.
.
نسب محمد إلى إسماعيل بين التقرّب لليهود ورفضهم له
إذا كان نسب يسوع إلى داود قد سقط بسبب غياب الأب البيولوجي، وإذا كان نسب محمد إلى إسماعيل قد سقط بسبب ضعف الروايات التاريخية، فإن هناك إشكالية ثالثة أكثر عمقاً، وهي إشكالية الهوية العرقية والدينية. فحتى لو افترضنا جدلاً أن السلسلة النسبية بين عدنان وإسماعيل صحيحة، وأن محمداً هو حقاً من نسل إسماعيل، فإن هذا لا يحل المشكلة الأساسية، بل يفتح باباً من الإشكاليات الأكبر: كيف يمكن لإسماعيل، وهو ابن إبراهيم من هاجر المصرية، أن يكون أباً للعرب؟ وإذا كان العرب من نسل إسماعيل، فلماذا لا يعترف بهم اليهود كجزء من العهد الإبراهيمي؟ ولماذا رفض اليهود محمداً رغم أنه ادعى أنه من نسل إسماعيل، وتقرّب إليهم بكل الطرق الممكنة؟
لنبدأ من البداية: إبراهيم، بحسب النص التوراتي والقرآني، هو من أور الكلدانيين، وهي مدينة في بلاد الرافدين، ولم يكن عربياً بأي معنى من المعاني، بل هو آرامي أو كلداني، أي من سلالة سامية ولكنها ليست عربية. هاجر، أم إسماعيل، كانت جارية مصرية، أي أنها من أصول أفريقية، وليست عربية أيضاً. إذن، إسماعيل هو نصف آرامي ونصف مصري، وليس عربياً، لأنه لم يكن له أي صلة بالعرب إلا بعد أن استقر في مكة وتزوج من قبيلة جرهم العربية، وهذا الزواج جعل ذريته عرباً، لكن بالانتماء القبلي، وليس بالدم الإبراهيمي الخالص. فالعرب الذين ينتمون إلى إسماعيل هم في الواقع من نسل إسماعيل من زوجته الجرهمية، وليس من إسماعيل وحده، لأن إسماعيل نفسه لم يكن عربياً، بل هو ابن إبراهيم الهاجر المصري.
وهنا تظهر المفارقة الأولى: اليهود يعتبرون أنفسهم وحدهم ورثة إبراهيم، لأنهم من نسل إسحاق الابن البكر لسارة، وليس من نسل إسماعيل ابن الجارية. في التوراة، يتم طرد إسماعيل مع أمه بعد أن رأت سارة أنه يلهو مع إسحاق، ويتم التأكيد على أن العهد الإلهي سيكون مع إسحاق ونسله، وليس مع إسماعيل. وهذا النص واضح في سفر التكوين: "وقال الله لإبراهيم: لا يَسُؤْ في عينيك من أجل الغلام ومن أجل أمتك. كل ما تقول لك سارة فاسمع لقولها، لأنه بإسحاق يُدعى لك نسل". وهذا يعني أن اليهود لا يعترفون بإسماعيل كأب شرعي للنسل الإبراهيمي، ولا يعترفون بأي نبوة تنبثق من نسله، مهما كانت سلسلة النسب التي يقدمها المسلمون.
فلماذا إذن أصر محمد والمسلمون على ربط نسبهم بإسماعيل، وهم يعرفون أن اليهود لا يعترفون بهذا النسب؟ الجواب يكمن في أن محمداً كان يسعى إلى كسب ود اليهود والاعتراف به كنبي، لأنه كان يعتقد أن اليهود سيكونون أول من يؤمن به، باعتبارهم أهل الكتاب الذين ينتظرون نبياً آخر. وقد ورد في السيرة أن محمداً كان يتقرب إلى اليهود في المدينة، ويغيّر القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ويصوم عاشوراء، ويأمر باتباع شريعة التوراة في بعض الأحكام، كل ذلك أملاً في أن يعترفوا به. ولكنه صدم برفضهم القاطع، لأنهم رأوا فيه نبياً أعجمياً لا ينتمي إلى بني إسرائيل، ولا يحمل أي صفة من صفات المسيح المنتظر، ولا يأتي بمعجزات تثبت نبوته، بل إنهم سخروا منه لأنهم رأوا أنه لا يفقه التوراة ولا يعرف العبرانية.
والأكثر إحراجاً أن اليهود لم يكتفوا برفض محمد، بل اتهموه بأنه ليس من نسل إسماعيل أصلاً، لأن العرب في نظرهم هم من نسل إسماعيل، ولكنهم ليسوا أمة مختارة، ولا يحملون أي صفة نبوية، بل هم مجرد وثنيين يعبدون الأصنام، ولا علاقة لهم بعهد إبراهيم. وقد ورد في التلمود أن إسماعيل ذريته ستصبح أمة كبيرة ولكنها ستعبد الأصنام وتقاتل بني إسرائيل، وهذا النص جعل اليهود ينظرون إلى العرب نظرة دونية، ويعتبرون أنفسهم وحدهم أصحاب الحق في النبوة والعهد مع الله.
وحين جاء محمد بقرآنه، الذي يقدّم إسماعيل كنبي وشريك في العهد الإبراهيمي، كان اليهود يرون ذلك تحريفاً للتاريخ، وتزويراً للنصوص التوراتية، ومحاولة لسرقة إرثهم الروحي. ففي التوراة، إسماعيل ليس نبياً، ولا يُذكر عنه أي وحي، بل هو مجرد رجل صيّاد قوس، تزوج من امرأة مصرية، وذريته سكنت في برية فاران، ولا يوجد أي نص يذكر أن الله أوحى إليه أو اختاره ليكون رسولاً. فكيف يمكن لمحمد أن يدعي أنه من نسل إسماعيل، وأن إسماعيل كان نبياً، وأن العرب هم ورثة العهد الإبراهيمي، بينما التوراة لا تذكر أي شيء من هذا؟ هذا هو السبب الأساسي لرفض اليهود لمحمد، ليس فقط لأنه نبي جديد، بل لأنه غير معترف به في كتابهم المقدس، ولا ينتمي إلى سلالتهم النبوية، ولا يحقق أي نبوءة من نبوءاتهم.
ولكن لماذا لم يذهب محمد إلى الادعاء بأنه من نسل إسحاق، لكي يسهّل على اليهود قبوله، خاصة أنه ادعى في القرآن أنه على ملة إبراهيم؟ الإجابة تكمن في أنه كان عربياً، وكان يعرف أن العرب لا يقبلون نبياً ليس من أصولهم، وأن القبيلة العربية تفتخر بنسبها، وأن أي نبي عربي لا بد أن يكون من نسل إسماعيل ليكون مقبولاً عند العرب. ولو ادعى أنه من نسل إسحاق، لكان قد فقد دعم قبيلته قريش، التي كانت تفتخر بأنها من نسل إسماعيل، ولما استطاع أن يؤسس دولة عربية جديدة. لذا فضّل محمد أن يخسر اعتراف اليهود على أن يخسر اعتراف العرب، لأنه كان يعلم أن مشروعه النبوي يعتمد على القوة العربية أولاً، وليس على الشرعية اليهودية.
ولكن هذا الخيار جعله في موقف صعب، فهو بين مطرقة اليهود الذين رفضوه، وسندان العرب الذين قبلوه ولكنهم لم يكونوا بحاجة إلى إثبات نسبه إلى إسماعيل، لأنهم كانوا يعرفون أنفسهم كعرب بغض النظر عن هذا النسب. فالعرب لم يكونوا يعرفون عن نسبهم شيئاً قبل الإسلام، لأنهم كانوا قبائل متفرقة، ليس لديهم كتاب مقدس يسجل أنسابهم، ولا كانوا يعرفون إسماعيل إلا من روايات قليلة عن اليهود والمسيحيين. فكان السهل على محمد أن يقول للعرب: أنتم من نسل إسماعيل، وهذا يمنحكم مكانة دينية، ولكن هذا لا يغير حقيقة أن العرب كانوا وثنيين قبل الإسلام، ولم يكن لهم أي دور في التاريخ المقدس كما يصوره اليهود.
والآن، إذا أردنا أن ننظر إلى الأمر بموضوعية، سنجد أن نسب محمد إلى إسماعيل هو أشبه بقصة خيالية اختلقها المسلمون لإعطاء أنفسهم مكانة في التاريخ الديني، وإثبات أنهم ليسوا مجرد أمة من الوثنيين، بل هم من نسل نبي. ولكن هذه القصة تتعارض مع النص التوراتي الذي لا يعترف بإسماعيل كأب شرعي لنسل إبراهيم، وتتعارض مع التاريخ المعروف للعرب، الذين كانوا يعيشون في الجزيرة العربية منذ آلاف السنين، ولم يكن لهم أي صلة بإبراهيم أو إسماعيل قبل ظهور الإسلام. ولا توجد أي وثيقة تاريخية أو أثرية تثبت أن إسماعيل سكن مكة أو أن ذريته هي التي أسست الكعبة، فكل هذه الروايات مأخوذة من المصادر الإسلامية وحدها، وهي غير قابلة للتحقق بأي دليل خارجي.
والأغرب من ذلك، أن القرآن نفسه لا يذكر أي شيء عن نسب محمد إلى إسماعيل، بل يكتفي بالقول إن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، وأن إسماعيل كان نبياً، ولكن لا يربط بين محمد وإسماعيل بعلاقة نسب محددة. فلو كان هذا النسب مهماً لأمر به الله في القرآن، ولكان آية واضحة، ولكن القرآن صمت، تاركاً الباب مفتوحاً للنسّابين ليختلقوا ما شاءوا، وهذا الصمت هو الدليل الأكبر على أن النسب ليس من الوحي، بل هو من صنع البشر، الذين حاولوا أن يملأوا فراغاً تاريخياً بإضافات غير موثوقة.
في النهاية، نجد أن محاولة محمد للتقرب إلى اليهود بنسب إسماعيل باءت بالفشل، لأن اليهود كانوا يعرفون أن إسماعيل ليس نبياً، وأن العهد مع إسحاق فقط، وأن أي نبي من خارج بني إسرائيل هو نبي كذاب بحسب معاييرهم. ولهذا السبب، لم يؤمن اليهود بمحمد، بل ناصبوه العداء، واتهموه بالجهل والتزوير. وهذا يثبت أن مشروعية محمد النبوية كانت قائمة على أساس وهمي من البداية، لأنه احتاج إلى نسب لا يملكه، وإلى اعتراف لم ينله، وإلى كتاب يخالف كتابهم، وإلى شريعة تتعارض مع شريعتهم. فكان المصير الطبيعي لهذا المشروع أن يرفضه اليهود، وأن ينقسم المسلمون عنه بعد وفاته، وأن تبقى قضية النسب معلقة بين روايات متضاربة لا تسمن ولا تغني من جوع، ولكنها تكفي لإثبات أن كل هذه الأنساب ليست أكثر من خرافات صنعها البشر لتبرير سلطتهم الروحية، وأن الله الحقيقي لو أراد أن يرسل نبياً لما احتاج إلى نسب مزوّر يصل إلى آدم، بل كان سيكتفي بحجة العقل والإيمان، دون الحاجة إلى هذه السلسلة الطويلة من الأسماء التي لا يصدقها إلا من غلبه الهوى على العقل.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire