Translate

تفكيك خرافة ذي القرنين القرآنية وسقوطها في ضوء العقل والمنطق (مقال)

.


.
تفكيك خرافة ذي القرنين القرآنية وسقوطها في ضوء العقل والمنطق والتاريخ





مقدمة

تعد قصة ذي القرنين من أكثر النصوص القرآنية إثارة للجدل، ليس فقط لأنها تحمل طابعاً أسطورياً واضحاً، بل لأنها تطرح إشكاليات معرفية وأخلاقية وتاريخية لا يمكن التوفيق بينها وبين أي تصور عقلاني للكون والإنسان. ففي زمن تسود فيه العلوم الدقيقة والمناهج النقدية، يصبح من العسير على أي عقل متحرر أن يتقبل فكرة ملك قديم سار إلى مشارق الأرض ومغاربها، وبنى سداً من حديد ونحاس بين جبلين لحماية البشرية من قوم همجيين سيُطلق سراحهم في نهاية الزمان. هذه القصة، التي تكرسها المؤسسات الدينية كحقيقة مقدسة، تنهار تحت وطأة المنطق والتاريخ والنقد النصي، لتكشف عن نفسها كإحدى الأساطير التي استعارها النص القرآني من التراث السرياني واليهودي، ثم أعاد صياغتها بما يتلاءم مع السياق الثقافي والديني للجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي. ولكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة: هل يمكن لنص ادعى العصمة الإلهية أن يحتوي على مثل هذه الخرافات؟ الجواب، من منظور العقل والمنطق، هو نفي قاطع، لأن القصة ليست فقط غير قابلة للإثبات التاريخي، بل إنها تتعارض مع كل ما نعرفه عن الجغرافيا والفيزياء وعلم الإنسان، والأكثر إشكالية أنها تحمل رؤية أخلاقية مشوهة عن الإله الذي يخلق شراً ثم يحبسه ثم يطلقه في وقت لاحق ليعم الفساد في الأرض، وكأنه مهندس دراما عبثية لا معنى لها سوى إثبات هيمنته المطلقة على مصير البشر.




الهوية الغامضة لذي القرنين بين التاريخ والأسطورة

تبدأ الإشكالية الأولى مع شخصية ذي القرنين نفسها، ذلك أن النص القرآني يقدمه كملك صالح آتاه الله من كل شيء سبباً، لكنه يمتنع عن تسميته أو تحديد هويته بدقة، تاركاً الباب مفتوحاً أمام مئات التخمينات التي تملأ كتب التفسير والتاريخ الإسلامي. بعض المفسرين قالوا إنه الإسكندر الأكبر، استناداً إلى الأساطير السريانية التي صورت الإسكندر كملك مؤمن بنى سداً ردماً، بينما ذهب آخرون إلى أنه كورش الفارسي، أو أحد ملوك اليمن الحميريين، أو حتى ملك من ملوك الصين. هذا التضارب في تحديد الهوية ليس مجرد خلاف ثانوي عابر، بل هو دليل جوهري على أن القصة لم تكن مبنية على معرفة تاريخية يقينية، بل على روايات شفهية متناقلة من ثقافات مختلفة، مزجت بين الإسكندر الفاتح وبطل ملحمة جلجامش وبعض الملوك الأسطوريين في الشرق الأدنى القديم. والأمر الأكثر إثارة للريبة هو أن الإسكندر الأكبر، الذي يجمع معظم الباحثين على أنه النموذج الأقرب لقصة ذي القرنين، كان وثنياً يونانياً لم يؤمن بالله الواحد، وهذا يتناقض تماماً مع صورة الملك الموحد المؤمن التي يرسمها القرآن. فكيف يمكن لنبي أو ملك أوحى إليه الله أن يكون نفس الشخص الذي كان يعبد الآلهة اليونانية ويتخذ من الكهنة الوثنيين مستشارين له؟ هذا التناقض يكشف أن النص القرآني لم يكن مهتماً بالحقيقة التاريخية بقدر ما كان مهتماً باستعارة قصة جاهزة ثم إعادة صياغتها لتناسب الخطاب الدعوي الجديد، وهو ما يؤكد أن القصة ليست وحياً إلهياً بل نتاج تفاعل بشري مع الأساطير السائدة في بيئة الحجاز التي كانت تعج بالروايات التوراتية والإنجيلية والسريانية.

أما الذين حاولوا إرجاع ذي القرنين إلى كورش الكبير فإن حجتهم تنهار أيضاً أمام نصوص التوراة والتاريخ الفارسي، ذلك أن كورش لم يوصف قط في أي مصدر قديم بلقب "ذي القرنين"، ولم تذكر المصادر أنه بنى سداً من حديد في أقصى الشرق، بل كان مشغولاً بتحرير اليهود من السبي البابلي وتوسيع إمبراطوريته غرباً لا شرقاً. وإذا انتقلنا إلى الفرضية اليمنية، فإنها تبدو أكثر ضعفاً لأن ملوك اليمن المعروفين لم يبلغوا من القوة والسلطان ما يجعلهم يصلون إلى أطراف الأرض ويواجهون أقواماً أسطورية مثل يأجوج ومأجوج. هذا الغموض المتعمد، أو الناتج عن عدم معرفة المصدر الأصلي، يدفع العقل الناقد إلى التساؤل: لماذا يصمت النص القرآني بهذا الشكل عن اسم الشخصية المحورية في القصة، بينما يذكر أسماء أنبياء آخرين بتفاصيل أكثر وضوحاً؟ الإجابة المنطقية هي أن النص لم يكن يعرف الاسم الحقيقي لأنه كان ينقل رواية شفهية مبتورة، أو أنه تعمد إبقاء الأمر غامضاً لتجنب مواجهة الأسئلة التاريخية المحرجة التي كان سيثيرها تحديد هوية الملك على وجه الدقة. وفي كل الأحوال، فإن هذا الغموض لا يخدم قدسية النص، بل يكشف عن طبيعته البشرية التي تأثرت بالروايات المتضاربة التي كانت تتردد في أسواق مكة والمدينة.




يأجوج ومأجوج بين الأسطورة السريانية والواقع الجغرافي

أما الفصل الأكثر غرابة في هذه القصة فهو الحديث عن يأجوج ومأجوج، ذلك القوم المفسدين الذين حاصرهم ذو القرنين خلف سد عظيم، في انتظار أن يأذن الله لهم بالخروج في آخر الزمان ليعيثوا فساداً في الأرض. من الناحية التاريخية، فإن مصطلح يأجوج ومأجوج ليس إلا تحريفاً للكلمتين العبريتين "غوغ وماغوغ" اللتين وردتا في سفر حزقيال التوراتي، حيث يظهر غوغ كزعيم شرير يقود جيوشاً من أرض ماغوغ لمحاربة شعب الله، ثم في رؤيا يوحنا حيث تتحول ماغوغ إلى رمز للشعوب الوثنية التي ستحارب المسيح في نهاية الأزمنة. هذا المصطلح انتقل إلى التراث السرياني المسيحي بصيغته المحرفة "ياجوج وماجوج"، ومن هناك تسرب إلى الثقافة العربية عبر القصص الشعبية التي كان يروح بها اليهود والنصارى في مناطق الشام والعراق، فاستعاره القرآن واستعمله كأداة ترهيبية لإثارة الخوف من الآخر المجهول. لكن المشكلة التاريخية تنشأ عندما نبحث عن هذه الأقوام في أي خريطة جغرافية قديمة أو حديثة، فلا نجد أثراً لهم لا في أرمينيا ولا في القوقاز ولا في الصين ولا في أي بقعة من العالم، رغم أن المفسرين حاولوا إسقاطهم على شعوب مثل التتار والمغول والترك، لكن كل هذه المحاولات فشلت لأنها لا تتطابق مع الوصف القرآني الذي يتحدث عن قوم خلف سد حديدي لا يمكن اختراقه، وهذا السد غير موجود على الأرض ولا توجد أي بقايا له ولا أي أثر مادي، بل ولا أي ذكر له في أي مصدر تاريخي غير إسلامي.

والأكثر من ذلك، أن الوصف الجغرافي للقصة يبدو ساذجاً من الناحية العلمية، فالقرآن يصور ذا القرنين وهو يسير حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة، وهذا التعبير يفهم منه ظاهرياً أن الشمس تغرب في ماء أو وحل، وهو ما يتناقض تماماً مع الحقائق الفلكية الثابتة التي تقول إن الشمس لا تغرب في مكان محدد على الأرض، بل إن غروب الشمس هو ظاهرة بصرية ناتجة عن دوران الأرض حول نفسها، والشمس أكبر من الأرض بمليون مرة ولا يمكن أن تغرب في عين حمئة على الإطلاق. لقد حاول المفسرون المعاصرون التملص من هذا الإشكال بتأويل "عين حمئة" إلى أنه تعبير مجازي يعني أن الشمس بدت في الأفق وكأنها تغرب في البحر، لكن هذا التأويل يتعارض مع النص الذي يتحدث عن بلوغ مكان محدد ورؤية مشهد مادي، وليس مجرد إدراك بصري عابر. فلو كان ذو القرنين قد سار إلى أقصى الغرب، فأين هو هذا المكان اليوم؟ هل يوجد على شواطئ المحيط الأطلسي أي مكان يبدو فيه غروب الشمس كأنه في عين حمئة؟ الإجابة هي لا، لأن هذا الوصف ينتمي إلى الأساطير القديمة التي كانت تعتقد أن الأرض مسطحة ولها نهايات تصل إليها الشمس عند المغيب والمشرق، لكن العلم الحديث أثبت كروية الأرض وأن الشمس لا تشرق ولا تغرب على إنسان بعينه، بل هي ثابتة نسبياً والحركة هي حركة الأرض. هذا التناقض العلمي الفادح يؤكد أن النص ليس من عند خالق الكون الذي يعرف حقائق الفيزياء والفلك، بل هو من نتاج ثقافة بشرية كانت تعيش في إطار النموذج الأرضي المسطح للكون، وهو النموذج السائد في الشرق الأدنى القديم.

أما مسألة السد المصنوع من حديد ونحاس الذي بناه ذو القرنين بين الجبلين، فهي تبدو أقرب إلى حكايات ألف ليلة وليلة منها إلى الوقائع التاريخية الممكنة، لأن بناء سد بهذه المواد وبذلك الحجم الضخم لاحتجاز شعوب بأكملها يتطلب تكنولوجيا متطورة جداً لا تتوفر في العصور القديمة، ولا يقتصر الأمر على التكنولوجيا بل إن المنطق الفيزيائي نفسه يرفض إمكانية احتجاز بشر خلف سد من الجبال، إذ كيف يمكن لجماعة بشرية أن تبقى خلف جبلين دون أن تتسلق الجبال أو تحفر تحتها أو تهاجم السد من الخارج أو تموت جوعاً وعطشاً بسبب الحصار؟ إن وصف يأجوج ومأجوج وكأنهم سجناء في زنزانة جغرافية ضخمة هو وصف طفولي لا يقارن مع أي حالة تاريخية أو أنثروبولوجية لشعوب عاشت في العزلة الجغرافية، فحتى أكثر الشعوب انعزالاً مثل قبائل الأمازون أو سكان جزر أندامان لم يكونوا مسجونين خلف سدود من حديد، بل كانوا يعيشون في مناطق نائية بسبب الظروف الطبيعية وليس بسبب بناء بشري خارق. وإذا كان القرآن يصف هؤلاء القوم بأنهم "لا يكادون يفقهون قولاً"، فكيف استطاعوا أن يتواصلوا مع ذي القرنين؟ وكيف استطاعوا هم أن يطلبوا منه بناء السد إذا كانوا لا يفهمون الكلام؟ هذا تناقض لغوي ومنطقي آخر يضاف إلى سلسلة التناقضات التي تعج بها القصة.




الإشكالية الأخلاقية في خلق الشر وتأجيله

لكن المعضلة الأعمق في قصة ذي القرنين ليست تاريخية ولا جغرافية ولا علمية، بل هي معضلة أخلاقية فلسفية، تتعلق بفكرة الإله الذي يخلق أقواماً مفسدين في الأرض، ويعلم أنهم سيكونون كذلك، ثم يبعث ملكاً صالحاً ليحبسهم خلف سد، ثم ينتظر قيام الساعة ليطلق سراحهم مرة أخرى فيعيثوا فساداً كبيراً في الأرض، وكأنه يستمتع بخلق دراما العنف والشر التي تتكرر على مر العصور. إن أي عقل منطقي سيسأل مباشرة: إذا كان الله عالماً بكل شيء وقادراً على كل شيء، فلماذا خلق يأجوج ومأجوج أصلاً وهو يعلم أنهم سيكونون مصدر فساد وشر للبشرية؟ ولماذا لم يعدهم بمحوهم من الوجود بدلاً من حبسهم مؤقتاً؟ ولماذا يؤجل عقابهم أو إفنائهم إلى آخر الزمان ليفتكوا بمن سيعيشون في ذلك الوقت، بينما يعفو عن البشر الذين يعيشون اليوم؟ هذه الأسئلة ليست مجرد تشكيك عقيم، بل هي أسئلة مشروعة تفضح الفوضى الأخلاقية في هذا التصور الإلهي، فالرحمة الإلهية التي يزعمها القرآن تفترض أن تكون شاملة لكل زمان ومكان، لكن ما نجده في قصة يأجوج ومأجوج هو عكس ذلك تماماً، حيث يتوقف مصير البشر على التوقيت الزمني الذي يختاره الله، وكأن حياة الناس اليوم ليست بقيمة حياة الناس غداً. هذا النوع من "الرحمة المؤجلة" هو أشبه برحمة طاغية يحبس سجيناً ثم يطلقه بعد حين ليفتك بالآخرين، ثم يدعي أنه رحيم لأنه أجل التنفيذ، لكن الحقيقة أن الإرجاء لا يغير من طبيعة الفعل شيئاً، فمن يخلق الشر ويتيح له الفرصة لينتشر ليس رحيماً بل هو شريك في ذلك الشر، سواء بفاعلية مباشرة أو بإرادة صامتة.

يحاول بعض اللاهوتيين الدفاع عن هذا التناقض بالقول إن الشر ضروري لظهور الخير، وأن الله يخلق الشر ليختبر الإنسان أو ليعلمه الصبر أو ليعزز إرادته الحرة. لكن هذه المبررات تنهار بسرعة أمام قصة يأجوج ومأجوج، لأن هؤلاء القوم لا يوصفون بأنهم بشر يخضعون لامتحان أو يمتلكون إرادة حرة، بل هم أشبه بقوى طبيعية عمياء، "لا يكادون يفقهون قولاً"، أي أنهم غير عاقلين ولا يتحملون مسؤولية أخلاقية عن أفعالهم، بل خلقوا مفسدين بطبعتهم وليس باختيارهم، وبالتالي فإن معاقبتهم أو السماح لهم بالإفساد يكون غير مبرر أخلاقياً، لأن العقاب يفترض وعياً وإرادة، وهما مفقودان في حالتهم. وإذا كان الله هو من خلقهم على هذه الصفة دون خيار منهم، فلماذا لا يعدل عن خلقتهم أو يغير طبيعتهم؟ لماذا يحتاج إلى سد حديدي ليحفظ البشر من شرهم، بدلاً من أن يحول دون خلقهم من الأساس؟ إن الإجابة الوحيدة المنطقية على هذه الأسئلة هي أن القصة هي نتاج بشر يعيشون في بيئة تعج بالصراعات القبلية والأساطير الفارسية والرومانية، فاستعاروا نموذج "العدو الهمجي الخارق" كأداة لتوحيد جماعتهم حول الخوف من الآخر، ولتبرير سلطة الملك أو القائد الذي يحمي المجتمع من ذلك العدو الخرافي. وما يعزز هذه القراءة هو أن يأجوج ومأجوج يظهران في آخر الزمان في سياق إسكاتولوجي يهدف إلى إثارة الرهبة والخوف، وكأن الدين لا يستطيع أن يقوم على الحب والرحمة وحدها، بل يحتاج إلى التهديد بالفساد الشامل لإبقاء الناس في حالة من الانقياد والخضوع.




النقد النصي والتاريخي وأزمة المصدر

عندما ننتقل إلى مستوى النقد النصي، نجد أن قصة ذي القرنين تعاني من مشكلة أكثر جوهرية، وهي أنها ليست جزءاً من النص القرآني الأولي الثابت، بل هي جزء من الطبقة السردية التي تشكلت عبر عقود من التدوين والتحريف، وهو ما تؤكده الدراسات الأكاديمية الحديثة التي تعامل القرآن كوثيقة تاريخية وليس كنص مقدس معصوم. تبين المخطوطات القديمة للقرآن، مثل مخطوطات صنعاء التي تم اكتشافها في السبعينيات، وجود اختلافات واضحة في النصوص والترتيب، مما يدل على أن القرآن لم يكن كتاباً موحداً ومضبوطاً خلال القرن الأول الهجري، بل كان مجموعة نصوص متحركة قابلة للتغيير والحذف والإضافة. قصة ذي القرنين نفسها، رغم أنها وردت في سورة الكهف التي تعتبر مكية، إلا أن سياقها التاريخي يوحي بأنها أضيفت أو تم توسيعها في فترة لاحقة، لأنها تتناغم مع الصراعات السياسية في العصر الأموي والعباسي، حيث كان الخلفاء يبحثون عن شرعية تاريخية لسلطانهم الواسع من خلال ربط أنفسهم بملوك الفاتحين مثل الإسكندر. ومن الملاحظ أن القصة لا تحتوي على أي إشارة إلى العرب أو الجزيرة العربية، ولا تتناسب مع واقع مجتمع مكة الذي كان يعاني من الفقر والصراعات القبلية الضيقة، وهذا يجعلها تبدو وكأنها دخيلة على النص المكي، وكأنها مستعارة من بيئة ثقافية مختلفة تماماً، ربما من الأدب السرياني المسيحي الذي كان منتشراً في المناطق الشمالية من الجزيرة العربية.

أما مسألة أسباب النزول، تلك القصص التي يزعم المفسرون أنها تشرح السياق الذي نزلت فيه الآيات، فإنها لا تقدم أي حل للإشكالات التاريخية، بل تضيف طبقة أخرى من الخرافة فوق الخرافة الأصلية، لأن أسباب النزول نفسها متضاربة ومتناقضة، وتحمل توقيع رواة عاشوا في عصور متأخرة ولم يكونوا شهوداً على أي من الأحداث المذكورة. ففي قصة ذي القرنين، نجد روايات مختلفة تذكر أن النبي محمد سُئل عن ذي القرنين من قبل يهود المدينة، أو من قبل مشركي قريش الذين ذهبوا ليسألوا أحبار يهود، وتقدم كل رواية تفاصيل مختلفة ومتعارضة، مما يعني أن هذه الروايات أُلفت بعد وفاة النبي بفترة طويلة لتفسير آيات كانت غامضة أصلاً، ولم تكن لتحمل أي سياق تاريخي معروف. وهذا التضارب يطرح سؤالاً مهماً: لماذا يحتاج القرآن إلى أسباب نزول متعددة ومتعارضة لآية واحدة؟ لماذا لم يذكر القرآن نفسه السياق التاريخي لقصته إذا كان مهتماً بالواقعية والموعظة؟ الإجابة التي يقدمها المنهج النقدي هي أن أسباب النزول هي اجتهادات لاحقة خلفها المفسرون لملء الفراغات التي تركها النص الغامض، وأن هذه الاجتهادات ليست ملزمة ولا تمتلك أي قيمة معرفية، بل هي جزء من تراث تأويلي يهدف إلى إضفاء الشرعية على النص وليس إلى فهمه فهماً موضوعياً.

وإذا أضفنا إلى ذلك الشكوك القوية حول زمن كتابة النص القرآني نفسه، حيث يذهب العديد من الباحثين الغربيين إلى أن القرآن لم يُكتب بالشكل النهائي المعروف اليوم إلا في العصر العباسي، أي بعد حوالي مائتي عام من وفاة النبي المزعومة، فإن كل الجدال حول تفسير قصة ذي القرنين يصبح نقاشاً في الفراغ، لأننا لا نتعامل مع نص محدد المصدر بل مع تراكب من الروايات والقراءات والتفسيرات التي تداخلت عبر الزمن. ففي ظل هذه المعطيات، يصبح من السذاجة الاعتقاد بأننا أمام كلمة الله المنزلة على نبيه، بل ما أمامنا هو نسيج معقد من الثقافات المختلفة، حيك على مراحل متعددة ليخدم أغراضاً سياسية ودينية متنوعة، وقصة ذي القرنين ليست سوى خيط واحد في هذا النسيج. وبالتالي، فإن أي محاولة لتقديم تأويل معاصر لهذه القصة، مثل تأويل محمد عبده ورشيد رضا الذي يرى فيها رمزاً للصراع بين قوى الخير والشر، أو تأويل الجماعات الإسلامية الذي يراها نبوءة عن صراع الحضارات، هي مجرد إسقاطات أيديولوجية لا تمت إلى النص الأصلي بصلة، لأن النص الأصلي نفسه غائب عنا ولا نملك وسيلة للتحقق منه.




انهيار التأويلات الرمزية وفشلها المعرفي

يحاول بعض المحدثين من المشايخ والمفكرين إنقاذ قصة ذي القرنين من التناقضات العلمية والتاريخية عن طريق إعادة تفسيرها تفسيراً رمزياً، فيقولون إن يأجوج ومأجوج يرمزون إلى قوى الفساد الاجتماعي كالإمبريالية والاستعمار والظلم، وأن السد الحديدي يرمز إلى المؤسسات الأخلاقية والدولية التي تحبس هذه القوى، وأن آخر الزمان هو إشارة إلى لحظة انهيار القيم الأخلاقية في العالم. ولكن هذا التأويل، على جاذبيته الخطابية، ينهار تحت وطأة معايير المنهج العلمي والنقد النصي، لأن النص القرآني لا يقدم أي دليل على أنه يقصد الرمز، بل يصر على التفاصيل المادية التي تحيل إلى واقع جغرافي وتاريخي ملموس، كالحديد والنحاس والجبلين والشمس التي تغرب في عين حمئة. ولو كان الله يريد أن يرمز بقصة ذي القرنين إلى صراع الخير والشر بشكل مجرد، لما احتاج إلى ذكر كل هذه التفاصيل الحسية، وكان بإمكانه أن يطرح الموعظة بشكل مباشر بدون هذه الزخارف الأسطورية التي لا تخدم الرسالة الأخلاقية بل تشوشها وتضيف إلى القرآن عبئاً تفسيرياً هائلاً.

والأكثر خطورة في هذا المنحى الرمزي أنه يفتح الباب أمام تأويلات لا حصر لها، فكما يمكن أن نقول إن يأجوج ومأجوج يرمزان إلى الاستعمار الغربي، يمكن أيضاً أن نقول إنهما يرمزان إلى الإسلام نفسه، كما يمكن أن نقول إن ذا القرنين يرمز إلى العقل العلماني أو إلى الزعيم السياسي الفلاني، وهذا التعدد اللانهائي للتأويلات يدمر أي معنى ثابت للنص، ويجعله مجرد مرآة تعكس ما يريد المفسر أن يراه، لا ما يقوله النص بالفعل. وإذا كان المسلمون يرفضون تأويل النص بما يخدم أغراضاً معادية للإسلام، فليس لديهم مبرر منطقي لرفض ذلك، لأن المنهج نفسه الذي يستخدمونه لتأويل القصة بما يخدم مصالحهم هو نفسه يمكن لأعدائهم أن يستخدموه لتأويلها ضدهم. هذه المعضلة المنهجية تثبت أن التأويل الرمزي ليس حلاً علمياً، بل هو هروب من مواجهة الحقائق، وهو اعتراف ضمني بأن القصة لا تحتمل المعنى الحرفي، وأن المفسرين يحاولون جاهدين إيجاد مخرج لها من التناقضات التي لا يمكن حلها.

إن الخرافة، تعريفاً، هي الاعتقاد بقصة أو حدث لا يستند إلى دليل مادي أو منطقي، ويتناقض مع المعرفة العلمية الراسخة. وبموجب هذا التعريف، فإن قصة ذي القرنين تأجوج ومأجوج هي خرافة بكل المقاييس، لأنها تفترض وجود سد حديدي ضخم غير موجود على الأرض، وتفترض وجود قوم أسطوريين محبوسين خلف ذلك السد، وتفترض أن الشمس تغرب في عين حمئة، وتفترض أن ملكاً قديماً وصل إلى نهايات الأرض كلها في رحلة واحدة، وهذا كله لا يمكن إثباته بأي دليل مادي ولا تاريخي، بل يتناقض مع ما نعرفه من الجغرافيا والفيزياء والأنثروبولوجيا. وإذا كان النص القرآني يحوي مثل هذه الخرافات في ثناياه، فكيف يمكن الإبقاء على ادعاء العصمة الإلهية والإعجاز العلمي؟ لقد انكشفت هذه الحيلة الدفاعية منذ زمن طويل، عندما حاول بعض الدعاة التوفيق بين القرآن والعلوم الحديثة، وقالوا إن كل آية في القرآن تحمل إعجازاً علمياً، ثم تفاجأوا بأن القرآن يصف الشمس والقمر والسماء والجبال بوصف بدائي يعكس تصورات أهل الصحراء في القرن السابع، وليس تصورات خالق الكون المطلق العلم. وقصة ذي القرنين هي واحدة من أبرز الأدلة على هذا الفشل الإعجازي، لأنها تطرح نموذجاً للكون يتناقض تماماً مع النموذج العلمي الحديث، ولا يمكن تأويله تأويلاً مقبولاً إلا بتحريف اللغة والابتعاد عن السياق.




الخلاصة في سقوط الأسطورة

في النهاية، تبقى قصة ذي القرنين شاهداً حياً على طبيعة النص القرآني كنتاج بشري، امتص العناصر الأسطورية من البيئات المجاورة وأعاد صياغتها في قالب ديني ليناسب الجماعة المسلمة الناشئة. إنها ليست آية من آيات الله، بل هي صفحة من تاريخ الأفكار البشرية التي شكلتها الخرافات والصراعات السياسية والأحلام بالسلطة الكونية. والعقل الذي يرفض هذه الخرافة، ويمضي نحو التنوير والمعرفة، ليس عاقاً أو مكابراً، بل هو عقل يؤمن بأن الحقيقة لا تحتاج إلى أساطير، وأن الأخلاق لا تحتاج إلى تهديدات أخروية، وأن الله الحقيقي، إن وجد، لا يحتاج إلى سد من حديد ليحمي خلقه من شر خلقه الآخرين، بل يخلقهم جميعاً على الفطرة والحكمة، ولا يميز بين جيل وجيل في رحمته وعدله. إن قصة ذي القرنين، في ضوء العقل والمنطق، ليست مجرد خطأ تاريخي أو علمي، بل هي أزمة أخلاقية ومعرفية، تعكس عجز الإنسان القديم عن تفسير العالم بعيداً عن الأسطورة، وتعكس أيضاً استغلال الدين لجهل الناس وخوفهم من المجهول، من أجل تثبيت سلطة النخب المفسرة والحكام المتوجين باسم السماء. ومع تقدم العلم واتساع دائرة المعرفة، تتهاوى هذه الأساطير واحدة تلو الأخرى، وتصبح مجرد شواهد على مراحل تطور الوعي الإنساني، لا على حقائق مطلقة يجب الإيمان بها، وعلينا أن نتعامل معها كما نتعامل مع أساطير الإغريق والفرس، بوصفها تراثاً ثقافياً يستحق الدراسة والنقد، لا بوصفها كلمات إلهية يجب الخضوع لها دون سؤال أو تمحيص. ومن هنا، فإن سقوط خرافة ذي القرنين هو انتصار للعقل البشري على الخرافة، وانتصار للعلم على التخاريف، وانتصار للحرية الفكرية على الإكراه الديني، وهي انتصارات تدفع البشرية قدماً نحو مستقبل أكثر وعياً وإنسانية.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...