.
.
يسوع ابن من؟ تفكيك نسب المسيح بين النصوص والواقع
من بين كلّ الثرثرة الإنجيلية التي تملأ الأناجيل الأربعة، والتي تتناقض في تفاصيلها وتتضارب في رواياتها، تبرز مسألة نسب يسوع كواحدة من أكثر الإشكاليات تعقيداً، بل ربما تكون العقدة التي تحلّ كل العقد الأخرى، لأنها تمسّ صلب العقيدة المسيحية في هوية المسيح كملك مسيّاني من نسل داود. فالمسيحية تزعم أن يسوع هو المسيح المنتظر، وهذا المسيح بحسب التناخ اليهودي لا بدّ أن يكون من نسل داود الملك، من سبط يهوذا، من بيت لحم تحديداً. لذا كان من الضروري على كتّاب الأناجيل، وهم يكتبون بعد عقود من موت يسوع، أن يقدموا نسباً يثبت هذا الانتساب، ولكنهم وقعوا في متاهة من الأخطاء والتناقضات التي تجعل هذه الشجرة ساقطة من جذورها، ليس فقط من الناحية التاريخية، بل من الناحية المنطقية ذاتها.
إذا قرأنا إنجيل متى، نجد نسباً يبدأ من إبراهيم ويمر بداود وسليمان وصولاً إلى يوسف، زوج مريم. وإذا قرأنا إنجيل لوقا، نجد نسباً آخر يبدأ من يسوع نفسه ويعود إلى آدم، لكنه يختلف تماماً عن نسب متى في معظم الأسماء، بل يختلف حتى في من يسميه أباً ليوسف. ففي متى، يوسف ابن يعقوب، وفي لوقا، يوسف ابن هيلي. هذا ليس اختلافاً بسيطاً يمكن تداركه، بل هو اختلاف جوهري في الهوية الأبوية، فإما أن يكون والد يوسف هو يعقوب أو هو هيلي، ولا يمكن أن يكون كلاهما معاً. حاول المفسّرون القدماء تبرير ذلك بأن أحدهما هو النسب البيولوجي والآخر هو النسب القانوني، أو أن أحدهما يخص يوسف والآخر يخص مريم، أو أن أحدهما نسب سليمان والآخر نسب ناثان أخيه، وهذه كلها محاولات يائسة لإصلاح خطأ وقع فيه كتّاب الأناجيل، لأنهم لم يتفقوا على المصدر الذي نقلوا عنه، أو لأنهم كانوا يكتبون من الذاكرة أو من مصادر شفهية مختلفة، وكلّ منهم أدخل ما يراه مناسباً لسياقه اللاهوتي، دون أن يدرك أن التناقض سيكون واضحاً لكل قارئ منتبه.
ولكن الإشكالية الأكبر ليست في التناقض بين النسبين فقط، بل في أن النسبين معاً، حتى لو اتفقا، لا يقدمان حلاً للمشكلة الأساسية، وهي أن يسوع ليس ابناً بيولوجياً ليوسف، بل هو ابن مريم العذراء التي حملت به بطريقة خارقة للطبيعة، بدون تدخّل بشري. هذا هو الاعتراف الصريح في إنجيل متى ولوقا: "قبل أن يجتمعا وُجدت حبلى من الروح القدس". يعني أن يوسف لم يعرف مريم، لا بالمعنى الجنسي ولا حتى بالمعنى الزوجي الرسمي، قبل أن يتبيّن حملها. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يكون يسوع من نسل داود عن طريق يوسف، وهو ليس ابناً له؟ لا يوجد أي منطق بشري أو إلهي يجعل نسب الزوج ينطبق على ابن الزوجة غير الشرعي بيولوجياً، حتى وإن تبنّاه الزوج بعد ذلك، لأن التبني في الثقافة اليهودية لا ينقل النسب القبلي، والنسب كان يُنقل حصراً عن طريق الأب البيولوجي، وليس عن طريق الأم أو الزوج المتبنّي.
وحتى لو قَبِلنا جدلاً بأن التبني كان ينقل النسب، فإن هذا لا ينطبق على يسوع لأن يوسف لم يتبنّه رسمياً في أي نص، بل إن الأناجيل تتحدث عن يوسف كزوج مريم فقط، وليس كأب ليسوع، ويسوع نفسه في الأناجيل لا يدعو يوسف أباً، بل يدعو الله أباً، وهذا يقطع أي صلة بين يسوع ويوسف، وبالتالي بين يسوع وداود. وإذا أردنا أن نبحث عن نسب يسوع من جهة أمه مريم، فليس لدينا أي نسب لها في الأناجيل، فهي تظهر كامرأة بسيطة من الناصرة، ولا يوجد أي دليل على أنها من سبط يهوذا، بل بعض الروايات اليهودية تشير إلى أنها من سبط لاوي، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمكن أن تكون من نسل داود الذي هو من سبط يهوذا.
الأمر المضحك حقاً أن الأناجيل نفسها تعترف بالمشكلة، وتحاول حلها بطرق مختلفة، فمرة تجعل نسب يسوع من سليمان بن داود عبر يوسف، ومرة تجعله من ناثان بن داود، وكأنها تريد تغطية كل الاحتمالات، لكنها في الحقيقة تزيد الطين بلة، لأنها تثبت أن كتبة الأناجيل كانوا يعلمون أن يسوع ليس ابناً ليوسف، ولذلك حاولوا تزوير نسبه عبر يوسف، لكن التزوير كان فاضحاً ومكشوفاً لأي يهودي يعرف أن النسب ينتقل عن طريق الأب البيولوجي فقط. ولهذا السبب، رفض اليهود يسوع كمسيح، ليس فقط لأنه لم يحقق النبوءات السياسية عن ملك يحرر إسرائيل، بل لأنه لم يستطع إثبات نسبه لداود بأي طريقة علمية أو تاريخية، بينما كانوا هم يحتفظون بسجلات أنساب دقيقة في هيكلهم، وقد دُمّرت هذه السجلات مع دمار الهيكل سنة سبعين ميلادية، مما جعل ادعاء النسب بعد ذلك أمراً لا يمكن التحقق منه، وهو ما فتح الباب أمام المسيحيين لاختلاق أنساب لا يمكن لأحد أن يدحضها، ولكنها لا تصمد أمام المنطق والعقل.
وإذا انتقلنا إلى سؤال الزنى، الذي يطرحه النقاد والمشككون، نجد أن الأناجيل لا تقدم تفسيراً مقنعاً لكيفية حمل مريم دون زوج، والقول بأن الروح القدس نفخ فيها هو قول غيبي لا يمكن إثباته، بل هو هروب من الواقع البيولوجي إلى الخيال اللاهوتي. وما يزيد الأمر تعقيداً أن الحمل العذري ليس فكرة مسيحية اخترعوها، بل هي فكرة مستعارة من الأساطير الوثنية القديمة، حيث كانت الآلهة تحبل بالنساء البشرية وتلد أنصاف آلهة، مثل قصة زيوس وداناي التي أنجبت بيرسيوس، أو قصة زيوس وألكمينا التي أنجبت هرقل، فالمسيحيون استعاروا الفكرة وطبقوها على يسوع ليضفوا عليه قداسة خارقة، ولكنهم نسوا أن هذه الفكرة تتعارض مع النسب اليهودي الصارم، الذي لا يعترف إلا بالأبوة البيولوجية، ولا يعترف بالأبوة الروحية أو الخارقة كأساس للنسب القبلي.
وإذا افترضنا، جدلاً، أن مريم حملت من الله نفسه، كما تقول بعض الروايات، فما هو نسب يسوع؟ هل هو ابن داود من جهة الله؟ هذا كلام لا معنى له، لأن الله ليس له نسب، ولا يمكن أن ينتسب إلى داود، لأن داود مخلوق والله خالق، ولا يمكن للخالق أن يكون ابناً لمخلوق. وإذا كان يسوع إلهاً، فكيف يكون ابناً لداود؟ وإذا كان إنساناً، فكيف يحمل من الروح القدس دون أب بشري؟ هذا هو التناقض اللاهوتي الأكبر الذي تعاني منه المسيحية، والذي جعلها تنقسم إلى مذاهب تحاول تفسير طبيعة يسوع بين إله كامل وإنسان كامل، وكلها محاولات لتغطية عورة النسب التي لا يمكن ترميمها.
في إنجيل متى، نجد محاولة فجة لحل المشكلة، حيث يكتب: "ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يُدعى المسيح". هذه العبارة تحاول أن تلفّ وتدور، فهي لا تقول إن يوسف ولد يسوع، بل تقول إن مريم ولدت يسوع، ويوسف مجرد زوج مريم. ولكن النسب الذي يسوقه متى هو نسب يوسف، وليس نسب مريم، فلماذا يسوق نسب يوسف ثم يقول إن مريم ولدت يسوع؟ هذا يؤدي إلى نتيجة واحدة: يسوع ليس من نسل يوسف، وبالتالي ليس من نسل داود عن طريق يوسف، وهذا هو الاعتراف الضمني الذي حاول متى إخفاءه بصياغة ملتوية، لكن القارئ العادي يكتشف الخدعة بسهولة، فكيف باليهودي الذي يعرف أن النسب لا يُعطى إلا للأب البيولوجي؟
أما إنجيل لوقا، فيقدم نسباً مختلفاً تماماً، ويبدأ من يسوع ثم يرجع إلى الوراء، وهذا الأسلوب نفسه مشبوه، لأنه يجعل القارئ يظن أن النسب هو ليسوع مباشرة، لكن لوقا يعترف بأن يسوع كان يظن أنه ابن يوسف، أي أن النسب الذي يقدمه هو أيضاً نسب يوسف، وليس نسباً فعلياً ليسوع. وهذا يثبت أن كلا الكاتبين كانا يعرفان أن يسوع ليس ابناً بيولوجياً ليوسف، ومع ذلك أصرّا على تقديم نسب يوسف كأنه نسب يسوع، وهذا يدل على أن مشكلة النسب كانت معروفة لديهما، وأنهما حاولا تزييفها، لكن تزييفهما كان فاضحاً.
وإذا ذهبنا إلى الرسائل البولسية، نجد بولس لا يهتم بنسب يسوع إطلاقاً، بل يركز على موته وقيامته، ويقول في رسالة رومية إن يسوع "مُعيَّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة، بالقيامة من الأموات"، ويقول في موضع آخر إنه "من نسل داود من جهة الجسد"، لكنه لا يقدم أي نسب، بل يكتفي بالتأكيد، وهذا التأكيد لا قيمة له بدون سلسلة نسب موثقة، خاصة أنه يكتب بعد عقود من موت يسوع، ولا يمكنه الاعتماد على أي وثيقة تاريخية تثبت ذلك، لأن أوراق النسب كانت محفوظة في الهيكل الذي دُمّر لاحقاً، فلم يبقَ أي سجل يمكن الرجوع إليه.
والأكثر من ذلك، أن العهد القديم نفسه يذكر أن الله قطع عهداً مع داود بأن يكون له نسل على كرسيه إلى الأبد، وأن المسيح سيكون من صلبه، ولكن هذا النسل كان يُفهَم على أنه نسل بيولوجي من الذكور، وليس نسلًا روحياً أو بالتبنّي. ولما كان يسوع بلا أب، فإنه لا يمكن أن يكون هذا النسل، لأن النسل الذكوري ينقطع في حالة الحمل العذري، فلا يمكن لأي إله أن يجعله من نسل داود دون أن يكون له أب من نسل داود، لأن النسب عند اليهود يُورث عبر الأب، وليس عبر الأم، وهذا هو القانون الثابت في التوراة، وقد أكده العزرا في العودة من السبي حين طلب من الرجال التخلّي عن زوجاتهم الأجنبيات للحفاظ على نقاء النسب.
محاولات بعض المفسرين المسيحيين المعاصرين القول بأن النسب ينتقل عن طريق مريم لأنها من نسل داود هي محاولات غير مدعومة بأي نص، لأن الأناجيل لا تقدم نسباً لمريم، بل تقدم نسباً ليوسف، والنسب الذي يقدمونه ليوسف هو في الواقع نسب لا يمكن أن يكون ليوسف نفسه، لأن الاختلاف بين متى ولوقا كبير جداً، وإذا كان يوسف ابن يعقوب في متى وابن هيلي في لوقا، فهذا يعني أن أحدهما مخطئ حتماً، أو أن كليهما مخطئ لأنه لا يمكن أن يكون ليوسف أبوان مختلفان. وإذا سقط نسب يوسف، سقط ادعاء يسوع بالنسب الداودي بالكامل، وبالتالي سقطت دعواه كمسيح، لأنه بحسب العهد القديم، المسيح لا بد أن يكون ابن داود، وإن لم يكن، فهو نبي كذاب أو مدّعٍ كاذب.
هذه هي حقيقة قصة يسوع التي تختفي خلف الثرثرة الإنجيلية الطويلة. كل تلك الأسماء التي يسوقونها في الأنساب، كل تلك الأرقام الأربعة عشر التي يحاولون إقناعنا بها، كل تلك المحاولات لتوصيل يسوع إلى بيت لحم عبر يوسف، كلها ليست سوى ستار يخفي حقيقة واحدة: يسوع كان ابن مريم فقط، ولم يعرف أبوه، والناس عرفوه باسم ابن مريم، وليس ابن داود. وحتى لو افترضنا أنه من نسل داود من جهة مريم، فهذا لا ينفعه لأن النسب لا ينتقل عبر الأم، واليهود لم يعترفوا قط بنسب الأم في مسألة النبوة والملوكية. لذلك ظل اليهود يرفضون يسوع، لأنهم كانوا يدركون أن ادعاءه بالمسيانية قائم على نسب لا وجود له، وهو نسب وهمي اخترعه كتّاب الأناجيل بعد موته بأجيال، ولم يتمكنوا حتى من الاتفاق عليه، بل اختلفوا فيما بينهم، وهذا الاختلاف هو الدليل الأكبر على التلفيق والخرافة.
في النهاية، يسوع الذي تقدّمه المسيحية ليس له أي علاقة ببيت داود، ولا بأرض إسرائيل، ولا بعهود الله مع إسرائيل. هو ابن مريم المجهول الأب، الذي حاول أتباعه بعد موته أن يجدوا له مكانة في التاريخ اليهودي، فصنعوا له نسباً من مخيلاتهم، ثم تناقضوا في صنعته، ففضحهم اختلافهم، وبقيت القصة معلقة بين يد ضعيفة لا تنقل النسب، وأب غائب لا يحمل اسماً، وإله متناقض لا يعرف من هو، وهذه هي الحقيقة التي لا يجرؤ أحد على قولها وسط ضجيج النشيد والتبجيل.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire