.
الخميني: العقل المتحجُر المريض وحماقة فتوى التفخيذ
.
تعدّ المسائل الفقهية المتعلقة بالأسرة والأحوال الشخصية وحقوق الأطفال من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، حيث تقف هذه القضايا عند خط التماس المباشر بين الموروث النصي والتطبيقات الفقهية التراثية من جهة، وبين المعايير الأخلاقية والقانونية الحديثة التي تشكلت حول مفهوم حقوق الإنسان وحماية الطفولة من جهة أخرى. ويحضر كتاب "تحرير الوسيلة" للمدعو روح الله الخميني، وتحديداً المسألة الثانية عشرة من باب النكاح، كنموذج يبرز التباين الحاد بين الأحكام الفقهية التقليدية وبين منظومة الحقوق الحديثة، حيث يُمنح النص الفقهي في هذا السياق مساحة لإثارة تساؤلات عميقة حول حدود ما يسمّونه إجتهادا ومدى صلاحية المقاربات الفرضية القديمة لمواجهة متطلبات العالم المعاصر.
يقول النصّ: "مسألة ۱۲ - لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواماً كان النكاح أو منقطعاً، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة، ولو وطأها قبل التسع ولم يفضها لم يترتب عليه شيء غير الإثم على الأقوى، وإن أفضاها بأن جعل مسلكي البول والحيض واحداً أو مسلكي الحيض والغائط واحداً حرم عليه وطؤها أبداً لكن على الأحوط في الصورة الثانية، وعلى أي حال لم تخرج عن زوجيته على الأقوى، فيجري عليها أحكامها من التوارث وحرمة الخامسة وحرمة أختها معها وغيرها، ويجب عليه نفقتها ما دامت حية وإن طلقها بل وإن تزوجت بعد الطلاق على الأحوط، بل لا يخلو من قوة، ويجب عليه دية الإفضاء، وهي دية النفس، فإذا كانت حرة فلها نصف دية الرجل مضافاً إلى المهر الذي استحقته بالعقد والدخول، ولو دخل بزوجه بعد إكمال التسع فأفضاها لم تحرم عليه ولم تثبت الدية، ولكن الأحوط الإنفاق عليها ما دامت حية وإن كان الأقوى عدم الوجوب."
يقوم النص المذكور في كتاب "تحرير الوسيلة" على التفريق بين الأحكام المتعلقة بالوطء والاستمتاع، محظراً الأول قبل سن التاسعة ومجيزاً الممارسات الأخرى تحت مسمى الاستمتاع، حتى وإن كانت المباشرة موجهة نحو الرضيعة. ويمثل هذا التكييف الفقهي صدمة حقيقية للمنظومات الأخلاقية والحقوقية المعاصرة، التي ترى في أي فعل ذي طبيعة جنسية موجه نحو قاصر أو طفل لا يملك الإرادة أو الأهلية العقلية والجسدية انتهاكاً صارخاً وفعلاً يقع تحت طائلة الاعتداء والاستغلال الجنسي. وتكمن المشكلة الرئيسية في أن التشريعات التراثية كانت قد تشكلت في سياقات تاريخية واجتماعية مختلفة تماماً ومتخلّفة أيضا، تعتمد التحليل الفرضي الصرف وتتعامل مع الجسد البشري والعلاقات الأسرية من منظور عقدي وشكلي، دون اعتبار حقيقي للتأثيرات النفسية والجسدية طويلة المدى التي قد تلحق بالضحايا.
إن الصدمة التي يحدثها هذا النص والنصوص الشبيهة في المذاهب الأخرى لا تقف عند حدود الاستنكار الأخلاقي، بل تتعداها إلى تفكيك المنهجية الفكرية التي تنتج مثل هذه الأحكام وتستمر في الدفاع عنها. فالاعتماد على الفتاوى الفرضية واستقصاء الاحتمالات العقلية المجردة دون النظر إلى مآلات الأفعال ونتائجها الواقعية يولد فجوة عميقة بين الفقه والواقع. ويرى بعض المفكرين والنقاد أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود مثل هذه المسائل في الكتب القديمة، بل في استمرار نقلها وترديدها في المجموعات الفتاوى المعاصرة دون مراجعة جذرية أو حتى إعمال العقل في معانيها ومآلاتها ونتائجها، مما يسبغ عليها نوعاً من الاستمرارية الشرعية ويمنح أصحاب الفكر المتخلّف والمتطرّف أو المستغلين والمجرمين غطاءً تبريرياً لممارسة انتهاكاتهم بحق الأطفال تحت مسمى المقدّس (سواء كان المقصود هو الدين أو المذهب).
وفي هذا السياق، تظهر بوضوح إشكالية النفاق وازدواجية المعايير التي يشار إليها في نقد الخطاب الديني التقليدي السائد. فبينما يصر هذا الخطاب على توجيه الاتهامات للمجتمعات الحديثة والغربية بالانحلال الأخلاقي وتفكك القيم والاعتداء على "الفطرة الإنسانية" (التي لا معنى حقيقي لها)، فإنه يتجاهل أو يبرر الثغرات الفادحة والانتهاكات الجسيمة والجرائم الموجودة في مدوناته الفقهية. إن هذا الصخب الموجه نحو الآخر يسهم في التعمية عن النقد الذاتي المعمّق الواجب ممارسته تجاه التراث والنصوص مهما كانت درجة قداستها عند أتباعها، حيث يُستخدم الهجوم على الغرب وسياساته كأداة دفاعية للهروب من استحقاقات الإصلاح الداخلي ولمنع المساس بالمنظومة التراثية، بالرغم من أن المجتمعات الحديثة طوّرت آليات قضائية ومؤسسية حازمة لملاحقة جرائم الاعتداء على الأطفال ومحاسبة مرتكبيها بصرف النظر عن مكانتهم الاجتماعية أو الدينية.
وتتجلى ثقافة التبرير في محاولات إيجاد مبررات لغوية أو سياقية للتخفيف من حدة الفتاوى أو النصوص التاريخية، كأن يُقال إن الفقية كان يكتب في إطار افتراضي، أو أن العصر القديم كان يتقبل زواج القاصرات لاعتبارات اجتماعية وقبلية. ورغم أن هذا التفسير التاريخي قد يمتلك بعض الحجية في تتبع تطور الفكر البشري، إلا أن الإصرار على استدعائه وإسباغ القداسة عليه في القرن الحادي والعشرين يشكل عقبة أمام بناء منظومة أخلاقية متماسكة. فالأخلاق الحديثة تستند إلى مبادئ عدم إلحاق الضرر، وحماية الفئات الضعيفة، واحترام الاستقلالية الجسدية والنفسية للفرد، وهي مبادئ تصطدم كلياً مع أي نص يسمح بالاستغلال الجنسي للأطفال بغض النظر عن الحجج الفقهية أو الأطر الشكلية التي تُغلف بها.
إن تواصل هذه الإشكاليات وتكرارها يؤكد على الضرورة الملحّة لتفكيك المنظومات الفكرية التي ترفض مراجعة التراث بشجاعة. فالإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يكتفي بالشعارات التي تتحدث عن كرامة الإنسان وحماية الأسرة، بينما تظل الفتاوى التي تنتهك هذه الكرامة مدونة ومتاحة ومعتمدة من طرف أصحاب اللحى والعمائم دون إدانة واضحة وصريحة. كما أن الاستمرار في ممارسة اللوم الخارجي واختلاق المعارك الفكرية مع المجتمعات الأخرى لن يغير من حقيقة أن الموروث الفقهي يحتوي على مساحات من الجرائم والفساد تتطلب نقداً جذرياً حقيقيا وجريئا وإعادة هيكلة شاملة، تضمن ملاءمة الأحكام مع المفاهيم الإنسانية الواقعية المستقرة بعيدا عن خرافات القداسة وتضع حداً لكل ما يهدّد سلامة وحقوق الأطفال والإنسان عموماً.
.


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire