.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(15) الثابت والمتحوّل في عشق الآلهة للتسوّل
في عالمٍ مليءٍ بالتناقضاتِ الصاخبةِ، تبرزُ ظاهرةٌ دينيةٌ طريفةٌ تستحقُ أنْ تُحفرَ في موسوعةِ الغرائبِ الإنسانيةِ تحتَ بابِ "سيكولوجيا التسولِ الإلهيِّ". فمنْ جهةٍ، تملأُ الكتبُ المقدسةُ الدنيا ضجيجاً بصفاتِ الآلهةِ المطلقةِ وقدرتِها اللامتناهيةِ، وتزعمُ أنَّ هذهِ الآلهةَ غنيَّةٌ عنِ العالمينَ، لا تحتاجُ إلى طعامٍ ولا شرابٍ ولا مالٍ ولا مسكنٍ، وأنَّ البشرَ همَ الفقراءُ المحتاجونَ إليها، وأنَّها كريمةٌ جوادٌ تُفيضُ على عبادِها منْ فيضِ رحمتِها الواسعةِ التي لا تنضبُ أبداً. لكنْ إذا انتقلتَ منْ عالمِ النصوصِ المقدسةِ إلى أرضِ الواقعِ الملموسِ، ستكتشفُ أنَّ هذهِ الآلهةَ المُنَزَّهةَ عنِ الحاجةِ تعيشُ حالةً منَ التسولِ الممنهجِ لا تُضاهيها فيها أيُّ مؤسسةٍ بشريةٍ، فهيَ تطالبُ أتباعَها بالتبرعِ لها لبناءِ هياكلِها ومعابدِها ومساجدِها، وتجهيزِها بالفرشِ والستائرِ والثرياتِ، وخلاصِ أجورِ القساوسةِ والأئمّةِ والمؤذنينَ، ودفعِ فواتيرِ الكهرباءِ والماءِ والإنترنتِ، وكأنَّ هذا الإلهَ المتعاليَ لا يستطيعُ أنْ يُوقدَ مصباحاً واحداً في مسجدِه دونَ أنْ يمدَّ يدَهُ لجيوبِ المؤمنينَ الفقراءِ الذينَ لا يجدونَ قوتَ يومِهم.
إنَّها مفارقةٌ تصلُ إلى حدِّ الفضيحةِ الأخلاقيةِ: إلهٌ يوصفُ بأنَّه "الغنيُّ الحميدُ" و"القويُّ المتينُ" و"المنعمُ المتفضِّلُ"، وفي الوقتِ نفسِه نراهُ يتسوّلُ ببجاحةٍ في كلِّ مناسبةٍ، ولا يتركُ فرصةً واحدةً سانحةً إلا وانتهزَها لسلبِ أموالِ أتباعِه تحتَ عناوينَ براقةٍ مثلَ "الزكاةِ" و"الصدقةِ" و"العشورِ" و"القرابينِ" و"النذورِ" و"الكفاراتِ". بلْ إنَّ بعضَ رجالِ الدينِ يذهبونَ إلى أبعدِ منْ ذلكَ فيُخبرونَ المؤمنينَ بأنَّ اللهَ سيُضاعفُ لهمُ الأجرَ والثوابَ مقابلَ تبرعاتِهم، وكأنَّ اللهَ يديرُ بنكاً استثمارياً يمنحُ فوائدَ ربويةً على الودائعِ الإيمانيةِ. لكنْ إذا نظرتَ إلى النتائجِ العمليةِ لهذهِ الإعلاناتِ الإلهيةِ، ستجدُ أنَّ الفقراءَ يزدادونَ فقراً والجائعينَ يزدادونَ جوعاً والأغنياءَ منْ رجالِ الدينِ يزدادونَ ثراءً ورفاهيةً، وكأنَّ التسولَ الإلهيَّ هوَ آلةُ تحويلٍ عجيبةٌ تنقلُ الأموالَ منْ جيوبِ المحتاجينَ إلى خزائنِ المعابدِ التي لا تملأُ جوفَ أحدٍ ولا تَسْقِي عطشاناً ولا تَكْسُو عارياً.
ما يزيدُ الأمورَ سخريةً هوَ أنَّ هذهِ الآلهةَ التي تزعمُ أنها خلقتِ الكونَ منْ لا شيءٍ، وتتحكمُ في حركةِ الكواكبِ ومجرَّاتِها، وتُجرِي الرياحَ وتُنزِلُ المطرَ وتُخرجُ النباتَ، عاجزةٌ تماماً عنْ إسقاطِ رغيفِ خبزٍ واحدٍ على رأسِ إنسانٍ جائعٍ، أوْ رميِ قطعةِ نقودٍ واحدةٍ في جيبِ طفلٍ مفلسٍ يحتاجُ إلى دواءٍ. فهيَ تتركُ عبيدَها يتضورونَ جوعاً ومرضاً وفقراً، بينما تلهثُ خلفَ تبرعاتِهم لتزيينِ قبابِها ومآذنِها، وكأنَّ أولوياتِها هيَ "الديكورُ المقدسُ" لا "البطنُ الجائعُ". إنَّها صورةٌ كاريكاتوريةٌ لإلهٍ مريضٍ بالعُجبِ، يريدُ أنْ يبنِيَ لنفسِه قصوراً فخمةً منْ أموالِ الفقراءِ، ثمَّ يطلبُ منْ هؤلاءِ الفقراءِ أنْ يحمدوهُ على هذهِ النعمةِ العظيمةِ التي أنعمَ بها عليهم، وهيَ فرصةُ المساهمةِ في بناءِ قصرِه الإلهيِّ المتواضعِ الذي لا يليقُ بعظمتِه!
والأدهى منْ ذلكَ أنَّ رجالَ الدينِ، وكلاءَ هذهِ الآلهةِ على الأرضِ، يتفننونَ في ابتكارِ طرقٍ جديدةٍ لابتزازِ المؤمنينَ عاطفياً ودينياً، فيذكرونهمْ بأنَّ أموالَهمْ ليستْ ملكاً لهمْ أصلاً، بلْ هيَ "وديعةٌ" عندهمْ منَ اللهِ، وأنَّ عليهمْ أنْ يردُّوها إليهِ وإلاّ أصابهمْ العذابُ في الدنيا والآخرةِ. وهكذا، يتحولُ الإلهُ المتسوّلُ إلى شريكٍ في ممتلكاتِ الناسِ، وكأنَّهُ شريكُ مضاربةٍ معهمْ في صفقاتِهم العقاريةِ والتجاريةِ، لكنَّهُ لا يشاركُهمْ الخسائرَ بلْ يأخذُ أرباحَه مُقدماً وبالقسطِ الفوريِّ. إنَّهُ نموذجُ ربِّ المالِ المستبدِّ الذي لا يفوِّتُ أيَّ فرصةٍ لانتزاعِ ما في جيوبِ الآخرينَ، ثمَّ يُروّجُ لنفسِه على أنَّه "الرزَّاقُ الكريمُ" و"الغنيُّ الحميدُ"، في تناقضٍ لا يخفى على عاقلٍ ولا يمرُّ على ذي بصيرةٍ دونَ أنْ يضحكَ أوْ يبكي حسبَ مزاجِه.
في المحصلةِ النهائيةِ، يبدو أنَّ الآلهةَ جميعها، يهوهَ واللهَ والثالوثَ، تشتركانِ في متلازمةٍ نفسيةٍ واحدةٍ هيَ "التسولُ المقدسُ"، التي تفرضُ عليها أنْ تدَّعيَ الغنى المطلقَ بينما تتسوّلُ بكلِّ ما أوتيتْ منْ قوةٍ إلهيةٍ. وإذا كانَ هناكَ إلهٌ حقاً، فليُظهرْ لنا قدرتَه مرةً واحدةً بأنْ يَسْقِيَ أتباعَه الجائعينَ خبزاً منَ السماءِ دونَ أنْ يطلبَ منهمْ مقابلاً نقدياً، وليتركْ لهمْ أموالَهمْ التي يُعذبونَ في جمعِها طوالَ حياتِهم. أما إذا استمرَّتِ الآلهةُ على عشْقِها للتسولِ، فليقلْ لنا رجالُ الدينِ بصراحةٍ: يا قومُ، نحنُ فقراءُ مثلكمْ، وإلهُنا مسكينٌ أيضاً لا يملكُ ريالاً واحداً، وهيا بنا جميعاً نتضامنُ في التسولِ، فالفقيرُ يتسوّلُ للغنيِّ، والإلهُ يتسوّلُ للفقيرِ، وهكذا تدورُ عجلةُ التسولِ الإلهيِّ إلى ما لا نهاية.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire