.
.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(1) حزب الخراء أكل الخراء
في روايةٍ كانتْ تُباعُ على أنها "ملحمةُ المقاومةِ الأبدية"، كانَ "حزبُ الخراء" يتصدّرُ المشهدَ بلغةِ التحدي وعروضِ الأصابعِ المرفوعةِ نحوَ السماء، كأنّهُ يملكُ مفاتيحَ الغيبِ ونواصيَ القدر. لكنَ القدرَ، كما يبدو، كانَ يخططُ لضربةٍ تكنولوجيةٍ هزليةٍ حملتْ في طيّاتها سخريةً كونيةً لمْ يسبقْ لها مثيل. حينَ انفجرتْ أجهزةُ "البيجر" في جيوبِ أتباعِ الحزبِ وفي أيديهم، لمْ يكنْ المشهدُ مشهدَ معركةٍ ولا انتصارٍ، بل كانَ كوميدياً سوداءَ على مستوىً إقليميٍّ ودوليٍّ، حيثُ تحولَ "أسدُ العرين" إلى مجرّدِ "حسن زميرة" يبحثُ عنْ مجراهُ في مجاري الصرفِ الصحي، هارباً منْ حقيقةٍ أنهُ لمْ يعدْ سوى شخصيةٍ كاريكاتوريةٍ في فيلمٍ فاشلٍ لمْ يُنتجْ سوى الفضيحةِ والعار.
لطالما عاشَ "حزبُ الخراء" في عالمٍ موازٍ منَ السردياتِ الكاذبةِ والعنترياتِ الجوفاء. كانَ يملأُ الفضاءَ بخطاباتٍ ناريةٍ وبوعودٍ زائفةٍ عنْ نصرٍ قادمٍ وإسرائيلَ على وشكِ الانهيار. لكنَ الحقيقةَ كانتْ أكثرَ قسوةً وسخريةً منْ أيِّ خيال. بكبسةِ زرٍّ واحدةٍ، لمْ يقتصرِ الأمرُ على فضحِ هذهِ السردياتِ فحسب، بلْ تجاوزَ ذلكَ إلى نسفِ أجسادِ منْ آمنوا بها. البيجرُ الذي كانَ يُفترضُ أنْ يكونَ رمزاً للتواصلِ الآمنِ والتنظيمِ السري، تحولَ فجأةً إلى أداةِ عقابٍ جماعيٍّ، حيثُ خسرَ بعضُ الأتباعِ أطرافَهُمْ، وفقدَ آخرونَ أعضاءهُمْ التناسليةَ في مشهدٍ سورياليٍّ لا يختلفُ عنْ نكتةٍ ساخرةٍ قالها "أبو دلامة" في زمنٍ بعيد.
لمْ يقتصرْ الأمرُ على الفضائحِ الجسديةِ والصورِ المُذِلةِ التي طافتْ مواقعَ التواصل، بلْ تعداها إلى كشفِ هشاشةِ كيانٍ بكامله. ذلكَ الكيانُ الذي ادّعى طويلاً أنهُ "الدولةُ العميقةُ" في لبنان، والذي صادرَ قرارَ الحربِ والسلمِ باسمِ "المقاومة"، تحولَ بينَ ليلةٍ وضحاها إلى "حزبِ الخراءِ" الذي لمْ يعدْ قادراً حتى على حمايةِ أتباعِه منْ هجومٍ سيبرانيٍّ سخيف، ناهيكَ عنْ مواجهةِ عدوٍّ يملكُ أحدثَ ما توصلتْ إليهِ التكنولوجيا. إنها مفارقةٌ عجيبةٌ أنْ يتحولَ "المقاومُ" إلى ضحيةِ جهازِ اتصالٍ صغيرٍ، وأنْ يُفقدَ مكانتَهُ كـ"محاربٍ" ليصبحَ مجردَ "مشهدٍ هزليٍّ" يتداولهُ الناسُ بسخريةٍ في مجالسِهمْ.
المضحكُ في الأمرِ أنَّ "حزبَ الخراء" ظلَّ لسنواتٍ يمارسُ تكتيكَ "الانتصارِ الوهمي"، حيثُ كانَ يرفعُ أصابعَهُ المقطوعةِ والملطّخةِ بالدماءِ كدليلٍ على التضحيةِ والصمود، ليأتيَ الردُّ الإلهيُّ التكنولوجيُّ على شكلِ أجهزةِ "بيجر" تفجرُ كلَّ ما ادعاهُ منْ قوةٍ. إنهُ درسٌ تاريخيٌّ في التواضعِ، أو في عدمِ المبالغةِ في التقديراتِ العسكريةِ والاعتمادِ على سردياتٍ لا تخضعُ للمنطقِ ولا لمعطياتِ الواقعِ المرير. هلْ كانَ يُمكنُ أنْ يتخيلَ "السيدُ حسن" وهوَ يلوذُ بالفرارِ عبرَ المجاري، أنَّ مشروعَهُ الذي بناهُ على مدى عقودٍ سينتهي بهذهِ الطريقةِ المهزلةِ التي تشبهُ نهاياتَ أفلامِ الكوميديا السوداء؟
وإذا كانَ قدْ تمَّ تعيينُ أمينٍ عامٍ جديدٍ لهذا الحزبِ الذي باتَ أشبهَ بجثةٍ نابضةٍ بالخراب، فإنَّ هذا التعيينَ في حدِّ ذاتهِ هوَ مسرحيةٌ هزليةٌ أخرى، حيثُ يلوحُ في الأفقِ شخصٌ آخرُ سيحاولُ إعادةَ تدويرِ نفسِ الخراءِ تحتَ عناوينَ جديدةٍ مثلَ "الردعِ المفقود" أو "إعادةِ بناءِ الثقة". لكنَّ الحقيقةَ أنَّ ثقةَ العالمِ بهذهِ الجماعةِ قدْ تلاشتْ تماماً بعدَ أنْ أثبتتْ أنها لا تملكُ منَ القدرةِ إلا على استهلاكِ خطابِ المقاومةِ واستهلاكِ أجسادِ أتباعِها في مغامراتٍ لا طائلَ منْ ورائها.
في النهاية، يبقى هذا الحزبُ صورةً طبقَ الأصلِ عنْ روايةِ "الإنسانِ الذي باعَ ظهرَهُ"، لكنَ الفرقَ هنا أنَّ الظهرَ كانَ وطناً بأكملهِ، والثمنَ كانَ خراباً يُضافُ إلى خراب. لقدْ أكلَ "حزبُ الخراء" الخراءَ الذي زرعَهُ، وها هوَ اليومَ يجني ثمارَ كذبهِ أمامَ العالم، بينما اللبنانيونَ يتفرجونَ على هذهِ المهزلةِ وهمْ يمسحونَ دموعَهمْ بينَ ضحكةٍ مريرةٍ وحسرةٍ لا توصف.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire