Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (20) العبقرية والإعجاز في فقه الضراط والبراز (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(20) العبقرية والإعجاز في فقه الضراط والبراز




إنَّ قراءةَ هذا السفرِ العظيمِ الذي يُعنونُ بـ"أحكام الأصوات الصادرة من الإنسان عدا الكلام" لصالح بن علي بن محمد الرزقان، والممتدِّ على ما يقاربِ أربعمائةِ صفحةٍ منَ التفاصيلِ الفقهيةِ الدقيقةِ، تضعُ القارئَ أمامَ حقيقةٍ مريرةٍ لا مفرَّ منها: أنَّ هناكَ شعوباً تهتمُ بالذكاءِ الاصطناعيِ وتستثمرُ في استكشافِ الفضاءِ، وشعوباً أخرى تحصلُ على الدكتوراهِ والماجستيرِ في فقهِ "الخراء" و"الضراط" و"أنواعِ الريحِ الصادرةِ من الدبر" و"حكمِ التثاؤبِ في الصلاةِ" و"أثرِ البكاءِ على صحةِ الوضوءِ"، يعني في الغباء البدوي الطبيعي. نعم، لقدْ وصلَ بنا الأمرُ إلى أنْ ينفق باحث سعودي في جامعةِ الإمامِ محمدِ بنِ سعودٍ وقته في تحبير رسالةَ ماجستيرٍ في "أحكامِ الأصواتِ الصادرةِ من الإنسانِ عدا الكلام"، فيُحدِّدَ أنواعَ الضراطِ، ويُفرِّقَ بينَ الأنينِ والتأوهِ والتنفسِ والنفخِ، ويُفتيَ في حكمِ الزغردةِ والتصفيقِ والصفيرِ، وكأنَّ الناس في أمسِّ الحاجةِ إلى معرفةِ هلْ يجوزُ للمرأةِ أنْ تصفِّقَ في الصلاةِ أم لا، بينما العالمُ المتحضّر يسبحُ في عوالمَ الذكاءِ الاصطناعيِّ ويتنافسُ على تطويرِ روبوتاتٍ تُجري العملياتِ الجراحيةَ عن بُعدٍ.

إنها حقاً مفارقةٌ تختزلُ كلَّ مأساةِ التخلفِ العربيِّ والإسلاميِّ في بضعِ صفحاتٍ، فبينما ينكبُ الباحثونَ في جامعاتِ كاليفورنيا وطوكيو على دراسةِ الخلايا الجذعيةِ والهندسةِ الوراثيةِ، نجدُ باحثاً سعودياً يجمعُ أقوالَ بهائم الأمّة الفقهيةَ في "فقهِ الضراطِ" و"الريحِ" و"الغرغرةِ" و"النحنحةِ"، ويُناقشُ بدقةٍ متناهيةٍ هلْ يُنقضُ الوضوءَ بسبب "قَرْقَرَةُ البطنِ" أم لا، وكأننا نعيشُ في القرنِ الثالثِ عشرَ الهجريِّ، حيثُ كانَ شغلُ الفقهاءِ الشاغلَ للسيطرة على عقول العامة وكسب رزقهم هوَ استعراض أصنافِ الرياحِ وتصنيفُها إلى ضراطٍ وفساءٍ، بدلاً منْ أنْ يُفكروا في أشياء نافعة وذات تأثير حقيقي على حياة الإنسان.

ولكي تدركَ حجمَ العبقريةِ الرّجعية التي نعيشُها، تأمَّلْ فقطْ هذا الفصلَ العظيمَ في "حكمِ التثاؤبِ في الصلاةِ" الذي استغرقَ صفحاتٍ وسطوراً، واختلافَ العلماءِ في حكمِ رفعِ الصوتِ بالغرغرةِ، والخلافَ الفقهيَّ حولَ إخراجِ الريحِ في المسجدِ، وماذا يفعلُ منْ ابتُليَ بسلسِ الريحِ، وكيفَ يتطهرُ منَ الضراطِ الذي لا صوتَ له. إنه دينُ المراحيض والمجاري وقواعدَ تنظيمِ خروجِ الغازاتِ منَ الأمعاءِ. والسخريةَ المريرةَ الأكبر هيَ في تركيزِ الجهود حتى يومنا هذا على هذهِ التفاصيلِ التافهة على حسابِ التفاصيلِ الكبرى التي تصنعُ الحضارةَ والتمدنَ.

لقدْ أصبحَ "فقهُ الخراءِ" عندَ هؤلاءِ الباحثينَ والجامعاتِ هوَ قمةُ الاجتهادِ العلميِّ، في الوقتِ الذي تضيعُ فيهِ الشعوب في متاهاتِ التخلفِ والتبعيةِ. رسالةُ الماجستيرِ هذهِ لوْ قُدِّمتْ في أيِّ جامعةٍ غربيةٍ، لكانتْ ضُحكةَ العصرِ، ولوصفوا صاحبَها بأنه يعيشُ في كهفٍ منعزلٍ منذُ ألفِ عامٍ، أو ربما تمّت إحالة صاحبها على طبيب نفسي عوض مناقشة هذا الهراء. لكنَّها في جامعات خير أمة أخرجت للبطيخ تُناقشُ وتُصرف لمن يقوم بها منح دراسية وتُصادقُ على محتواها اللجانُ العلميةُ، ويُمنحُ الباحثُ بموجبها درجةً علميةً تُضافُ إلى رصيدِه الأكاديميِّ، وكأنَّنا نصنعُ منَ الفقهِ الصحيِّ المبتذلِ عِلماً يُباهى بهِ في المحافلِ الدوليةِ، بينما أصحابُ الدكتوراهِ في "فقهِ الضراطِ" ينظرونَ بازدراءٍ إلى منْ يدرسُ الذكاءَ الاصطناعيَّ على أنه لعبٌ وانحلالٌ أخلاقيٌّ.

والأغربُ من ذلكَ أنَّ هذا الباحثَ لمْ يكتفِ بجمعِ المسائلِ الفقهيةِ حولَ الأصواتِ، بلْ خاضَ في تفصيلاتٍ شبهِ طبيةٍ عنْ طبيعةِ الصوتِ البشريِّ، وكيفيةِ خروجِ الغازاتِ، وعلاقةِ النحنحةِ بإخراجِ بقايا البولِ، وكأنَ المهمةَ العلميةَ الكبرى للأمةِ هيَ تفسيرُ "قرقرةِ البطنِ" و"صفيرِ الريحِ"، وليسَ تفسيرَ أسبابِ التخلفِ واستراتيجياتِ النهوضِ والخروج من مجاري السلف الطالح. لقدْ أصبحَ "الضراطُ" عِلماً، وأصبحَ "الخراءُ" فقهاً، وأصبحتْ "المجاري" مدارسَ ودوراتٍ جامعيةً، بينما في الجانب الآخر من العالم تُصنعُ الصواريخُ ويُطورُ الذكاء الاصطناعي وتُبتكرُ التقنيات الجينيةُ.

حقاً، إنَّ فقهَ الضراطِ وهندسةَ الريحِ هما ملخصُ عصرِنا الذهبيِّ، فبينما يستعدُّ العالمُ لاستعمارِ المريخِ وغزوِ الفضاءِ، نحنُ نستعدُّ لاستعمارِ "جوْفِ البطنِ" وفهمِ أسرارِ "الانبعاثاتِ الغازيةِ" بنفس أكاديمي رهيب لمْ يبلغْه الفقهاءُ القدماءُ. وما رسالةُ الماجستيرِ التي بينَ أيدينا إلا شاهدٌ على أنَّ الأمةَ قدْ أجادتْ فنَّ تحويلِ التخلفِ إلى مؤسساتٍ، وتحويلِ السخافاتِ إلى كلياتٍ، وتحويلِ الفقهِ الصحيِّ إلى بطاقةِ عبورٍ إلى رتبٍ علميةٍ لا تُقدِّمُ ولا تؤخرُ في مسيرةِ التاريخ، بلْ تزيدُ العالَمَ قناعةً بأنَّ هذهِ الشعوب مازالتْ تغرقُ في تفاصيلِها الصغيرةِ التافهة عن وعي ومع سبق الإصرار، وتلهثُ وراءَ فتاوى "الغائطِ والبولِ والريحِ" عوضاً عنْ الدراسات المهتمة بالتغييرِ والتنميةِ والابتكارِ. هكذا تصنعُ خير أمة أخرجت للبطيخ أعظمَ المهازلِ العلميةِ في تاريخِ الإنسانيةِ: شعوبٌ تبحثُ عنِ الخلاصِ في "فقهِ الخراءِ" بينما السفنُ الفضائيةُ تحلقُ فوقَ رؤوسِها.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...