.
خواطر هائم في عالم البهائم: (23) ملائكة نجوى فؤاد وأكاذيب حروب بول البعير
في عالم مليء بالخرافات والأساطير التي تنتقل عبر الأجيال كالعدوى، تبرز قصة مشاركة الملائكة في حروب المسلمين كواحدة من أروع الحكايات الخيالية التي أبدعها العقل الجمعي للمسلمين الأوائل، فهذه الملائكة التي يفترض أنها كائنات نورانية لامادية، لا تتبع قوانين الفيزياء ولا تخضع لمنطق السببية، نجدها فجأة تتحول إلى جنود مشاة يطعنون ويضربون ويقتلون في معركة بدر، وكأنها خرجت من فيلم هزلي من إنتاج هوليوود الرخيص، حيث تتناقض طبيعتها اللاروحية مع قدرتها على التأثير في المادة، وكأنها تمثل نموذجاً للتناقض الخلاق الذي لا يستقيم إلا في عقول من يؤمنون بأن الماء يحترق والنار تطفئ نفسها.
ففي غزوة بدر التي تعد أولى المعارك الإسلامية الفاصلة، يخبرنا التراث الإسلامي أن ثلاثة آلاف من الملائكة نزلوا من السماء لمؤازرة المسلمين، ومع هذا الجيش السماوي الضخم، كانت حصيلة القتلى من المشركين لا تتجاوز سبعين قتيلاً، بينما قُتل من المسلمين أربعة عشر رجلاً فقط، وبحساب النسبة والتناسب، نجد أن كل ملك من هؤلاء الثلاثة آلاف لم يتمكن إلا من قتل جزء ضئيل من عدو واحد، وهنا تبرز المفارقة العجيبة: لو أن هؤلاء الملائكة كانوا فعلاً قادرين على التأثير في المعركة، لكانت النتيجة أبشع بكثير، لكنهم يبدو أنهم كانوا مشغولين بالتصفيق والتشجيع بدلاً من القتال، أو ربما كانوا مثل نجوى فؤاد يؤدون رقصات شرقية على هامش المعركة لرفع الروح المعنوية للمقاتلين المسلمين، وهذا يفسر لماذا كان تأثيرهم رمزياً لا ملموساً.
إن القول بأن الملائكة قاتلت مع المسلمين في بدر، يحتاج إلى دليل من خارج المصادر الإسلامية، ولكن لا يوجد أي مصدر معاصر يوثق هذه المشاركة الإلهية، وهذا يعني أن القصة كلها من نسج خيال الرواة الذين أرادوا تضخيم الحدث وإضفاء الشرعية الدينية على العنف المبكر، أو ربما أرادوا منح جيش المسلمين الهزيل معنويات إضافية قبل المعركة، فكان اختراع هذه الخرافة أسهل من إعداد جيش حقيقي قادر على المواجهة، ومع ذلك، فإن هذا الاختراع الإلهي نال قبولاً واسعاً بين المسلمين لأنهم كانوا بحاجة إلى رواية تبرر هزيمتهم الأخلاقية والعسكرية.
وبالعودة إلى الأرقام، نجد أن معركة بدر التي شاركت فيها هذه الجيوش السماوية، حققت نتائج متواضعة جداً مقارنة بحروب البشر التي نعرفها، فهي لم تؤدِ إلى سيطرة سياسية حقيقية أو تغيير ديموغرافي كبير، ولم تكن سببا في إنهاء الصراع مع قريش، بل كانت مجرد بداية لحروب طويلة لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم، وكأن هذه الملائكة كانت تهدف فقط إلى إثبات أن الله مع المسلمين، بينما تركت التفاصيل الصعبة للمسلمين أنفسهم، وهذا يطرح تساؤلاً جوهرياً: إذا كانت الملائكة بهذه الدرجة من العجز، فلماذا استدعاهم المسلمون أصلًا؟ الجواب قد يكون ببساطة: لأن الحاجة إلى خرافة ترفع الروح المعنوية كانت أشد من الحاجة إلى جيش حقيقي.
أما في العصر الحديث، فقد استمرت هذه الخرافة في التمدد لتشمل صراعات معاصرة مثل حرب أفغانستان وطوفان الأقصى، لكن النتائج كانت أكثر إحراجاً من أي وقت مضى، ففي غزة وحدها، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 73 ألفاً، بينما لم يتجاوز القتلى الإسرائيليون 1600، أي أن نسبة القتلى تبلغ 45 فلسطينياً مقابل كل إسرائيلي واحد، وهذا يعني أن الله وملائكته في حروبهم الحديثة كانوا أكثر فشلاً من أسلافهم في بدر، فهم لم يكتفوا بعدم تحقيق نصر ساحق، بل تركوا أتباعهم يتعرضون لمذبحة جماعية غير مسبوقة، وكأن الملائكة تحولت من جنود مشاة إلى كشافة أطفال يحملون أعلاماً بيضاء، أو ربما تحولوا إلى راقصين شرقيين يؤدون عروضاً ترفيهية بينما يموت الأبرياء تحت الأنقاض.
وإذا كان هذا هو مستوى الأداء الإلهي في المعارك، فإن السؤال الأهم هو: هل كان الله يعلم أن هذه الحروب ستنتهي بهذه الطريقة المأساوية؟ أم أنه كان يراهن على قدرة ملائكته على تحقيق نصر ساحق ولكنه فوجئ بفشلهم جميعاً؟ الجواب بسيط: لأن القصة برمتها خرافة، والله الذي يتحدثون عنه ليس إلا انعكاساً لتطلعاتهم الشخصية، وهو فاشل مثلهم، وملائكته فاشلون أيضاً، وإلا فكيف نفسر أن ثلاثة آلاف ملك لم يتمكنوا من تغيير مجرى معركة صغيرة في بدر، ولم يتمكنوا من إنقاذ 73 ألفاً من الفلسطينيين اليوم؟ إنها ليست إلا قصة خيالية جميلة، مثل قصص ألف ليلة وليلة، لكنها تحولت إلى أداة لتبرير القتل والدمار باسم الدين، وهذا هو الفشل الحقيقي الذي لا تغفره حتى الخرافات.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire