Translate

ياسر عرفات: المناضل والفاسد الأكبر (مقال)

.


.
ياسر عرفات: المناضل والفاسد الأكبر




لا شك أن ياسر عرفات، أو "أبو عمار" كما أحب أن يناديه أتباعه، كان واحداً من أعظم رموز النضال الفلسطيني في القرن العشرين، بل ربما كان أيقونة التحرر الفلسطيني بامتياز. لكن ما لا يقوله الكثيرون، وما تحاول الأوساط الرسمية التغاضي عنه، هو أن هذا "المناضل الأسطوري" كان أيضاً واحداً من أعظم الفاسدين في تاريخ الحركات التحررية الحديثة. إنها مفارقة تاريخية مذهلة أن يكون الرجل الذي كرس حياته لقضية وطنه، هو نفسه الرجل الذي كرس جزءاً لا يستهان به من تلك الحياة لبناء إمبراطورية مالية شخصية لا تخضع لأي رقابة، ولا تخدم أي هدف وطني.

منذ البداية، كان عرفات يتقن لعبة التناقضات. كان يظهر في وسائل الإعلام مرتدياً زيه العسكري الممزق، وقبعته التي أصبحت علامة تجارية، متحدثاً عن التضحيات والجوع والفقر، بينما كانت صناديق السلطة الفلسطينية تتدفق بالأموال التي كان يتحكم بها شخصياً، كملك مطلق لا يُسأل عن قرش ينفقه أو يدخره. لقد أدار عرفات "منظمة التحرير الفلسطينية" وكأنها شركة عائلية، والسلطة الفلسطينية وكأنها إقطاعية خاصة، حيث لا مجال للمساءلة، ولا مكان للشفافية، ولا وجود لقوانين تنظم الإنفاق. كان كل شيء يمر عبر مكتبه، وكل قرار مالي يحتاج إلى توقيعه، وكل حساب مصرفي كان تحت سيطرته المباشرة.

ما يثير السخرية حقاً، أن عرفات كان يتحدث عن بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، بينما كان يحرص بكل ما أوتي من دهاء على ألا تقوم أي مؤسسة حقيقية قادرة على محاسبته. كانت الوزارات تعمل بإذنه، والأجهزة الأمنية تتحرك بأمره، والأموال تُصرف وفق مزاجه، دون أن يكون هناك أي كيان يستطيع أن يقول له: "توقف، هذا المال ليس ملكك، إنه ملك الشعب الفلسطيني". ولكن من يجرؤ على قول هذا؟ من يستطيع أن يعترض على "الرمز"، على "القائد"، على "الأب الروحي" للثورة الفلسطينية؟

تقدر ثروة عرفات الشخصية وقت وفاته بما يتراوح بين 300 مليون دولار وخمسة مليارات دولار، موزعة بين حسابات سرية في البنوك السويسرية، واستثمارات في العقارات والشركات في أنحاء مختلفة من العالم. هذه ليست أرقاماً صغيرة، ولا يمكن تفسيرها بأي منطق وطني. فمن أين جاءت كل هذه الثروات لرجل كان يعيش في خيمة أو غرفة متواضعة، ويتحدث عن النضال والتضحية والفقر المدقع؟ الإجابة بسيطة ومريعة في آن واحد: جاءت هذه الثروات من أموال القضية الفلسطينية ذاتها، من التبرعات التي كانت تتدفق إلى منظمة التحرير، من المساعدات العربية والدولية، من ضرائب ورسوم السلطة الفلسطينية، كل ذلك كان يمر عبر يد عرفات، وكان يحتفظ بجزء كبير منه لنفسه، دون أن يقدم أي حساب للشعب الفلسطيني أو أي جهة رقابية.

وإذا كان عرفات قد أتقن فن إخفاء الثروات، فإن خلفه في قيادة فتح والسلطة الفلسطينية لم يكونوا أقل منه موهبة في هذا المجال. فبعد رحيله، استمر الفساد، بل وتضاعف، وكأنه أصبح جزءاً من ثقافة المؤسسة السياسية الفلسطينية. محمود عباس، أو "أبو مازن"، الرجل الذي خلف عرفات، لم يكن أفضل حالاً. ورغم محاولاته المتكررة لتقديم نفسه كرجل دولة جاد ورصين، فإن الاتهامات بالفساد تلاحقه أيضاً، وتلاحق دائرته المقربة. فالفساد ليس مجرد تصرفات فردية هنا، بل هو نظام كامل، شبكة من العلاقات والمصالح التي تتحكم في مقدرات الشعب الفلسطيني، بينما تظل القضية الوطنية مجرد شعارات ترفع في المؤتمرات والمناسبات.

ما يزيد الطين بلة، أن هذا الفساد لم يعد مقتصراً على الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية، بل امتد ليشمل قطاع غزة أيضاً، حيث تسيطر حركة حماس. فحركة حماس، التي جاءت بشعارات إصلاحية ونزاهة ومقاومة للفساد، سرعان ما تحولت إلى نسخة أخرى من نفس النظام، بل ربما أكثر فساداً في بعض المجالات. إسماعيل هنية وخالد مشعل، قادة حماس، أصبحوا أثرياء بمستوى لا يقل عن أسلافهم في فتح، يستثمرون أموالهم في قطر وتركيا وإيران، بينما قطاع غزة يعيش تحت الحصار، والبطالة تفتك بالشباب، والفقر يلتهم كل شيء. هل هذه هي ثمار المقاومة؟ هل هذا هو العدل الذي كانت حماس تدعو إليه؟ هل هذه هي الشفافية التي وعدت بها؟

الملاحظة الساخرة هنا، بل والمفجعة، أن كلا الطرفين، فتح وحماس، يتهمان الآخر بالفساد، بينما كلاهما يمارس نفس اللعبة القذرة. هذه معركة قذرة بين فاسدين، كل منهما يريد أن يثبت أنه "أقل فساداً" من الآخر، لكن النتيجة واحدة: الشعب الفلسطيني هو الخاسر الأكبر. وفي هذا الصراع، يتحول النضال الوطني إلى مجرد غطاء لتبرير الاحتكار السياسي والمالي، وتتحول القضية الفلسطينية إلى أداة لجمع التبرعات، وكسب العواطف، وابتزاز الدعم العربي والدولي، دون أي التزام حقيقي بتحقيق الأهداف الوطنية.

الفساد في صفوف القيادة الفلسطينية له تكاليف باهظة على المستوى الوطني. عندما يكون القائد مشغولاً بتكديس الثروات، يصبح غير قادر على التركيز على بناء دولة حقيقية. عندما يتحول المال العام إلى مزارع خاصة للقيادة، يصبح من المستحيل تمويل مشاريع تنموية، أو بناء جيش وطني، أو إقامة نظام تعليمي وصحي قوي. والمشكلة الأكبر هي تآكل الثقة الشعبية. الفلسطينيون أنفسهم فقدوا الثقة بقيادتهم، وهذا هو الخطر الأكبر على مستقبل القضية. فكيف يمكن لشعب أن يثق بقادة يرى ثراءهم الفاحش بينما يعيش هو في فقر مدقع؟

الأدهى من ذلك، أن العالم العربي والمجتمع الدولي يظلان يمنحان هذه القيادة شرعية سياسية، وكأن الفساد ليس له أي تأثير على قدرتها على تمثيل الشعب الفلسطيني. تتدفق المليارات من المساعدات، وتُعقد المؤتمرات، وتُصدر القرارات، وكل شيء يظل على حاله. القيادة الفلسطينية تتحدث عن حق العودة، بينما تستثمر الأموال في عقارات خارج البلاد. تتحدث عن القدس، بينما تعيش في فنادق الدوحة والقاهرة. تتحدث عن المقاومة، بينما أبناؤها يستمتعون بالحياة في أوروبا وأمريكا. هذه هي معادلة النضال الفلسطيني الحديث: خطاب ثوري، وممارسة رأسمالية، وفشل وطني، وثراء شخصي فاحش.

ولعل أطرف ما في الأمر، أن كل هذا الفساد يتم باسم "القضية الفلسطينية"، التي أصبحت أشبه بشركة مساهمة عامة، يديرها مجلس إدارة من رجال الأعمال السياسيين، ويوزع أرباحها على نفسه، بينما يكتفي المساهمون (الشعب الفلسطيني) بوعود وهمية، وبروباغاندا إعلامية، وخطب نارية تلفظ في المناسبات. إنها مهزلة تاريخية، حيث يحول الفاسدون أنفسهم إلى شهداء، ويتحولون من متهمين إلى متهمين، ومن لصوص إلى رموز وطنية.

لا يمكن إنكار أن عرفات كان نضالياً، ولا يمكن إنكار أنه قاد معركة سياسية ودبلوماسية وعسكرية استمرت عقوداً، ولا يمكن إنكار أنه أعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية على الخريطة الدولية. ولكن هذا لا يعني أن نغمض أعيننا عن الجانب المظلم من شخصيته، ولا يعني أن نتجاهل الثروات التي جمعها على حساب شعبه. "المناضل الأسطوري" و"الفاسد الأكبر" ليسا شخصين مختلفين، بل هما وجهان لعملة واحدة. عرفات كان يجيد كلا الدورين، وكان يستخدم أحدهما لتبرير الآخر. وربما كان يعتقد حقاً أن ثرواته هي "مكافأة" طبيعية لنضاله، أو أن ما فعله هو مجرد جزء من "إدارة القضية" كما يجب أن تكون.

لكن الحقيقة التي لا مفر منها، أن إرث عرفات السياسي مشوه بسبب الفساد، وأن محاولات تقديسه بعد وفاته تصطدم بحقائق مالية لا يمكن دحضها. وإذا كانت هناك أي عدالة تاريخية، فإنها تقتضي أن يُنظر إلى عرفات بعين ناقدة، لا بعين التبجيل الأعمى. لقد كان مقاتلاً شرساً، لكنه كان أيضاً تاجراً ماهراً للقضية الفلسطينية، يستثمر في الألم، ويتاجر بالدماء، ويبيع الأحلام.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً، والأكثر سخافة في آن واحد: هل كانت القضية الفلسطينية بحاجة إلى ياسر عرفات، أم أن ياسر عرفات كان بحاجة إلى القضية الفلسطينية؟ الإجابة، برأيي، أنهما احتاجا إلى بعضهما البعض، لكن ثمن هذه الحاجة كان باهظاً جداً. ثمنه هو ضياع فرص لا تعوض لبناء دولة حقيقية، وتدمير الأمل بجيل كامل، وتحويل النضال الفلسطيني من مشروع تحرر وطني إلى مادة دسمة للمهزلة السياسية العالمية. رحم الله عرفات، ولكن ليرحم أيضاً الشعب الفلسطيني من إرثه المزدوج: بطولة النضال وسرقة المال العام، في آن واحد.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...