.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(05) قاع الهامور والخراب المصري
في زمنٍ أصبحت فيهِ أزماتُ المصريينَ تتكدسُ كالملحِ على جروحٍ لا تندمل، وإذْ بالوطنِ يئنُّ تحتَ ثقلِ غلاءٍ معيشةٍ يكدحُ فيهِ المواطنُ ليُوفيَ نهارَهُ بطعامه، نكتشفُ فجأةً أنَّ "قاعَ الهامور" هوَ ما يشغلُ بالَ الجميع. مدينةُ سبونج بوب الخيالية التي كانَ أبطالُها يُسلّونَ أطفالَنا في التسعينيات، تحولتْ بينَ عشيةٍ وضحاها إلى ترندٍ مصريٍّ شامل، وكأنَّ السخريةَ منَ الواقعِ باتتْ هيَ السبيلَ الوحيدَ لتجنبِ البكاءِ على خرابٍ حقيقيٍّ يُحاصرُ الناسَ منْ كلِّ جانب. على فيسبوك، تأسستْ مجموعةٌ باسمِ "شكاوى أهالي قاعِ الهامور" لتجمعَ أكثرَ منْ مليونٍ ونصفِ مئةِ ألفِ عضوٍ في أيامٍ معدودة، وكأنَّ الجميعَ هجروا همومَهمُ اليوميةَ ليسكنوا في قاعِ المحيطِ معَ الإسفنجةِ الصفراءِ وأصدقائها، ليشتكوا هناكَ كما لوْ أنَّ "بسيط" و"شفيق" يعيشونَ معاناتَنا ذاتَها معَ غلاءِ الأسعارِ وانقطاعِ الكهرباءِ وتكدسِ المواصلاتِ .
المضحكُ حقاً أنَّ "قاعَ الهامور" تحولتْ بينَ ليلةٍ وضحاها منْ مدينةٍ كرتونيةٍ إلى كيانٍ افتراضيٍّ لهُ شوارعُ ومحلاتُ وعياداتٌ ومدارسُ، بلْ وتجدهُ يطرحُ إعلاناتٍ عنْ حفلاتٍ غنائيةٍ وإصداراتٍ فنيةٍ مستوحاةٍ منْ شخصياتِ المسلسل، وكأنَّ المصريينَ يبنونَ وطناً بديلاً في الأعماقِ لأنَّ الوطنَ الحقيقيَّ أصبحَ لا يُحتملُ . لقدْ صارتِ السخريةُ هيَ اللغةَ المشتركةَ التي تجمعُ المصريينَ على اختلافِ مشاربهم، فالجميعُ يبحثُ عنْ متنفّسٍ يهربُ بهِ منْ واقعٍ يئنُّ بالهموم، حتى باتَ التهكمُ على "قاعِ الهامور" وسيلةً للتنفيسِ عنْ غضبٍ مكتومٍ تجاهِ انهيارِ العملةِ وتآكلِ قيمةِ الجنيهِ أمامَ الدولارِ، وكأنَّ السباحةَ في قاعِ المحيطِ أسهلُ منَ السباحةِ في بحرِ أزماتِ القاهرةِ .
لكنَّ الأمورَ لمْ تمضِ على هذا النحوِ طويلاً، فسرعانَ ما استفاقَ "الواقعُ" منْ غفوتهِ وأدركَ أنَّ هذهِ المدينةَ الخياليةَ قدْ تشكلُ خطراً على أمنِ الدولةِ ذاتِها، فما إنْ بدأتِ المجموعةُ تنتشرُ وتجذبُ الملايينَ حتى ظهرتْ تحذيراتٌ أمنيةٌ عنْ وجودِ "أبعادٍ سياسيةٍ" خلفَ هذهِ الدعابةِ الجماعيةِ . فإذا كانَ المصريونَ يضحكونَ ويسخرونَ في مجموعةٍ على فيسبوك، فإنَّ هذا يعنيَ أنهمْ غيرُ راضينَ عنْ واقعهم، وإذا كانوا غيرَ راضينَ، فإنَّ السخريةَ قدْ تكونُ تمهيداً للثورةِ. ولذلك، لمْ يتأخرِ الأمرُ كثيراً حتى قيل أن القائمينَ على المجموعةِ وهمْ مراهقونَ دونَ الثامنةِ عشرةَ، قرروا تعليقَ نشاطِها مؤقتاً "لتقييمِ الموقفِ وطردِ العناصرِ غيرِ المرغوبِ فيها"، وكأنَّ المدينةَ العائمةَ في قاعِ المحيطِ أصبحتْ خاضعةً لقوانينِ الطوارئِ المصريةِ التي لا تتوانى عنْ ملاحقةِ أيِّ تجمعٍ ولوْ كانَ بينَ كائناتٍ بحريةٍ خياليةٍ .
إنَّ قصةَ "قاعِ الهامور" ليستْ مجردَ نكتةٍ عابرةٍ، بلْ هيَ مرآةٌ صادقةٌ لحالِ مجتمعٍ يبحثُ عنْ مفرٍّ في عوالمَ افتراضيةٍ لأنَّ عوالمَهُ الحقيقيةَ أضحتْ بلا طعمٍ، حيثُ يتحولُ المواطنُ في النهايةِ إلى مجردِ ممثلٍ في مسرحيةٍ عبثيةٍ لا يعرفُ متى يسقطُ الستارُ، ولا يعرفُ إنْ كانَ الضحكُ على "قاعِ الهامور" سيعيدُ لهُ قيمتَه المفقودةَ في عالمٍ أصبحَ فيهِ كلُّ شيءٍ أغلى منْ الحياةِ ذاتها.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire