Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (13) الإرهاب واختلال العقل في سفر أعمال الرسل (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (13) الإرهاب  واختلال العقل في سفر أعمال الرسل





في مشهدٍ يليق بأفلام الرعب النفسي أكثر منه بكتابٍ مقدس، يطل علينا الإصحاح الخامس من سفر أعمال الرسل بقصة حنانيا وسفيرة، تلك التحفة الفنية في فن الابتزاز الروحي والقتل المعنوي باسم السماء. القصة ببساطة تروي كيف أن رجلاً وامرأته قررا أن يتبرعا بجزء من مالهما للجماعة المسيحية الناشئة، فإذا بقديسهم الكبير بطرس، ذلك العاطل المتسول الذي كان يعيش على فضلات موائد النساء قبل أن يخترع لنفسه مهنة "رئيس الرسل"، ينقلب عليهما كالذئب الجائع، لا ليشكرهما على تبرعهما، بل ليتهمهما بـ"الكذب على الروح القدس" ثم يعلن موتهما الفوري كأنهما ارتكبا جريمة إبادة جماعية. إنها قصة تفضح بدقة متناهية كيف يستخدم الدين كغطاء للسطو على أموال الناس وقتلهم إن هم تجرأوا على التصرف بممتلكاتهم الشخصية دون استئذان الكنيسة.

لنبدأ من البداية: حنانيا وسفيرة كانا يملكان حقلاً، فباعاه وقررا أن يتبرعا بجزء من ثمنه للجماعة المسيحية. هنا يبرز السؤال الأكثر بداهة الذي يتجاهله النص المقدس: هل كانا ملزمين بالتبرع أصلاً؟ وهل كان أي شخص في الجماعة يملك الحق في معرفة قيمة البيع بالضبط؟ الإجابة بكل وضوح هي لا، فالمال كان ملكاً لهما، والتصرف به حق شخصي بحت، ولا ذنب لهما إن احتفظا بجزء منه أو تبرعا به كاملاً. لكن بطرس، ذلك المحترف في لعبة الترهيب، يأتي بمنطق عبثي قائلاً: "أليس وهو باق كان يبقى لك؟ ولما بيع، ألم يكن في سلطانك؟"، ثم يقلب المعادلة ويتهمهما بـ"الكذب على الله" لأنهم لم يتبرعوا بكل المال. إنه منطق أشبه بمن يقول لصديقه: "أنت حر في ألا تهديني شيئاً، لكن إن أهديتني نصف مبلغ هدية، فأنت لص وسارق". إنها لعبة خداع نفسي تهدف لجعل الضحية تشعر بالذنب حتى وهي تمارس حقها المشروع.

أما ذروة السخرية فهي عندما نقرأ وصف بطرس لهذا التبرع الجزئي بأنه "اختلاس"، أي سرقة. وهنا تتجلى عبقرية اللفظ الديني في تحويل الحق الطبيعي إلى جريمة، وتحويل العطاء الطوعي إلى إدانة أخلاقية، وتحويل الأبرياء إلى مجرمين. بطرس يستخدم كلمة "اختلس" ليجعل القارئ يعادي حنانيا وسفيرة وكأنهما سارقا مال يتيم، بينما الحقيقة أنهما مارسا حقهما في التصرف بمالهما بكل حرية. ولو افترضنا جدلاً أنهما قالا إن هذا هو كل المال، فما المشكلة؟ أليس المال مالهما؟ وهل صار التبرع للكنيسة فرضاً كضريبة الدخل؟ بطرس وجماعته لم يكونوا سوى مجموعة من الصعاليك المتسولين الذين وجدوا في خرافة المسيح وسيلة سهلة للعيش على حساب الآخرين دون أن يعملوا ساعة واحدة في حياتهم.

وهنا نصل إلى الجوهر الحقيقي لهذه القصة المخيفة: هدفها الأساسي ليس تقديس "الروح القدس" أو تعليم درس في الصدق، بل بث الرعب في قلوب الأتباع المسيحيين الأوائل، لضمان أن يتبرعوا بكل ممتلكاتهم للكنيسة دون أي تحفظ، وإلا فسيواجهون مصير حنانيا وسفيرة. إنها عملية ابتزاز جماعي باسم السماء، حيث يُستخدم الموت كسلاح رادع لضمان تدفق الأموال إلى جيوب الفقراء الكسالى من رجال الدين الذين لا يعرفون إلا التكفير والتخويف والقتل باسم الإله الفاشل الذي لا يستطيع توفير المال لأتباعه دون أن يسلبوه من الناس باسم العشور والقرابين.

الروح القدس الذي يتحدث عنه بطرس يبدو إلهاً ضعيفاً وعاجزاً، لا يستطيع أن يدير جماعة دينية دون أن يقتل أعضاءها، ولا يستطيع أن يوفر المال لتلك الجماعة دون أن يمارس الإرهاب على أتباعه. إنه إله محتاج لدماء أتباعه وبطونهم، إله لا يختلف عن الأصنام التي كانوا يزعمون أنها تطلب القرابين البشرية. وأما بطرس فهو مجرد مدير مشروع إرهابي ناجح، حوّل الخوف إلى أداة للسيطرة، والموت إلى وسيلة للثراء، والكنيسة إلى مؤسسة للقتل الممنهج باسم المسيح الفقير المتسوّل الذي لم يملك بيتاً يؤويه كما يقولون وكان يعيش على عرق النساء، لكن أتباعه من بعده صاروا أثرياء وديكتاتوريين يملكون بيوت الناس وأموالهم وأرواحهم أيضاً.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...