.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(10) من قاع الهامور إلى قاعدة الخابور
في واقعةٍ هي أشبه بمسرحيةٍ عبثيةٍ من إخراج صامويل بيكيت، وإنتاجٍ مشتركٍ بين شبابٍ مصريٍّ يبحثُ عن متنفسٍ ونظامٍ بوليسيٍّ لا يتحملُ حتى نكتةً على فيسبوك، تحولت مدينةُ "قاعِ الهامور" الكرتونيةُ من مجردِ مجموعةٍ ساخرةٍ إلى قضيةٍ أمنيةٍ كبرى. الجروب الذي بدأ كمزحةٍ بين مراهقينَ لمْ يتجاوزا الثامنةَ عشرةَ، جمعَ مليوناً وثمانمئةِ ألفِ عضوٍ في اثني عشرَ يوماً فقط، ليصبحَ بذلكَ أسرعَ تجمعٍ افتراضيٍّ في تاريخِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ المصريِّ، وكأنَّ الشعبَ المصريَّ بأكملهِ قدِ اتفقَ فجأةً على أنَّ الهروبَ إلى قاعِ البحرِ معَ سبونج بوبَ خيرٌ لهُ منَ العيشِ على سطحِ الأرضِ معَ "بلحة" .
المشكلةُ أنَّ النظامَ المصريَّ، بتلابيبِهِ الأمنيةِ التي لمْ تتغيرْ منذْ أيامِ "عبناصر" و"الساداتِ المؤمنِ" و"مباركِ الطيّارِ"، لمْ يستطعْ تحمّلَ فكرةِ أنَّ الناسَ يضحكونَ معاً على مشكلاتِهم . فما إنْ بدأَ الجروبُ يتحولُ إلى منصةٍ للشكوى الجماعيةِ، حتى هرولَ إعلامُ السلطةِ ولجانُها الإلكترونيةُ لاتهامِ القائمينَ عليهِ بأنهمْ "إخوانٌ" و"عمالةٌ" و"خونةٌ"، متناسينَ أنَّ هؤلاءِ القائمينَ همْ فتياتٌ ومراهقونَ لا يتجاوزُ أحدُهم الخامسةَ عشرةَ منَ العمرِ، وأنَّ كلَّ ما كانوا يفعلونَ هوَ كتابةُ منشوراتٍ عنْ غلاءِ الإيجاراتِ وانقطاعِ الكهرباءِ وتكدسِ المواصلاتِ، ولكنْ بأسلوبٍ ساخرٍ مستوحى منْ شخصياتِ الكرتونِ التي أحبوها في طفولتهم . إنها جريمتهم الكبرى: أنهم ضحكوا على واقعٍ لا يُحتملُ، وقديماً قالوا إنَّ الضحكَ منَ الألمِ ليسَ ذنباً، بل هوَ نوعٌ منَ المقاومةِ الصامتةِ التي لا تفهمها الأنظمةُ البوليسيةُ التي تعتبرُ أيَّ تجمعٍ، حتى لوْ كانَ افتراضياً وبينَ كائناتٍ بحريةٍ، مؤامرةً ضدَّ الأمنِ القوميِّ .
والأغربُ منَ ذلكَ أنَّ الجروبَ أغلقَ أبوابَهُ "مؤقتاً" لمدةِ تسعةٍ وخمسينَ يوماً، على أنْ يعودَ في 22 أكتوبرَ المقبل، وكأنَّ الدولةَ التي تعجزُ عنْ حلِّ أزمةِ الخبزِ والكهرباءِ والصرفِ الصحيِّ، تجدُ في إغلاقِ صفحةِ "فيسبوك" حلاً سحرياً لمشاكلِها المستعصيةِ . هنا تبرزُ السخريةُ الأعمقُ: النظامُ الذي يصفُ نفسَهُ بـ"القائدِ المنقذِ الأبديِّ" لا يترددُ في استخدامِ آلةِ القمعِ ذاتِها التي استخدمها أسلافُه، وكأنَّ عقاربَ الساعةِ السياسيةِ توقفتْ عندَ عصرِ "الحكامِ الأبديينَ" الذينَ يظنونَ أنَّ الشعبَ لا يعرفُ مصلحتَه، وأنَّ الحكيمَ الوحيدَ هوَ الجاثمُ على كرسيِّ الحكمِ حتى آخرِ رمقٍ، حتى باتَ المصريونَ يطلقونَ على رئيسهمَ لقبَ "بلحة" تهكماً، وكأنَّ اسمَهَ أصبحَ مرادفاً للتصلُّبِ والعجزِ عنِ الفهمِ .
يبقى السؤالُ الأكثرُ إلحاحاً: هلْ سيتحولُ "قاعُ الهامورِ" إلى "خابور" أو خازوقٍ في خاصرةِ الدولةِ السيساويةِ؟ التاريخُ يخبرنا أنَّ إغلاقَ منافذِ التنفيسِ لا يلغي الأزماتِ، بلْ يحولُها إلى انفجارٍ في الشارعِ، فالشعبُ الذي ضاقَ ذرعاً بالغلاءِ والقمعِ، ووجدَ في مدينةٍ كرتونيةٍ متنفساً لأحلامِه وخيباتِه، قدْ يضطرُّ يوماً للخروجِ إلى الشارعِ حينَ يكتشفُ أنَّ "قاعَ الهامورِ" قدْ أغلقَ أبوابَه، وأنَّ الحلمَ الوحيدَ المتبقيَ هوَ التغييرُ الفعليُّ، وأنَّ "الجراحةَ" التي ستفصلُ الرئيسَ الأبديَّ عنْ كرسيِّه قدْ تكونُ وشيكةً، لأنَّ الضحكَ حينَ يُمنعُ، يصيرُ البكاءُ ثورةً.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire