.
.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(3) سنضرط في القدس قريبا
في زمنٍ يزخرُ بالاختراعاتِ التكنولوجيةِ التي تختزلُ المسافاتِ وتجعلُ منَ الأرضِ قريةً صغيرةً، لا يزالُ بعضُ العربِ والمسلمينَ يعيشونَ في كهوفِ الماضي السحيق، يرددونَ شعاراتٍ خلقتْ قبلَ أربعةَ عشرَ قرناً، وكأنَّ الزمنَ توقفَ عندَ لحظةِ نزولِ الوحيِ أو عندَ معركةِ بدرٍ وأحدٍ. "سنصلي في القدس قريباً"، "القدس عروسُ عروبتنا"، "فلسطينُ قضيتنا المركزية".. هذهِ العباراتُ الرنانةُ التي تملأُ الفضاءَ الإعلاميَّ، لا تعدو أنْ تكونَ سوى فقاعاتٍ صابونيةٍ تتبخرُ بمجردِ أنْ يلمسها منطقُ العصرِ أو حتى أدنى حسِّ واقعيةٍ. إنها شعاراتٌ جوفاءُ، بل سافلةٌ في تضليلِها للعقولِ التي باتتْ ترددُها كالببغاواتِ دونَ أنْ تسألَ نفسَها سؤالاً واحداً: بماذا ينفعني القدسُ في حياتي اليوميةِ التعيسةِ التي تعجُّ بالفقرِ والجهلِ والتخلفِ؟ بماذا يغنيَني حجرٌ في بلادٍ بعيدةٍ عنِّي عنْ وجبةِ طعامٍ أو فرصةِ عملٍ أو حتى كرامةٍ آدميةٍ أساسيةٍ؟
إذا توقفنا لحظةً وتجرأنا على خلعِ نظارةِ العاطفةِ المريضةِ التي يرتدينها منذُ الطفولةِ، سنكتشفُ أنَّ كلَّ هذهِ السردياتِ الكبرى ما هيَ إلا غطاءٌ كثيفٌ منَ الدخانِ يخفي فشلاً ذريعاً في إدارةِ الذاتِ والمجتمعِ. الشخصُ الذي يهتفُ بـ"القدسِ عروسٍ" هوَ نفسُهُ الذي قدْ يعيشُ في عشوائيةٍ بلا ماءٍ ولا كهرباءٍ، وقدْ لا يجدُ دواءً لمرضٍ عضالٍ، وقدْ يدفعُ آخرَ قرشٍ في جيبِه لشراءِ خبزٍ لا يشبعُ. لكنَّه يجدُ في التغني بالقدسِ نوعاً منَ التخديرِ الجماعيِّ، وكأنَّ التفكيرَ بحجرٍ في فلسطينَ سيعوضُ عنْ فشلِه الذريعِ في بناءِ دولةٍ عصريةٍ قادرةٍ على منافسةِ الأممِ لا على استجداءِ عطفِها. العقلُ العربيُّ الذي يلهثُ وراءَ القدسِ وهوَ غارقٌ في القملِ والأوساخِ، هوَ نفسُ العقلِ الذي كانَ يعيشُ قبلَ أربعةَ عشرَ قرناً على هامشِ الحضاراتِ، عاقداً العزمَ على الغزوِ والنهبِ وسلبِ الآخرينَ كحلٍ وحيدٍ للخروجِ منْ عنقِ الزجاجةِ التاريخيةِ الضيقةِ التي خنقتْ إبداعَه وأفكارَه.
والأغربُ منْ ذلكَ كلِّه أنَّ الفلسطينيَّ نفسَهُ، الذي يُفترضُ أنَّه محورُ هذهِ القضيةِ المقدسةِ، لا يجدُ منَ العربِ والمسلمينَ إلا خطباً رنانةً وتصريحاتٍ ناريةً في المؤتمراتِ، بينما يتسكعُ في أزقةِ المخيماتِ بحثاً عنْ لقمةِ عيشٍ أو عنْ دواءٍ لطفلٍ مريضٍ. حتى لو افترضنا جدلاً أنَّ القدسَ قدْ تحررتْ وقامتْ دولةٌ فلسطينيةٌ غداً، فإنَّ هذهِ الدولةَ ستكونُ مجردَ نسخةٍ جديدةٍ منَ الدولِ العربيةِ الفاشلةِ التي تنتجُ إرهاباً وتصدّرُه للعالم، دولةً تعيشُ على المساعداتِ وتتصارعُ فصائلها على السلطةِ، وسرعانَ ما ستطلبُ مني تأشيرةً لأزورَ حجرَ القدسِ الذي كنتُ قدْ هرقتُ دمي منْ أجلهِ. فأيُّ ربحٍ سأجني منْ هذهِ المهزلةِ؟ أيُّ نفعٍ سيعودُ عليَّ منْ صلاةٍ في المسجدِ الأقصى وهيَ نفسُ الصلاةِ التي يمكنني أنْ أؤديها في أيِّ زاويةٍ منْ زوايا الأرضِ، دونَ أنْ تغيرَ منْ حقيقةِ عقمِ عقلي وتخلفِ مجتمعي شيئاً؟
إنَّ الانشغالَ بالقدسِ ليسَ أكثرَ منْ أداةٍ تخديريةٍ ناجحةٍ يستخدمها العقلُ العربيُّ ليُخفيَ عوراتِه، ليُبررَ فشلَه في مواكبةِ العصرِ، ليُضللَ شعوبَهُ عنْ مطالبِها الحقيقيةِ في التعليمِ والصحةِ والكرامةِ. إنها شعاراتُ العاجزينَ الذينَ يبحثونَ عنْ عداوةٍ وهميةٍ ينصبونَ لها أعلاماً، بينما همْ في حقيقةِ أمرِهم لا يستطيعونَ حتى نزعَ القملِ عنْ رؤوسِهم، أو تفليتَ بعضِهم بعضاً دونَ أنْ يطلبوا منَ الآخرينَ أنْ يفعلوا ذلكَ بينما همْ يرتشفونَ الشايَ. حجرُ القدسِ الذي يثيرُ كلَّ هذهِ الضجةِ، لا يختلفُ في قيمتِه الحقيقيةِ عنْ أيِّ حجرٍ عاديٍ تجدُه على قارعةِ الطريقِ، لا يضيفُ لروحي طمأنينةً، ولا يملأُ جوفي خبزاً، ولا يفتحُ أمامي أبوابَ الحضارةِ. إنه مجردُ رمزٍ استهلكتهُ عقولٌ جامدةٌ، تحولَ إلى أداةٍ للتلاعبِ بمشاعرِ الغوغاءِ، وصارَ سبباً مباشراً للخرابِ الذي يلتهمُ أوطانَنا منَ الداخلِ بينما نصرخُ في الخارجِ: اللهُ أكبرُ، القدسُ عروسُنا.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire