Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (14) إذا كان أبو الأنبياء كذاباً، فكيف يكون البقية؟ (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (14) إذا كان أبو الأنبياء كذاباً، فكيف يكون البقية؟




في عالمٍ مليءٍ بالشخصياتِ الدينيةِ التي تُقدَّسُ وتُعظَّمُ دونَ أنْ يجرؤَ أحدٌ على فحصِ سيرتِها بعينٍ ناقدةٍ، يبرزُ "أبو الأنبياء" إبراهيمُ كأعظمِ نموذجٍ على هذهِ الظاهرةِ الغريبةِ التي تجعلُ منَ الكذبِ صفةً إلهيةً إنْ صدرتْ عنِ الشخصيةِ المقدسةِ المطلوبةِ. فالرجلُ الذي اختارهُ اللهُ، أو يهوه، ليكونَ خليلاً له، أي صديقاً حميماً، نجدهُ في نصوصِ التناخِ والتلمودِ والقرآنِ والحديثِ يمارسُ الكذبَ باحترافٍ لا يُستهانُ بهِ، وكأنَّ الكذبَ كانَ شرطاً أساسياً في عقدِ الصداقةِ معَ الخالقِ. فإذا كانَ الخليلُ نفسه، وهوَ رمزُ الصدقِ والأمانةِ في التصورِ الدينيِّ الشعبيِّ، يمارسُ التضليلَ والخداعَ علناً ودونَ خجلٍ، فما بالُكَ بمنْ يتخذهُ قدوةً؟ إنها معادلةٌ رياضيةٌ بسيطةٌ: كلما ارتفعَ مستوى المقدسِ، ازدادَ مستوى الكذبِ المقبولِ اجتماعياً باسمِ "التقوى" و"الحكمةِ الإلهيةِ".

لنبدأْ بجولةٍ سريعةٍ في سجلِّ إبراهيمَ الحافلِ بالكذباتِ التي تتناقضُ معَ أيِّ منطقٍ أخلاقيٍّ بشريٍّ. في التناخ، يحدثنا سفرُ التكوينِ عنْ مرتينِ منفصلتينِ يلجأُ فيهما إبراهيمُ إلى حيلةٍ وضيعةٍ: حينَ يخافُ على حياتِه منْ ملوكِ الأرضِ، يطلبُ منْ زوجتِه سارةَ أنْ تقولَ إنها أختهُ، فيعرضُها بذلكَ للخطرِ، ويتنازلُ عنْ كرامتِه وكرامتِها في سبيلِ بقائِه على قيدِ الحياةِ. وفي المرتينِ، ينكشفُ أمرُه على يدِ الملكِ الوثنيِّ الذي يوبخُه ويعاتبهُ، وكأنَّ الوثنيينَ كانوا أكثرَ أخلاقاً منْ نبيِّ اللهِ وخليلِه. حتى التلمودُ لمْ يكتفِ بالمرتينِ، بلْ أضافَ كذبةً ثالثةً حينَ قالَ إبراهيمُ عنِ الأصنامِ "إنّي سقيمٌ"، وكذبةً رابعةً حينَ قالَ عنِ الأصنامِ التي حطمها "بلْ فعلهُ كبيرُهم هذا"، وكأنَّ اللهَ نفسه يُشرفُ على هذهِ المسرحيةِ الهزليةِ التي تجعلُ منَ الكذبِ فناً دينياً رفيعَ المستوى.

أما القرآنُ والحديثُ، فقدْ حاولا بشتى الطرقِ تبريرَ هذهِ الأكاذيبِ تحتَ شعارِ "الضروراتِ تبيحُ المحظوراتِ"، فجاءَ المفسرونَ ليقولوا إنَّ قولَ إبراهيمَ "إني سقيمٌ" لمْ يكنْ يعني المرضَ الجسديَّ، بلْ كانَ يعني سقمَهُ منْ عبادةِ الأصنامِ، وإنَّ قولَهُ "بلْ فعلهُ كبيرُهم هذا" لمْ يكنْ كذباً، بلْ كانَ استفهاماً تعليمياًّ لفضحِ عبثيةِ عبادةِ الأصنامِ. وهنا تتجلى ذروةُ السخريةِ، فالمسلمونَ يرفضونَ الاعترافَ بأنَّ أبا الأنبياءِ كذبَ ولوْ مرةً واحدةً، في الوقتِ الذي يصرُّ فيهِ التراثُ الإسلاميُّ نفسه، عبرَ صحيحِ البخاري، على أنَّ إبراهيمَ لمْ يكذبْ إلا ثلاثَ مراتٍ، اثنتانِ في ذاتِ اللهِ وواحدةٌ في شأنِ زوجتِه. إنهُ تناقضٌ يفضحُ نفسه بنفسِه، وكأنَّ الكذبَ يصبحُ فضيلةً إذا مارسهُ الأنبياءُ، ورذيلةً إذا مارسهُ عامةُ الناسِ.

لكنَّ الأغربَ منْ كلِّ هذا هوَ مشهدُ إبراهيمَ وهوَ يقدِّمُ زوجتَه سارةَ كـ"أختِهِ" للملوكِ الجبابرةِ، ليسَ مرةً واحدةً بلْ مراراً، وكأنَّهُ قوّادٌ محترفٌ يستخدمُ جسدَ زوجتِه ورحمَها كبطاقةِ مرورٍ آمنةٍ في رحلاتِه الخطرةِ. إنهُ يضعُها في موقفٍ لا تطيقُه أيُّ امرأةٍ، ويعرضُها للاغتصابِ أوِ الأسرِ، وكأنَّ كرامتَها لا تساوي شيئاً أمامَ خوفِه منَ الموتِ. وفي كلِّ مرةٍ، يكتشفُ الملكُ الوثنيُّ الحقيقةَ، فيوبخُ إبراهيمَ ويسألهُ: "ماذا صنعتَ بي؟"، وكأنَّ الوثنيينَ في هذهِ القصصِ همَ الضحايا الأبرياءُ الذينَ استُغِلَّتْ سذاجتُهم منْ قبلِ نبيِّ التوحيدِ الذي يمارسُ الخداعَ باسمِ السماءِ.

إذا كانَ هذا هوَ "خليلُ اللهِ"، فما بالُكَ بمنْ يتخذهُ أسوةً وقدوةً؟ الحديثُ النبويُّ يقولُ: "المرءُ على دينِ خليلِه"، أيْ أنَّ المرءَ يكتسبُ أخلاقَ منْ يصاحبُه ويختارهُ صديقاً. فإذا كانَ اللهُ نفسه قدِ اختارَ كذاباً محترفاً ليصبحَ خليلهُ، فهذا يعني أنَّ الكذبَ جزءٌ منْ طبيعةِ العلاقةِ معَ الإلهِ، وأنَّ الصدقَ ليسَ قيمةً مطلقةً في الدينِ بقدرِ ما هوَ أداةٌ مرنةٌ تتشكلُ حسبَ الحاجةِ والمصلحةِ. اليهودُ والمسيحيونَ يعتبرونَ إبراهيمَ أباً روحيَّاً فقط، ولا يسبغونَ عليهِ أيَّ نوعٍ منَ العصمةِ، بلْ يعترفونَ بأخطائِه ويُدرسونَها في مدارسِهم كنموذجٍ للبشريةِ الضعيفةِ. أما المسلمونَ، فيصرونَ على تطهيرِه منْ أيِّ شائبةٍ، ويُحاولونَ تبريرَ كذباتِه بأغربِ التأويلاتِ، وكأنَّ النصَّ الذي بينَ أيديهم ليسَ نصوصاً بشريةً قابلةً للنقدِ، بلْ هوَ وحيٌ إلهيٌّ لا يُخطئُ ولا يُغني عنِ الحقيقةِ.

في النهايةِ، يبقى السؤالُ الأكثرُ إلحاحاً: إذا كانَ اللهُ قدِ اختارَ كذاباً محترفاً ليكونَ صديقَهُ وخليلَهُ، فهلْ هذا عيبٌ في إبراهيمَ أمْ عيبٌ في اللهِ نفسِه الذي اختارَ هذا الكذابَ ليكونَ رمزاً للصدقِ والأمانةِ في الأرضِ؟ إنهُ تناقضٌ محيرٌ يفضحُ هشاشةَ البناءِ الأخلاقيِّ للدينِ التوحيديِّ برمتهِ، ويجعلنا نتساءلُ إنْ كانَ الصدقُ قيمةً إنسانيةً عليا، أمْ مجردُ شعارٍ يُرفعُ حينَ ينفعُ ويتم إخفاؤه حينَ يضرُّ، تماماً كما فعلَ أبو الأنبياءِ الذي ضحّى بزوجتِه وكذبَ على ملوكِ الأرضِ، ثمَّ صارَ رمزاً للتقوى والطهارةِ بأعجوبةٍ إلهيةٍ لا تفسيرَ لها سوى أنَّ اللهَ يحبُّ الكذابينَ أيضاً.






.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...