Translate

زمّارة المقاومة لا تساوي صرماية (مقال)

.

.
زمّارة المقاومة لا تساوي صرماية





في زمن كان فيه الكلام أرخص من الهواء في بيروت وغزة وطهران، ظهر حسن زميرة على الشاشات كأنه نبيّ جديد للمقاومة، يزفّ البشائر كل بضعة أشهر، ويعدّ الدقائق السبع أو الثماني التي سيمحو فيها إسرائيل من الخريطة. كان الصوت جهورياً، واليد ترتفع، واللحية تهتزّ، والجمهور يصفق كأنه يشاهد فيلماً هندياً قديماً. لكن الزمّارة، كما يعرف كل طفل سوري أو لبناني، تصدر صوتاً مزعجاً فقط، ثم تنفجر أو تنقطع خيوطها. وهذا بالضبط ما حدث لمحور المقاولة والمتعة، ذلك الاسم الذي كان يُقدَّم للعالم على أنه محور المقاومة والممانعة، فإذا به يتحول إلى سلسلة من المهازل المتتالية التي لا تصلح إلا لمسرح كوميدي رديء الإنتاج.

بدأ المشهد الأول مع حماقة يحيى السنوار، ذلك الرجل الذي ظنّ أن السابع من أكتوبر سيكون بداية النهاية لإسرائيل، فإذا به يصبح بداية النهاية لحماس نفسها. خطط السنوار في الأنفاق كأنه يخطط لحفل زفاف كبير، ودعا الضيوف من كل مكان، ثم اكتشف أن الضيوف لم يأتوا، وأن العريس الوحيد الذي حضر هو الجيش الإسرائيلي. فرّ قادة حماس الإرهابية كأنهم فئران خرجت من مخبز محترق. بعضهم طار إلى قطر، وبعضهم اختبأ في أنفاق أعمق، وبعضهم اختفى كأن الأرض ابتلعته. كان السنوار يتحدث عن تحرير فلسطين في خطب طويلة، بينما كان داعموه في طهران يرسلون له التهاني عبر الرسائل المشفرة، ثم أدرك الجميع أن الحماقة كانت مشتركة. حمير إيران الذين موّلوا ودربوا وصفقوا، وجدوا أنفسهم أمام حقيقة مرّة: الزمّارة لا تحارب، والتهديدات لا تبني دولاً، والأنفاق لا تحمي من الطائرات التي ترى في الظلام. تحولت حماقة السنوار إلى نكتة عالمية، حيث يسأل الناس الآن: أين هم أولئك الذين كانوا يعدون بسحق إسرائيل في دقائق؟ الجواب بسيط: بعضهم مات تحت الأنقاض، وبعضهم يختبئ خلف ستائر الفنادق الفاخرة في الدوحة، يتذكرون أيام المجد الزائف ويأكلون الكافيار وهم يلعنون الحظ.

ثم جاء المشهد الثاني، مشهد الحمار بشار الأسد، أبو كلسون، الذي حكم سوريا عقوداً بالحديد والنار والكيمياوي. كان الأسد جزءاً أصيلاً من محور المقاولة والمتعة، يرسل رسائل التضامن إلى زميرة، ويستقبل وفود الحرس الثوري، ويستخدم شعارات الممانعة ليبرر قتل شعبه. لكن الحمار سقط، وسقط معه كل الأوهام. هرب أو اختفى أو انتهى أمره كما تنتهي الحكايات القديمة عن الطغاة. وبعده أتت بهائم الجماعات الإرهابية السنية، تلك التي كانت تتنافس على من يرفع الراية السوداء أعلى، ومن يقطع الرؤوس أسرع، ومن يعلن الخلافة في أصغر قرية. تحولت سوريا من مسرح لممانعة مزعومة إلى سوق مفتوح للفوضى، حيث يتقاتل الجميع على الأنقاض، ويبحثون عن مهديّ جديد في كل سرداب. كان الأسد يظن نفسه أسداً، فإذا به حمار يحمل على ظهره أثقال المحور كله، ثم ينهار تحتها. والمفارقة الكوميدية أن الذين جاؤوا بعده لم يكونوا أفضل حالاً؛ بهائم جديدة تتحدث بلغة قديمة، وتعد بالجنة وهي تغرق في الوحل.

أما حزب الله، ذلك الحزب الذي بنى إمبراطوريته على دماء اللبنانيين والسوريين، فقد تعرض لأجمل فصل كوميدي في تاريخ الحروب الحديثة. عملية البيجر كانت تحفة فنية نادرة. آلاف الأجهزة التي كان يحملها حمير الحزب في جيوبهم وعلى أحزمتهم، انفجرت فجأة كأنها ألعاب نارية في عيد ميلاد فاشل. انفجرت في الأيدي، وفي الوجوه، وفي الشوارع، وفي الاجتماعات السرية. تحولت الضاحية الجنوبية إلى مسرح صامت مليء بالصراخ المكتوم. ثم جاءت عملية «تولكي ولكي»، تلك الضربة التي أعادت الكرّة بأسلوب أكثر أناقة، فمسحت ما تبقى من القيادات والكوادر كأن شخصاً يضغط زراً في جهاز تحكم عن بعد. آلاف الحمير الذين كانوا يتدربون على اقتحام الجليل ويحفظون خطب زميرة عن ظهر قلب، وجدوا أنفسهم فجأة بلا أجهزة اتصال، بلا قادة، بلا خطط. كان المشهد يشبه فيلماً صامتاً قديماً: رجال يركضون في الشوارع وهم يمسكون آذانهم، وآخرون يبحثون عن هواتف جديدة كأن الهاتف سيعيد لهم المجد. والمحور كله كان يراقب من بعيد، يرسل بيانات التنديد والاستنكار، بينما الزمّارة نفسها صامتة في مخبئها.

ثم جاء الدور على حسن زميرة نفسه. الرجل الذي قضى عقوداً يهدد ويزمر ويعد بالدقائق السبع، نفق في النفق. ليس نفقاً بطولياً كما كانت الدعاية تقول، بل نفقاً أو سرداباً أو مبنى تحت الأرض تحول إلى قبر جماعي. الضربة الإسرائيلية جاءت كأنها نهاية فصل طويل من المسرحية الرديئة. اختفى الصوت الجهوري، واختفت اليد المرفوعة، واختفت اللحية المهتزة. تحول زميرة من أسطورة حية إلى ذكرى ساخرة يتداولها الناس على وسائل التواصل مع صور الزمّارة البلاستيكية. كان يظن أن الأنفاق ستحميه كما حمت السنوار مؤقتاً، فإذا بالنفق يصبح فخاً أخيراً. والمحور الذي كان يرتعد لخطبه، اكتشف فجأة أن الزعيم مات، وأن الزمّارة انقطعت، وأن المسرح أصبح فارغاً. لم يعد هناك من يزمر، ولم يعد هناك من يصفق.

أما نظام الملالي في طهران، ذلك النظام الذي بنى شرعيته على تصدير الثورة وتفخيذ الرضيعة والبيدوفيليا المقنعة بغطاء ديني، فقد تعرض لمسح شامل. القيادات التي كانت تتحدث عن محو إسرائيل في ثماني دقائق، تبخرت واحدة تلو الأخرى. الضربات جاءت متتالية، دقيقة، صامتة أحياناً، مدوية أحياناً أخرى. حمار الملالي، الخامنئي نفسه، تبخر. الرجل الذي كان يجلس في مكتبه يصدر الفتاوى ويعد باليوم الموعود، اختفى كأن ريحاً قوية حملته بعيداً. وقيل إن بركات الخميني البيدوفيل، ذلك المؤسس الذي بدأت معه الحكاية كلها، عادت لتطارد أحفاده الروحيين. النظام الذي كان يفاخر بصواريخه وأنفاقه وميليشياته، وجد نفسه أمام حقيقة بسيطة: التهديدات لا تصمد أمام الطائرات، والدعاية لا تحمي من الصواريخ، والسرداب الذي ينتظر فيه المهدي المحتضر قد يكون في الحقيقة مجرىً للصرف الصحي.

وهكذا انهار محور المقاولة والمتعة قطعة قطعة. بدأ بحماقة السنوار التي أرسلت قادة حماس يطيرون كالطيور المذعورة، مروراً بسقوط الحمار الأسد وصعود البهائم الجديدة، ثم نسفت إسرائيل آلاف حمير حزب الله في ضربات متتالية، ثم نفق زميرة في نفقه، ثم مسحت قيادات الملالي مسحاً، وتبخر الخامنئي. كل ذلك حدث بينما كان المحور يكرر الشعارات القديمة عن المقاومة والممانعة، كأن التكرار سيعيد الموتى إلى الحياة. كانت المسرحية طويلة، مليئة بالمشاهد المضحكة والمبكية في آن واحد. جمهور كبير صفق سنوات طويلة، ثم اكتشف أن الممثلين كانوا مهرجين، وأن النص كان مكتوباً بحبر رديء، وأن النهاية كانت معروفة مسبقاً لمن يملك عيناً ترى.

اليوم، بعد كل هذه الفصول، يبقى السؤال معلقاً في الهواء: أين المهدي الذي كانوا ينتظرونه في السرداب أو في المجاري؟ هل سيخرج ليصحح الأخطاء، أم أنه اكتفى بالمشاهدة من بعيد وهو يضحك على بهائم كانوا يظنون أنفسهم أبطالاً؟ الجواب، كما يبدو، ليس مهماً. المهم أن الزمّارة صمتت، وأن المحور تحول إلى ذكرى ساخرة، وأن الدقائق السبع أو الثماني أو الخمس التي كانوا يعدون بها أصبحت نكتة يتداولها الناس في المقاهي. كانت مسرحية طويلة، لكنها انتهت أخيراً، وتركت وراءها أنقاضاً وضحكاً مريراً ودرساً واحداً واضحاً: من يعيش على الزمّارة يموت بصوتها.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...