.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(8) بهائم الله وسيولة مفهوم العمالة
في قاموسِ السياسةِ العربيةِ والإسلاميةِ، لا تخلو أيُّ جملةٍ من كلمةِ "عمالة" أو "خيانة" أو "تخوين"، وكأنَّ هذهِ المفرداتِ أصبحتْ جزءاً منَ الحمضِ النوويِّ للمنطقِ السياسيِّ الذي لا يستقيمُ إلا بإلقاءِ التهمِ جزافاً على كلِّ منْ يختلفُ معَكَ في الرأيِ أوِ المصالحِ. وإذا كانَ القرآنُ الكريمُ قدْ أرسى مفهومَ "النفاقِ" كصفةٍ دنيئةٍ لأولئكَ الذينَ يظهرونَ الإيمانَ ويبطنونَ الكفرَ، فإنَّ المسلمينَ لمْ ينتظروا طويلاً حتى حوّلوا هذا المفهومَ إلى سلاحٍ دمويٍّ يصوبونهُ في ظهورِ بعضهمْ بعضاً، فأصبحَ كلُّ منافقٍ يتهمُ الآخرَ بالنفاقِ حتى باتَ الجميعُ في دائرةِ اتهامٍ لا تنتهي، وكأنَّ النفاقَ صارَ أساساً منْ أساسياتِ الانتماءِ الدينيِّ لا استثناءً فيهِ. فالخليفةُ يتهمُ الصحابيَّ، والصحابيُّ يتهمُ التابعيَّ، والتابعيُّ يتهمُ منْ يليهِ، وهكذا دواليكَ في سلسلةِ تخوينٍ لا أولَ لها ولا آخرَ، إلى أنْ وصلَ الحالُ ببعضِ الفرقِ إلى اعتبارِ أنَّ أكثرَ منْ تسعينَ بالمئةِ منَ الأمةِ همْ منافقونَ لا يعرفونَ اللهَ حقَّ معرفتِهِ، وكأنَّ اللهَ قدْ خلقَ هذهِ الأمةَ لتكونَ مختبراً تجريبياً للنفاقِ قبلَ أيِّ شيءٍ آخرَ.
أما اليومَ، فقدْ تطوّرَ مفهومُ العمالةِ بشكلٍ لافتٍ معَ تطورِ وسائلِ الاتصالِ وصعودِ الأنظمةِ الشموليةِ في كثيرٍ منَ البلدانِ العربيةِ والإسلاميةِ. فالحاكمُ يتهمُ المعارضةَ بأنَّها عميلةٌ للغربِ أو لإسرائيلَ أو لأمريكا، والمعارضةُ تردُّ الصاعَ صاعينَ وتتهمُ الحاكمَ بأنَّه عميلٌ أيضاً، وكأنَّ اللعبةَ كلَّها تدورُ حولَ منْ هوَ الأكثرُ عمالةً لا حولَ منْ هوَ الأكثرُ كفاءةً في الحكمِ أو الأكثرَ حرصاً على مصالحِ الشعبِ. كلُّ طرفٍ يحملُ ملفاً منَ التهمِ ضدَّ الآخر، وكلاهما ينسى أنَّ التخوينَ المتبادلَ لا يخدمُ إلا استمرارَ حالةِ الفوضى السياسيةِ التي تجعلُ المواطنَ حائراً بينَ هذا العميلِ وذاك، وكأنَّ الخياراتِ كلَّها تنتهي عندَ بابِ "منْ يعملُ لمين". إنها بذلكَ تصبحُ لعبةً لا منتصرَ فيها سوى أولئكَ الذينَ ينجحونَ في إيهامِ الجماهيرِ بأنَّهم وحدهمَ الأنقياءُ منْ هذهِ اللوثةِ التي تصيبُ كلَّ منْ يتولى منصباً أوْ يملكُ رأياً مخالفاً.
والنموذجُ الأكثرُ عبقريةً في هذا الفضاءِ المليءِ بالتخوينِ هوَ "حزبُ اللهِ اللبنانيُّ" الذي يرفعُ شعاراتِ الولاءِ لإيرانِ ويثبتُ يومياً أنَّ مفهومَ العمالةِ عندهُ لا يختلفُ عنْ مفهومِ النفاقِ عندَ السلفِ، فها هوَ أمينُهُ العامُّ السابقُ يزعمُ أنهُ عميلٌ للخمينيِّ وأنَّ نظامَ الملاليِ الإيرانيَّ هوَ القائدُ المطلقُ لجميعِ قراراتِه، وفي الوقتِ نفسهِ يصفُ كلَّ معارضيهِ بأنَّهم عملاءُ إسرائيلَ وأمريكا، وكأنَّ العمالةَ صفةٌ تنحصرُ في الآخرينَ ولا يجوزُ أنْ تطولَ حزبَ اللهِ نفسه الذي يمارسُ العمالةَ بطريقةٍ فنيةٍ لا مثيلَ لها. لكنَّ الأطرفَ في السخريةِ هوَ أنْ يأتيَ موسادُ إسرائيلَ الذي يعتبرُهُ الحزبُ العدوَّ الأكبرَ، ويفضحَ كلَّ هذهِ الأقنعةِ في عمليةِ البيجرِ الشهيرةِ، حيثُ تبينَ أنَّ جزءاً كبيراً منْ عناصرِ الحزبِ وقادتِهِ كانوا يتعاملونَ معَ إسرائيلَ سراً، وأنَّ كثيراً منَ العملياتِ التي ضربتْ الحزبَ لمْ تكنْ لِتنجحَ لولا وجودُ أيادٍ داخليَّةٍ تعملُ لصالحِ العدوِّ، وهوَ ما جعلَ الحزبَ يسقطُ في فخِّ التهمةِ التي كانَ يرمي بها الآخرينَ دائماً، إذ أصبحَ هوَ نفسه نموذجاً للعمالةِ التي يتقنُها ولا يتقنُ غيرها، وكأنَّ اللهَ أرادَ أنْ يريَ البشرَ أنَّ عمالةَ الآخرينَ ليستْ سوى صورةٍ طبقَ الأصلِ عنْ عمالةِ الذاتِ التي تختبئُ تحتَ عباءةِ الولاءِ المزعوم.
والسؤالُ الذي يفرضُ نفسَهُ بقوةٍ في ظلِّ هذا الكمِّ الهائلِ منَ التخوينِ المتبادلِ، هوَ: هلْ يصحُّ أنْ نستمرَّ في استعمالِ هذهِ العباراتِ الزئبقيةِ التي تتحولُ في لحظةٍ منْ أداةٍ للتحليلِ السياسيِّ إلى سلاحٍ للإبادةِ المعنويةِ والجسديةِ للخصومِ؟ أليسَ منَ الأجدرِ بنا أنْ ندركَ أنَّ الولاءَ والعمولةَ مفهومانِ فضفاضانِ لا ينضبطانِ تحتَ أيِّ تعريفٍ موضوعيٍّ، وأنَّ كلَّ طرفٍ يستعملُهما بحسبِ مصلحتِهِ في لحظةٍ تاريخيةٍ معينةٍ، بحيثُ يصبحُ منَ المستحيلِ التمييزُ بينَ عميلٍ حقيقيٍّ وآخرَ وهميٍّ في هذهِ اللعبةِ التي لا فائزَ فيها سوى منْ ينجحُ في إيهامِ الناسِ بأنَّهُم وحدَهُم فوقَ الشبهاتِ، بينمَا الحقيقةُ أنَّ الجميعَ في مستنقعِ العمالةِ والنفاقِ إلى حدِّ أنَّ عبارةَ "بهائمِ اللهِ" قدْ تكونُ أصدقَ وصفٍ لأولئكَ الذينَ يستعملونَ مفاهيمَ الدينِ والدولةِ كغطاءٍ لحماقاتهم السياسيةِ التي لا تنتهي.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire