُ الأمرُ بتضخيمِ أصواتهمْ وإيصالِ نهيقهمْ إلى أبعدِ المدى، بينما يتجاهلونَ كلَّ هذهِ الإمكانياتِ الرقميةِ التي بينَ أيديهمْ لتطويرِ وسائلِ النداءِ إلى الصلاةِ بما يليقُ بعصرِ الذكاءِ الاصطناعيِّ والهواتفِ الذكيةِ. يمكنُ لأيِّ إنسانٍ أنْ يضبطَ منبهاً في هاتفهِ يذكرهُ بمواعيدِ صلاتهِ دونَ أنْ يُزعجَ جيرانَهُ أوْ يُوقظَ أطفالَهُمْ أوْ يُقلقَ مرضاهُمْ، لكنَّ العقليةَ البدويةَ التي تحكمُ هذهِ المؤسسةَ ترفضُ هذا الحلَّ البسيطَ لأنَّ جوهرَ الأمرِ ليسَ النداءَ للصلاةِ بقدرِ ما هوَ إعلانُ السيطرةِ والهيمنةِ على الفضاءِ العامِّ وتذكيرُ الآخرينَ بأنَّ هناكَ "جماعةَ نهيقٍ" تفرضُ إيقاعَ حياتِها على الجميعِ، حتى ولوْ كانَ الثمنُ هوَ إزعاجَ نصفِ المجتمعِ الذي لا يبالي بهذا النداءِ ولا يجدُ فيهِ أيَّ قيمةٍ روحيةٍ أو دنيويةٍ.
يزعمُ هؤلاءِ الناهقونَ أنَّ أصواتَهمْ جميلةٌ وأنَّها تريحُ النفوسَ وتطمئنُ القلوبَ، لكنَّ الحقيقةَ أنَّ أيَّ صوتٍ، مهما كانتْ درجةُ جمالهِ، يتحولُ إلى إزعاجٍ مقيتٍ حينَ يُفرضُ على الناسِ في ساعاتِ الراحةِ وفي أوقاتِ النومِ وفي لحظاتِ التركيزِ والعملِ. وحتى لوْ افترضنا جدلاً أنَّهمْ استبدلوا أصواتَ مؤذنيهمْ بأصواتِ فيروزَ أوْ أمِّ كلثومَ أوْ جورجِ وسوف، فإنَّ المشكلةَ ليستْ في جودةِ الصوتِ بلْ في فلسفةِ الفرضِ ذاتها، التي تتعاملُ معَ الناسِ كأنَّهمْ قطيعٌ منَ البهائمِ يجبُ أنْ يُساقَ بالصوتِ العالي والناهقِ ليعرفَ متى يحينُ وقتُ العلفِ أوِ الرعيِ أوِ السجودِ لأصنامِهمْ الجديدةِ والقديمةِ على السواء.
المنافقونَ في استعمالهمْ للتكنولوجيا لا يكتفونَ بالعددِ الهائلِ منَ المكبراتِ، بلْ يحرصونَ على أنْ يكونَ صوتُ النهيقِ هوَ أولُ ما يسمعهُ الطفلُ الصغيرُ عندَ ولادتِهِ في المستشفى، وآخرُ ما يسمعهُ المريضُ قبلَ أنْ يلفظَ أنفاسَهُ الأخيرةَ في غرفةِ العنايةِ المركزة. إنهُ احتلالٌ صوتيٌّ يوميٌّ للعقولِ والأجسادِ، وكأنَّ السماءَ لنْ تتسعَ لصلواتِهمْ دونَ أنْ يخطفو مسامعَ منْ لا يريدُ لهذا النهيقِ أنْ يصلَ إليهِ. والأغربُ أنَّهمْ يتهمونَ الآخرينَ بالتعصبِ وبالعداءِ للإسلامِ لمجردِ أنَّ هؤلاءِ يطالبونَ بضبطِ شدةِ الصوتِ أوِ الاقتصارِ على نداءٍ واحدٍ في اليومِ بدلاً منْ خمسِ مراتٍ، دونَ أنْ يدركوا أنَّ انتهاكَ حرمةِ الناسِ في منازلهمْ هوَ أصلُ المشكلةِ وليسَ الاعتراضَ على دينٍ أوْ مذهبٍ أوْ هويةٍ.
في الحقيقةِ، وبعيداً عنِ التبريراتِ الدينيةِ والروحيةِ التي تخلو منْ أيِّ منطقٍ أو عقلانيةٍ، فإنَّ الأذانَ بصورتِهِ الحاليةِ هوَ أداةٌ منْ أدواتِ العصاباتِ التي تريدُ أنْ تُذكّرَ الناسَ بوجودِها وبسطِ سيطرتِها على حياتِهمْ اليوميةِ، تماماً كما ترفعُ عصاباتُ الشوارعِ أعلامَها وترسمُ شعاراتِها على الجدرانِ لتقولَ للمارةِ: "هذهِ منطقتُنا ونحنُ منْ يقررُ متى تنامونَ ومتى تستيقظونَ". إنهُ نداءُ النفيرِ لبدايةِ غزوةٍ يوميةٍ جديدةٍ، ليسَ لنهبِ الأموالِ أوِ السلبِ والقتلِ، بلْ لنهبِ حقِّ الناسِ في السلامِ وفي الخصوصيةِ وفي اختيارِ نمطِ حياتِهمْ دونَ وصايةٍ منْ عصابةِ النهيقِ التي تتجرأُ باسمِ السماءِ على انتهاكِ أبسطِ حقوقِ البشرِ على الأرضِ، وتصرُّ على أنَّ صوتَ حمارِها المقدسِ يجبُ أنْ يعلوَ على كلِّ صوتٍ آخرَ، لأنَّ الحمارَ، كما يعتقدونَ، هوَ صاحبُ الحقِّ الأوحدِ في نهيقِهِ المزعجِ الذي لا يحتملُ أيَّ منافسٍ ولا يقبلُ أيَّ نقاشٍ.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire