.
.
خرافة فلسطين وخراب الشرق الأوسط: كيف تحوّل الشعار إلى أداة لدمار الدولة الوطنية
على مدى أكثر من سبعة عقود، تعاطت المنطقة العربية والشرق أوسطية مع القضية الفلسطينية باعتبارها مركز المجرة السياسية والأخلاقية، والمحرك الأساسي لكافة التحولات والتطورات الجيوسياسية. غير أن القراءة النقدية المتجردة لتاريخ الشرق الأوسط الحديث تكشف عن وجه آخر ومغايِر تماماً لهذه الرواية الشائعة؛ إذ يتجلى كيف تحولت هذه القضية في كثير من أبعادها ووظائفها السياسية إلى ما يشبه "الخرافة" أو الأسطورة التعبوية التي استُخدمت كذريعة كبرى لتعطيل التنمية، وتقويض سيادة الدول، وتبرير الاستبداد، وإغراق المنطقة في دوامات متتالية من الحروب والخراب الشامل. إن الوقوف عند تفاصيل هذا المسار التاريخي يوضح كيف استُغل هذا الشعار من قبل الأنظمة القومية، والجماعات الأيديولوجية الراديكالية، والدول الإقليمية التوسعية، ليكون البوابة الرئيسية التي عبرت منها مشاريع الفوضى وتفتيت المكونات الوطنية للشرق الأوسط.
بدأت أولى فصول هذه المأساة مع نشوء الدولة الوطنية الحديثة في العالم العربي عقب مرحلة الاستعمار التقليدي. فبدلاً من التركيز على بناء القواعد المؤسسية للدولة الوطنية، وترسيخ مفاهيم المواطنة، وبناء اقتصاد مستدام وتوفير التعليم والخدمات للمجتمعات الناشئة، اندفعت النخب العسكرية والقومية المتطلعة للسلطة نحو استثمار شعار "تحرير فلسطين" كأداة للشرعية السياسية. أُعلنت حالة الطوارئ الدائمة تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وهو الشعار الذي تحول عملياً إلى مقصلة أُعدمت عليها كل المحاولات المبكرة لبناء أنظمة ديمقراطية أو ممارسة المساءلة والمحاسبة. لقد تسببت هذه المراهنة الشعارية في جر الشعوب العربية إلى حروب غير متكافئة ومغامرات عسكرية غير محسوبة، أدت في النهاية إلى هزائم متكررة وضياع أجزاء واسعة من الأراضي، مترافقة مع خسائر اقتصادية وبشرية فادحة تكبدتها الدول المجاورة قبل غيرها.
ولم يتوقف تأثير هذه الأسطورة السياسية عند حدود الهزائم العسكرية الخارجية، بل امتد ليعصف بالمفهوم الجوهري لسيادة الدولة الوطنية وحكم القانون في البلدان التي استضافت التنظيمات والفصائل. وشهدت العقود التالية ظهور ظاهرة "الدولة داخل الدولة"، حيث اعتبرت الفصائل العسكرية المسلحة نفسها فوق القوانين والأنظمة المحلية للبلدان المضيفة بحجة متطلبات النضال. وتتجلى هذه المأساة بوضوح في تجربة المملكة الأردنية الهاشمية في أواخر ستينيات القرن الماضي، عندما أدى تغول التنظيمات المسلحة ومحاولاتها فرض سيطرتها الأمنية والسياسية على الأراضي الأردنية إلى صدام دموي واسع النطاق في أحداث أيلول عام 1970، وهو الصدام الذي كاد أن يطيح بالبنية الأساسية للدولة الاستقرار الأردني لولا حسم السلطات الوطنية للأمر ومواجهة هذا الخطر الاستثنائي.
ولم تكن التجربة اللبنانية أقل إيلاماً أو دماراً؛ بل كانت النموذج الأوضح لكيفية تحول هذا الشعار إلى محرك لتدمير المجتمعات المتعددة. فبعد انتقال قيادة الفصائل المسلحة إلى بيروت وتأسيس ما عُرف بـ "جمهورية الفاكهاني"، تحول لبنان من مركز ثقافي واقتصادي متألق في الشرق الأوسط إلى ساحة صراع مفتوحة ومستباحة. أسهم هذا الوجود المسلح والتصرفات المستقلة عن الدولة اللبنانية في شل مؤسسات الحكم، وتأجيج الاحتقان الطائفي والمذهبي، مما شكل الشرارة الكبرى التي فجرت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975. لقد استُخدمت الأراضي اللبنانية كمطية لمصالح فصائلية وإقليمية، ودُفعت البلاد إلى آتون حرب دامت خمسة عشر عاماً، أكلت الأخضر واليابس ودمرت البنية التحتية والنسيج الاجتماعي للبلد، ودللت بوضوح على أن الحفاظ على الشعارات الفصائلية كان يُقدَّم دائماً على حساب سلامة وأمن واستقرار الشعوب المضيفة.
وفي الوقت ذاته، كانت الأنظمة الاستبدادية والتوتاليتارية في المنطقة تجد في هذه الخرافة السياسية المنجم الأكبر لشرعنة وجودها وقمع شعوبها. ويُعتبر نظام الأسد في سوريا النموذج الأكثر صارخية لاستغلال هذا الشعار؛ إذ أقام النظام شموليت المطلقة، وصادر الحريات العامة والسياسية، ومارس أقسى أنواع القمع الداخلي ضد أي صوت يطالب بالإصلاح أو التغيير، تحت دعوى أنه "قلعة المقاومة والممانعة". وعلى مدى عقود، تُجرِّم السلطة السورية أي حراك مدني أو نقد سياسي باعتباره "خدمة للعدو" أو "خيانة للقضية". والنتيجة الكارثية لهذا النهج تمثلت في تحويل سوريا نفسها إلى ركام عندما طالب الشعب بسوريته وحريته، حيث لم يتردد النظام الممانع في استخدام أقصى درجات العنف والدمار ضد مدنه وشعبه، مبرهناً على أن شعار الممانعة لم يكن سوى ستار أيديولوجي لحماية الكرسي والسلطة الفردية.
وعلى صعيد التيار الإسلامي والراديكالي، شكلت هذه القضية الوقود الأهم لنشوء وتمدد تنظيم الإخوان المسلمين والجماعات المنبثقة عنه. استغلت هذه الجماعات العاطفة الدينية والوجدانية للشعوب لبناء إمبراطوريات مالية وتنظيمية عابرة للحدود تحت غطاء جمع التبرعات والإغاثة. وتحولت مؤسسات العمل الخيري في كثير من الأحيان إلى شبكات غامضة لتبييض الأموال وتهريبها وتغذية النشاطات الحزبية والعسكرية، مما أسهم في خلق بيئة مالية مظلمة غذت الإرهاب والتطرف في الشرق الأوسط والعالم. لقد اقتنصت هذه الجماعات الشعارات العاطفية لتغييب العقل المالي وتطلعات الشعوب نحو الحوكمة والشفافية، معتبرة أن التشكيك في مصادر وأوجه صرف هذه التبرعات هو تشكيك في العقيدة والمقدسات.
وفي هذا الامتداد الأيديولوجي، ظهرت حركة حماس كفرع ميداني وعسكري للتيار الإخواني في قطاع غزة. وعلى مدار سنوات استحواذها على القطاع، أثبتت الحركة أن الولاء للتنظيم والأجندات الخارجية يقدم دائماً على سلامة وسعادة السكان المحليين. أدارت الحركة غزة كمنصة مواجهة عسكرية متصلة بعواصم خارجية، وجرت القطاع إلى حروب ومواجهات متكررة أدت إلى تدمير العمران وضياع مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية لمليوني إنسان. وبدلاً من استثمار الموارد الهائلة والمساعدات الدولية المتدفقة لبناء نموذج حداثي أو تنموي في غزة، تم توجيه هذه الإمكانيات نحو بناء الأنفاق والتسليح والمغامرات العسكرية التي كانت نتائجها دائماً كارثية على المدنيين العزل الذين دفعوا الثمن الأفدح من أرواحهم ومستقبل أبنائهم، بينما بقيت القيادات في مأمن بعيد عن ويلات الدمار.
ولعل الخطر الأكبر الذي انبثق عن استغلال هذه الأسطورة في العقود الأخيرة يتمثل في توظيفها السافر من قبل النظام الإيراني وأذرعه الطائفية في المنطقة. فمنذ قيام ثورة الملالي عام 1979، اتخذت طهران من شعار "المقاومة" وفلسطين حجر الزاوية في مشروعها التوسعي العابر للحدود. وتحت رداء هذا الشعار والادعاء بالعداء لـ "الشيطان الأكبر" و"الشيطان الأصغر"، تمكنت إيران من اختراق واختطاف أربع عواصم عربية، عبر إنشاء وتغنيص ميليشيات طائفية مسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. لقد دمر هذا التمدد مفهوم الدولة الوطنية المتماسكة في هذه البلدان، وحولها إلى دول فاشلة أو شبه فاشلة تعاني من الفقر والانقسام الطائفي والانهيار الاقتصادي، كل ذلك في سبيل خدمة المشروع الجيوسياسي الإيراني وبناء أوراق ضغط تفاوضية للوصول إلى مكاسب نفوذ وإقليمية.
إن حصيلة عقود من الارتهان لخرافة الأسطورة السياسية الشاملة تتجلى اليوم في الشرق الأوسط على هيئة دول مهددة بالانهيار، واقتصادات متهالكة، وشعوب أُنهكتها الحروب والشعارات البلاغية الفارغة. لقد تسببت هذه المراهنة الأيديولوجية في تغييب بوصلة التنمية الحقيقية، وحرمت أجيالاً متعاقبة من أبناء المنطقة من حقهم الطبيعي في التعليم العالي، والتعليم الحديث، والرعاية الصحية المتطورة، والفرص الاقتصادية الواعدة، تماماً كما يتمتع بها أقرانهم في الدول التي اختارت الانحياز لبناء منطق الدولة الوطنية وتقديم مصلحة المواطن والاستقرار على حساب الشعارات الراديكالية.
في النهاية، أثبتت التحولات السياسية الحديثة في المنطقة أن الخروج من حلقة الفقر والخراب والاستبداد المفرغة يمر عبر الشجاعة في تفكيك هذه الخرافة السياسية ونزع القداسة عن الشعارات العاطفية التي تُستغل للتربح وإدامة الصراعات. إن المستقبل المستدام للشرق الأوسط يكمن في تغليب مفهوم الدولة الوطنية المستقلة، وترسيخ وسيادة القانون، والتركيز على التنمية البشرية والاقتصادية، وإقامة العلاقات الاستراتيجية والسياسية القائمة على المصالح المتبادلة والسلام والواقعية السياسية، بعيداً عن أوهام الأيديولوجيات وشعارات التجارة بالدم التي لم تنتج سوى الدمار والفقر والهوان.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire