.
.
ثرثرة الحيزبون في معاني سورة الماعون
تمهيد
منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً، يُقدّم القرآن الكريم للمسلمين على أنه كتاب معجز، متماسك البناء، واضح الدلالة، كافٍ بنفسه لإرشاد البشرية إلى سواء السبيل. ومن أبرز ما يتردد في الخطاب الديني أن القرآن "نزل بلغة عربية مبينة"، وأنه "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، وأن أي إنسان يقرؤه بعين مجردة سيهتدي إلى معانيه دون حاجة إلى وسيط أو شارح. لكن حين نأخذ أحد نصوص هذا الكتاب، ونتأمله تأملاً لا يسبقه إيمان ولا تراث، نجد أنفسنا أمام بنية غريبة، أشبه بفسيفساء مبعثرة، تنتقل بين الموضوعات دون مقدمات، وتطرح أسئلة ولا تجيب عنها، وتطلق أحكاماً جزافية دون أن تبني لها أسباباً. سورة الماعون، وهي سورة قصيرة تعد على الأصابع بسبع آيات، خير شاهد على هذه الظاهرة. ليست السورة مجرد مثال عابر على ضعف التماسك النصي، بل هي نموذج جوهري يكشف عن أزمة بنيوية في منطوق القرآن ذاته. إنها، بعبارة أدق، ثرثرة حيزبونية، تجمع بين عناصر لا تربطها خيوط منطقية، وتقفز بين الشخصيات والأفعال دون أن تبني حجة، وتترك القارئ حائراً بين ما يقرأ وما يفترض أن يفهمه، وكأن النص يرفض أن يكون مفهوماً، ويريد أن يظل لغزاً لا يحله إلا الذين اشتروا الضلالة بالهدى، كما يقولون في تراثهم.
السورة نصاً خاماً
لنبدأ بقراءة السورة كما هي، بلا زيادة ولا نقصان، بلا تفسير ولا تأويل، بلا سبب نزول ولا مفسر. يقول النص: "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ". هذا هو النص بكل بساطته الظاهرية وتعقيداته الخفية. يبدأ بسؤال استنكاري عن شخص يكذب بالدين، ثم يصف هذا الشخص بأنه يدع اليتيم ولا يحض على إطعام الفقير، ثم ينتقل فجأة بواو الفاء إلى تهديد المصلين بالويل، ثم يصف هؤلاء المصلين بأنهم ساهون عن صلاتهم، مراءون، مانعون للماعون.
أي قارئ عربي، مهما كان مستوى تعليمه، سيشعر بالحيرة إزاء هذه القفزة الهائلة بين الآية الثالثة والرابعة. كنا نتحدث عن المكذب بالدين، فجأة نجد أنفسنا أمام المصلين، دون أن يوضح النص ما العلاقة بين الطائفتين. هل المصلون هم أنفسهم المكذبون؟ أم أنهم طائفة أخرى؟ النص لا يجيب، وكأنه يفترض أن القارئ يعرف شيئاً لا يعرفه، أو أن لديه مفتاحاً سحرياً يربط بين ما لا يرتبط. ثم ننتقل إلى وصف المصلين بصفات ثلاث: السهو عن الصلاة، الرياء، ومنع الماعون. وهنا يبرز سؤال آخر: ما الماعون؟ النص لا يفسر، وكأن الكلمة معروفة لكل أحد، وهي ليست كذلك، بل هي من غريب اللغة التي يحتاج شرحها إلى معاجم وتفاسير، وهذا يناقض ادعاء الوضوح والبيان الذي يعلن عنه القرآن في مواضع أخرى.
اللغة بين الوضوح والغموض
اللغة العربية، في أصولها البلاغية والنحوية، تقوم على التماسك والترابط. الجمل تتصل بعضها ببعض عبر أدوات العطف والضمائر والروابط المنطقية. حين نقرأ معلقة امرئ القيس، أو خطبة قس بن ساعدة، أو أي نص نثري أو شعري من العصر الجاهلي أو صدر الإسلام، نجد أن هناك خيطاً ناظماً يسير عليه النص، بداية ووسطاً ونهاية. لكن سورة الماعون تخلو تماماً من هذا الخيط. إنها مجموعة من الصور المتقطعة، أشبه بلوحات فنية معلقة على جدران دون أن يربط بينها موضوع مشترك.
فمثلاً، حين يقول النص "فذلك الذي يدع اليتيم"، نجد أن الفعل "يدع" يحمل معنى الدفع والعنف، لكن النص لا يذكر لنا لماذا يدفع اليتيم، وكيف يتجلى هذا الدفع، وما العاقبة التي تنتظره. ثم يقول "ولا يحض على طعام المسكين"، أي أنه لا يحث الناس على إطعام الفقراء، لكن النص لا يذكر هل هذا الفعل مقصور على المكذبين وحدهم، أم أنه صفة عامة للظالمين، وما هو الموقف المطلوب من المؤمنين تجاه هذه الظاهرة. ثم تأتي القفزة الكبرى إلى المصلين، وكأن النص يتحدث عن عالمين متوازيين لا يلتقيان، أو وكأنه يئس من إكمال الحديث عن المكذبين، فانتقل إلى شريحة أخرى من المجتمع دون أن يخبرنا لماذا.
هذا الغموض اللغوي والتركيبي يجعل السورة نصاً مفتوحاً على عشرات التأويلات، وهو عكس ما يزعمه المؤمنون من أن القرآن كتاب مبين. فالبيان يعني الوضوح والجلاء، لكن سورة الماعون، في صورتها الخام، هي نص غامض، محتاج إلى مفسرين ومحدثين وفقهاء ولغويين ليفكوا طلاسمه، وهذا دليل على أنه نص لا يقوم على ذاته، بل يقوم على غيره من الشروح والحواشي.
التفاسير: محاولات يائسة لإنقاذ النص
عندما ننتقل إلى التفاسير، نجد أن المفسرين، من الطبري إلى القرطبي إلى ابن كثير، يحاولون جاهدين إيجاد روابط مفقودة بين أجزاء السورة. هم يعلمون أن القارئ سيشعر بالحيرة، فيأتون بأسباب النزول، وبأقوال الصحابة والتابعين، وبوجوه الإعراب والقراءات، ليصنعوا معنى متماسكاً يبرر هذه القفزات وهذا الغموض.
فمثلاً، يزعم المفسرون أن السورة نزلت في أبي جهل أو الوليد بن المغيرة، وأنها تنتقد المشركين الذين يكذبون بالبعث والحساب، ويسيئون معاملة الضعفاء، ثم تنتقل إلى نقد المنافقين الذين يصلون لكن بلا خشوع، ويراءون بصلاتهم، ويمنعون الزكاة أو المعونة. لكن هذا التفسير لا يخلو من إشكالات كبرى. أولها أنه افتراضي بحت، فليس هناك دليل قاطع على أن السورة نزلت في هؤلاء الأشخاص بالذات، فالقرآن يخلو من الأسماء والأعلام في هذا السياق. ثانيها أنه يخلق رباطاً بين فئتين مختلفتين، المشركين والمنافقين، دون أن يكون هناك نص صريح في السورة يربط بينهما. ثالثها أنه يحتاج إلى مصادر خارجية، كالسيرة النبوية وأسباب النزول، وهي مصادر لا تخلو من تناقضات وضعف في الأسانيد، مما يجعل التفسير كله معلقاً في الهواء.
ما يفعله المفسرون هو محاولة يائسة لإنقاذ النص من تفككه الداخلي. هم يضطرون إلى استيراد معانٍ من خارج السورة لتفسير ما بداخلها، وهذا يعكس عجز النص عن توصيل رسالته بنفسه. فالقرآن يزعم أنه "تبيان لكل شيء"، لكنه في هذه السورة يحتاج إلى شروحات وتفاسير وأقوال طوال ليصبح مفهوماً، وهذا تناقض صارخ بين الدعوى والواقع.
التناقض بين الإيمان والأخلاق في ضوء السورة
من أبرز ما تطرحه السورة هو الربط بين الإيمان والأخلاق، فهي توحي بأن من يكذب بالدين لا بد أن يكون سيئ الأخلاق، ومن يؤمن بالدين لا بد أن يكون صالحاً. لكن هذا الربط لا يصمد أمام الواقع التاريخي ولا أمام الواقع المعاصر. فالتاريخ الإسلامي المبكر، الذي شهد عصر الصحابة والتابعين، كان مليئاً بالفتن والاقتتال والخلافات الدامية، حيث قتل بعض الصحابة بعضاً، ونهبت الأموال، وانتهكت الحرمات، وهذا يشير إلى أن الإيمان بالدين لم يكن كافياً لمنع الوقوع في الخطايا والجرائم.
كما أن المجتمعات غير الدينية، كالمجتمع الياباني المعاصر، حققت مستويات عالية من التضامن الاجتماعي والأخلاقي، دون أن تكون ملتزمة بدين سماوي أو بكتاب مقدس. وهذا ينسف الافتراض القرآني بأن الأخلاق مرتبطة بالإيمان، ويجعل من السورة مجرد كلام إنشائي لا يعكس حقيقة العلاقة بين العقيدة والسلوك. فلو كان القرآن كتاباً عالمياً صالحاً لكل زمان ومكان، لكان ينبغي له أن يقدم رؤية أخلاقية تقوم على أسس عقلية وإنسانية، لا على التهديد والتخويف والربط الوهمي بين التكذيب وسوء المعاملة.
الاستهلاك البلاغي للفقراء والمساكين
تلاحظ في السورة استغلالاً بلاغياً لمشاعر الفقراء واليتامى والمساكين، من أجل توجيه سهام النقد إلى الخصوم الدينيين. فالنص يتحدث عن اليتيم وعن إطعام المسكين، لكنه لا يقدم حلاً عملياً لهذه المشاكل، بل يستخدمها كأداة إدانة أخلاقية لمن يكفرون أو لمن يصلون دون خشوع. هؤلاء الفقراء والمساكين ليسوا محور الاهتمام الحقيقي في السورة، بل هم مجرد وسيلة لتحقيق غاية دعائية، وهي تثبيت شرعية النص الديني وإدانة المخالفين، سواء من المشركين أو من المنافقين.
هذا التلاعب البلاغي يتجلى بوضوح حين نرى أن السورة لا تأمر بإطعام المسكين، بل فقط تذكر أن المكذب لا يحض على ذلك. ولا تأمر بإكرام اليتيم، بل فقط تذكر أن المكذب يدعه. وهذا الفرق شاسع بين أن تكون رسالة أخلاقية فاعلة تأمر بالخير، وبين أن تكون خطبة وعظية تكتفي بوصف الشر دون أن تدعو إلى ضده. فالقرآن، في هذه السورة، يبدو وكأنه يلهث وراء إدانة الخصوم أكثر من حرصه على تقديم توجيه إيجابي للأمة.
تكرار النمط نفسه في سور أخرى
سورة الماعون ليست حالة شاذة في القرآن، بل هي نموذج متكرر. نجد في سور أخرى مثل سورة الهمزة، وسورة العصر، وسورة الفيل، النمط نفسه من القفزات الموضوعية وغياب التماسك المنطقي. فالقرآن، بدلاً من أن يكون خطاباً متماسكاً، هو مجموعة من النصوص المتناثرة التي تحتاج إلى تدخل المفسرين لإعادة ترتيبها وتفسيرها وربطها. وهذا يعكس أن القرآن ليس كتاباً بالمعنى الحديث، أي ليس نصاً مؤلفاً ومحرراً وفق منهجية واضحة، بل هو مجموعة من الإقوال والقطع التي جمعت في مصحف واحد، ثم اعتبرت وحدة متماسكة بفعل الإيمان لا بفعل النص نفسه.
النقد الذاتي للقرآن حول وضوحه
من المفارقات العجيبة أن القرآن نفسه يعلن عن وضوحه في آيات عدة، مثل قوله تعالى "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ"، وقوله "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ". ولكن سورة الماعون تنسف هذه الادعاءات، لأنها ببساطة ليست يسيرة، ولا هي مفهومة بذاتها، ولا هي عربية واضحة لكل عربي. فهي تحتاج إلى قارئ متخصص، ومفسر محترف، وكتاب أسباب نزول، ومعاجم لغوية، لتفك رموزها وألغازها. وهذا التناقض بين نظرية الوضوح القرآني وتطبيقها العملي في سورة الماعون هو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل النقد العقلي للقرآن أمراً مشروعاً وضرورياً.
الخلاصة: نص حيزبوني بامتياز
في الختام، يمكن القول إن سورة الماعون هي نموذج حي على ما يمكن وصفه بثرثرة الحيزبون، أي الكلام الهلامي الذي لا يحمل معنى متماسكاً، ولا يقدّم رسالة واضحة، بل يكتفي بإطلاق النكات القصيرة المقطوعة التي لا ترتبط ببعضها البعض، وتحتاج إلى تأويل مكثف لتكتسب أي معنى. النص يبدأ بسؤال، ثم يتركه معلقاً، ثم ينتقل إلى تهديد فئة أخرى، ثم يصفها بصفات لا يعرف القارئ مدلولها بدقة، ثم ينتهي دون أن يقدم حلاً أو توجيهاً، وكأنه مجرد صرخة عاطفية ضد خصوم دينيين، ليس أكثر ولا أقل.
كل محاولات المفسرين لإنقاذ هذا النص من تفككه الداخلي، هي في النهاية تلفيقات وتبريرات لا تستند إلى النص نفسه، بل إلى مصادر خارجية مشكوك في صحتها. وإذا كان القرآن يزعم أنه كتاب مبين ومكتف بنفسه، فهذه السورة وحدها كافية لدحض هذا الزعم، لأنها لا تُبين شيئاً، ولا تستغني عن شارح، ولا تقدّم أي معنى واضح لأي قارئ عادي.
إن النقد العقلي للقرآن ليس تشكيكاً في المقدسات، بل هو واجب فكري تجاه نص يدعي أنه كلام الله، ويتوقع من الناس أن يؤمنوا به ويتبعوه. ومن حق أي إنسان أن يسأل: أين البلاغة في هذه السورة؟ وأين الوضوح والبيان؟ وأين التماسك والترابط؟ وإذا كانت هذه السورة الصغيرة، التي لا تتجاوز سبع آيات، تعاني كل هذا التفكك والغموض، فكيف ببقية القرآن؟ إن الإجابة الوحيدة التي يمكن أن يقدمها المؤمنون هي الإيمان نفسه، أي أنهم يؤمنون بأن هذا النص معجز رغم كل ما فيه من عيوب، وهذا ليس حلاً عقلياً، بل هو هروب من العقل إلى القلب، وهو ما يؤكد مجدداً أن القرآن لا يستحق أن يكون كتاب هداية، بل هو مجرد نصوص يحددها الإيمان ويضيئها الاعتقاد، لا العقل والمنطق.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire