.
.
الله الذي نكح أتباعه دحما دحما
في عالم يخضع لسطوة المادة وصرامة الفيزياء، تبدو الرغبة البشرية في إقحام السماء في خصومات الأرض أمراً مثيراً للشفقة، لكنه في الوقت ذاته ينبوع لا ينضب من الكوميديا السوداء. إن نظرة سريعة على خارطة الصراعات في الشرق الأوسط، وتحديداً تلك التي يخوضها حملة التراخيص الإلهية والوكالات الحصرية للخالق، تضعنا أمام فرضية واقعية واحدة، فرضية تنزع عن المشهد كل مساحيق اللاهوت والتبريرات التراثية الركيكة: إما أن هذا الإله غير موجود على الإطلاق، وهو الخيار العقلاني البسيط، أو أنه موجود بالفعل ولكنه يحمل كراهية شخصية وعميقة جداً لكل من يرفع اسمه على راية أو يستعير ألقابه لتزيين رتبته العسكرية.
تأمل معي هذا الشريط المتواصل من الهزائم والتراجيديات الضاحكة. يخرج علينا قائد عسكري متجهم، يحمل لقباً ينضح باليقين مثل "آية الله"، ليخبر العالم أنه يمثل إرادة الخالق على الأرض، وأن خططه الاستراتيجية ملقنة بتأكيد غيبي مباشر. وبعد أسابيع قليلة، وحين تكتمل الرؤية الاستخباراتية للطرف الآخر الذي لا يؤمن بهذه الأدبيات السخيفة أصلاً، نكتشف أن هذا "آية الله" تم نسفه ومسحه من الوجود بضربة جوية دقيقة لم تستغرق أكثر من بضع ثوانٍ. ينظر المتابع الواقعي إلى الركام فلا يرى أي أثر للغضب الإلهي على المهاجمين، ولا يرصد أي صاعقة نزلت من السماء لتوقف الصاروخ في منتصف طريقه، بل يرى مجرد غبار ودخان وأشلاء للرجل الأحمق الذي كان يظن أن اسمه الوظيفي يمنحه درعاً ضد الخرسانة المجهزة والذخائر الذكية.
المفارقة تتضاعف وتصل إلى ذروتها عندما ننتقل إلى التشكيلات والميليشيات التي قررت بغرور مفرط أن تطلق على نفسها اسم "حزب الله". إنها تسمية تحمل في طياتها تحدياً صريحاً لقوانين الطبيعة؛ فأن تطلق على تنظيمك السياسي والعسكري اسم الخالق نفسه، فهذا يعني أنك تنسب كل خطوة وكل قرار وكل خلل أمني إلى الإرادة الإلهية مباشرة. وعندما تتوالى الضربات على هذا الحزب، وتبدأ قياداته بالانقراض المتسارع بدءاً من رأس الهرم، المسمى بدوره "نصر الله"، ووصولاً إلى خليفته وخليفة خليفته ومجلس الشورى وأجهزة الاتصال البدائية التي انفجرت في أيدي عناصرهم، يصبح السؤال الساخر مشهداً يفرض نفسه على كل ذي عقل: كيف يستسيغ هذا الإله أن يُنسف "حزبه" وتُباد قياداته في بث حي ومباشر دون أن يحرك ساكناً؟
الردود التقليدية التي يقدمها سدنة هذه الأيديولوجيات تبدو أكثر تهتكاً من الواقع نفسه. يحدثونك عن "الابتلاء" وعن "تمحيص المؤمنين" وعن "فلسفة الشهادة"، وهي مصطلحات لاهوتية تم اختراعها تاريخياً لترقيع الفجوة الهائلة بين الوهم والواقع، ولتفسير الهزائم الساحقة بأسلوب يرضي النرجسية الدينية. ولكن من منظور واقعي مجرد ومتجرّد، فإن تكرار هذه النتيجة بنفس النمط يفرض تفسيراً آخر، لو افترضنا جدلاً وجود هذا الإله: إنه يلتلذذ بمشاهدة أتباعه وهم يُنكحون ويُسحقون، أو أنه يستمتع بتقديم التسهيلات اللوجستية والتكنولوجية لأولئك الذين يسميهم هؤلاء الأتباع "أعداء الله".
إن إسرائيل والولايات المتحدة، وفق السردية الإسلامية والخمينية، هما المعسكر الأبرز لـ "أعداء الله". ومع ذلك، يلاحظ المتابع للبث المباشر أن هذين "العدوّين" يتمتعان بتوفيق غير عادي؛ فالأقمار الصناعية تعطي نتائجها بدقة متناهية، والذكاء الاصطناعي يحدد الإحداثيات دون خطأ، والمسيرات تطير في أجواء المنطقة وتصطاد القيادات المقربة من السماء واحداً تلو الآخر بينما تنام السماء نفسها في صمت تام. ألا يحق للناظر الساخر أن يستنتج أن الإله يميل عملياً، وبكل إمكانياته غير المرئية، إلى الجانب الذي يمتلك مكاتب أبحاث وتطوير ومختبرات تكنولوجيا، بينما يترك حلفاءه المزعومين يواجهون الصواريخ الباليستية بالدعاء والشعارات والمنشورات الحماسية والصراخ "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل"؟
إن السخرية الحقيقية لا تكمن في موت هؤلاء الأشخاص، فالموت هو المصير الطبيعي لكل كائن حي، بل تكمن في البناء الفكري الذي شيّدوه حول أنفسهم. لقد أقنعوا أتباعهم والمساكين الذين قادوهم إلى المحرقة بأنهم حماة الدين وأولياء الحق وتم تقديسهم على هذا الأساس، وأن الكون مسخر لخدمة مشروعهم الذي هو في الحقيقة مشروع مزرعة بهائم، وأن الملائكة تقاتل في صفوفهم وتتنزل في ساحات المعارك لترسخ أقدامهم. ثم تأتي لحظة الحقيقة، لحظة الاصطدام بالواقع المادي البارد: اختراق استخباراتي بسيط، أو مكالمة هاتفية تم التجسس عليها، أو بصمة صوتية تم تحديدها، أو شفرة تم فكها، ليتلاشى هذا البناء الغيبي بأكمله ويتحول "أولياء الله" إلى مجرد بيانات رقمية في ملفات التصفية لدى أجهزة الاستخبارات المعشعة في عواصم "أعداء الله" ثم إلى أكداس من اللحم المشوي على طريق القدس الوهمي.
هذا التناقض الصارخ يجعل القابضين على الشعارات الدينية يظهرون في مظهر مثير للضحك والبكاء في آن واحد. إنهم يرفضون الإقناع بأن الواقع لا يرحم الأغبياء، وأن الطبيعة حيدة تماماً ولا تفحص الألقاب ولا المعتقدات. الجاذبية الأرضية تسقط القنبلة على رأس "آية الله" السفيه بنفس السرعة والارتفاع الذي تسقط به على أي شخص آخر، وشظايا الانفجار لا تمتلك أجهزة استشعار لتمييز "نصر الله" الفاشل عن أي عابر سبيل في الشارع. ومع ذلك، يستمر الناجون من هذه المحارق في تكرار ذات المعزوفة، داعين الإله ذاته الذي ترك قادتهم يُحرقون في الملاجئ المحصّنة، أن ينصرهم في الجولة القادمة، دون أن يغيروا شيئاً في أسلوب تفكيرهم أو في التعاطي مع العلم والتكنولوجيا.
إن الفكرة التي تروج لها المؤسسات الدينية، وخاصة في صيغتها الشيعية المؤدلجة، هي أن التضحية بالذات والانقراض الجماعي هما انتصار معنوي. وهو مفهوم لا ينتمي إلى عالم العقلانية في شيء، بل هو مجرد ميكانيزم دفاعي نفسي لتغطية الفشل الذريع. إذا كان الإله يرى أن انتصار حزبه وأوليائه يتمثل في تحويلهم إلى ركام ومشاوي وتشريد بيئتهم وتدمير مدنهم، فإن هذا الإله يمتلك مفهوماً غريباً جداً ومريضاً للحب والدعم. إنه حب يشبه حب الكوارث الطبيعية لضحاياها، أو دعم الزلازل للأبنية الضعيفة.
في المقابل، يتصرف الماديون والواقعيون في هذا العالم بناءً على فهم واضح لقواعد اللعبة. هم لا ينتظرون طيراً أبابيل لتحميهم، بل يصنعون طائرات لا تراها الرادارات. ولا ينتظرون ريحاً صرصراً لتدمر خصومهم، بل يطورون منظومات دفاع جوي ليزرية تذيب الصواريخ في السماء. ولا يبحثون في الكتب القديمة عن تعاويذ للنصر، بل يكتبون خوارزميات للذكاء الاصطناعي تتنبأ بحركة العدو قبل أن يفكر هو نفسه بالحركة. هذه الفجوة الهائلة بين من يعيش في القرن الحادي والعشرين ومن يعيش في أوهام القرون الوسطى وحماقات المهدي المحتضر هي التي تجعل النتيجة محسومة مسبقاً، وتجعل الاستعانة بالسماء مجرد ملهاة بائسة.
قد يتساءل المرء: لماذا يستمر هؤلاء في رفع هذه المسميات السخيفة رغم كل هذه الصفعات المتتالية؟ والجواب يكمن في البنية الاستثمارية للدين؛ فالألقاب الفخمة مثل "آية الله" و"حجة الإسلام" و"سيف الله" لا تُستخدم لخوض الحروب وتكريس النصر فقط، بل تُستخدم أساساً للسيطرة على عقول العوام الجهلة والأغبياء وتخديرهم وجمع الأموال والمكاسب وتبرير السلطة المطلقة. وحين تأتي الحرب وتنكشف العورة التكنولوجية والتنظيمية، يكون العوام قد تم تخديرهم مسبقاً بفكرة أن الهزيمة هي "امتحان"، وأن الموت هو "فوز"، وأن الخراب هو "بشارة لقرب الفرج الإلهي". وهكذا تُغلق الدائرة المغلقة من الوهم التي لا يمكن للواقع أن يخترقها إلا بمزيد من الصواريخ والقنابل.
إن المشهد في نهايته يبدو كمسرحية هزلية: طرف يصر على أنه يقاتل باسم خالق الكون وموجد المجرات، ويحمل في جيبه تعاويذ وألقاباً مقدسة، وطرف آخر يحمل أجهزة حاسوب متطورة وخرائط قمر صناعي ومعدات رؤية ليلية. يطلق الأول صرخاته الحماسية مستنجداً بالغيبيات، فيجيبه الثاني بصاروخ موجه بدقة يرسله إلى حيث لا يعود. ويبدو الإله المفترض في هذه المعادلة إما غائباً تماماً عن الوعي ولا يعلم ما يجري في هذا الكوكب الصغير التافه، أو أنه يجلس في المقاعد الأمامية للمسرح، يتابع المشهد ببرود، ويصفق في كل مرة يتم فيها نسف أحد هؤلاء الذين أزعجوه باستعارة اسمه وحشره في أطماعهم السياسية والعسكرية.
في الخلاصة المادية الباردة، لا يوجد إله يقتل أتباعه ولا إله ينصر أعداءه. كل ما في الأمر أن الواقع لا يدار بالنوايا والدعاء، وأن الطبيعة لا تحترم الأوهام. مسميات مثل "حزب الله" أو "آية الله" ليست سوى عناوين فارغة أطلقتها مخيلات بشرية مريضة تبحث عن الشرعية والسلطة. وحين تصطدم هذه العناوين بحديد العالم الحقيقي وناره، تتلاشى كأنها لم تكن، تاركة خلفها حقيقة واحدة ساطعة: من يعتمد على السماء في معارك الأرض، سيكتشف دائماً، وبأقسى الطرق الممكنة، أن السماء فارغة تماماً، وأن الأسباب المادية هي الإله الوحيد الذي يعترف به هذا الكون.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire