.
.
المهدي المحتضر وجيش الخصيان في حرب آخر الزمان
منذ أكثر من ألف ومئتي سنة والمهدي المنتظر أو المحتضر يقبع في سردابه أو مجاريه أو أي حفرة رطبة مظلمة اختارها لنفسه، يمارس هوايته السرية المفضلة بلا انقطاع حتى اضمحل عضوه الذكري وصار أثراً بعد عين. هذه هي الحقيقة العارية التي يرفض أتباعه الاعتراف بها وهم ينتظرون خروجه بسيفه ولوائه وجيشه الجرار. الرجل الذي يفترض أن يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً قد استغرقته العادة السرية قروناً طويلة حتى فقد القدرة على الوقوف أصلاً، فضلاً عن قيادة أي جيش أو مواجهة أي عدو. والمحزن والمضحك في آن واحد أن دولة الملالي بأكملها، دولة البغال والحمير، ما زالت تعلق آمالها على هذا الرجل المضمحل، وتنتظر خروجه كما ينتظر المدمن جرعته التالية، بينما العالم من حولها يتطور بالصواريخ الدقيقة والقنابل النووية والذكاء الاصطناعي الذي يدير المعارك في أجزاء من الثانية.
تخيل معي المشهد الكوميدي الأسطوري: المهدي يخرج أخيراً من سردابه بعد قرون من الانعزال والاستمناء المتواصل، يمسك بسيفه الصدئ الذي علاه الغبار والعفن، ويركب حصاناً أعرج ربما مات منذ مئات السنين وتحول إلى هيكل عظمي، ثم ينظر حوله ليجد أن جيشه المنتظر يتكون من آلاف أعضاء حزب الله الذين انفجرت فيهم أجهزة البيجر ونزعت أعضاءهم التناسلية في لحظة واحدة. جيش من منزوعي الخصيتين والقضبان، يركضون خلف مهدي فقد عضوه أيضاً من كثرة الاستخدام الفردي. أي معركة هذه التي سيخوضونها؟ وأي نصر ينتظرونه؟ سيواجهون جيوشاً حديثة تستخدم صواريخ فرط صوتية وطائرات مسيرة تتحكم بها خوارزميات الذكاء الاصطناعي وقنابل نووية قادرة على محو مدن بأكملها في ثوانٍ. والنتيجة معروفة مسبقاً كما عُرفت نهاية حسن زميرة وقادة حماس وآية الله الخامنئي: نسف فوري منذ اللحظة الأولى للخروج. ضربة واحدة دقيقة تنهي الأسطورة كلها قبل أن يتمكن المهدي من رفع سيفه أو ينطق بكلمة واحدة عن العدل الموعود.
هذه المعتقدات مثيرة للسخرية إلى درجة تجعل أي عاقل يشك في سلامة عقول من يؤمنون بها. حروب آخر الزمان بالسيوف والخيول والرماح في عصر الأقمار الصناعية والروبوتات القاتلة؟ مهدي هارب ومختفي منذ قرون يقضي وقته في ممارسة العادة السرية حتى ذبل ما تبقى منه؟ جيش من الخصيان الذين نزعت أعضاؤهم في عملية البيجر الشهيرة؟ لا بد أن من يؤمنون بهذه الخرافات لديهم أدمغة بغال وحمير حقيقية، لا مجازية. والدليل الأوضح هو دولة الملالي نفسها، تلك الدولة التي بنت وجودها كله على انتظار هذا الرجل المضمحل، وصرفت المليارات على ميليشيات وأنفاق وصواريخ وهي تردد أن الفرج قريب مع خروج المهدي. أين الفرج؟ أين الخروج؟ أين السيف الذي يملأ الأرض عدلاً؟ الجواب بسيط: المهدي مشغول في سردابه يكمل جلسته التي بدأت في القرن الثالث الهجري ولم تنتهِ بعد، وأتباعه في الخارج يبنون محاور مقاومة تنهار واحدة تلو الأخرى تحت ضربات الخصم الذي لا يؤمن بالخرافات بل يؤمن بالتفوق التكنولوجي.
لنعد قليلاً إلى تفاصيل هذه الخرافة العجيبة. الرواية الرسمية تقول إن المهدي دخل في غيبة كبرى، وإنه حي يرزق ينتظر اللحظة المناسبة. لكن المنطق البسيط يسأل: ماذا يفعل رجل حي طوال هذه القرون في مكان مغلق؟ هل يقرأ الكتب؟ هل يتمشى؟ هل يخطط للاستراتيجية العسكرية المستقبلية؟ أم أنه، كما يبدو من طول المدة وفشل كل الوعود، قد استغرقته هواية واحدة متكررة حتى فقد عضوه الذكري بالكامل؟ هذه الفرضية تفسر كل شيء. تفسر لماذا تأخر الخروج كل هذا التأخير. تفسر لماذا لم يظهر في أي من الحروب الكبرى التي مرت على المنطقة. تفسر لماذا بقي صامتاً بينما حسن زميرة يزمر بالدقائق السبع ثم ينفق في نفقه، وبينما قادة حماس يفرون كالفئران، وبينما الخامنئي يتبخر تحت الضربات. المهدي ببساطة لم يعد صالحاً للخدمة. العضو الذي كان رمزاً للرجولة والقوة في المخيلة الشعبية قد اضمحل من الإفراط، والجسد الذي يفترض أن يقود الجيوش قد أنهكه الجلوس الطويل في الظلام الرطب.
والجيش الذي سيقوده؟ هنا تصل الكوميديا إلى ذروتها. بعد عملية البيجر التي حولت آلاف عناصر حزب الله إلى منزوعي أعضاء تناسلية في ثوانٍ معدودة، أصبح المحور كله جاهزاً ليكون جيش المهدي المثالي. خصيان يركضون خلف خصي أكبر منهم. سيخرج المهدي بسيفه، وينظر إلى جنوده الذين فقدوا ما فقدوه في الانفجارات المتزامنة، ثم يحاول أن يلهمهم للقتال ضد جيوش تمتلك أقماراً صناعية ترى كل حركة وتطلق صواريخ دقيقة من مسافات آلاف الكيلومترات. النتيجة لن تكون معركة، بل مشهد كوميدي سريع ينتهي بنسف جماعي. تماماً كما نُسف حسن زميرة في مخبأه، وكما طار قادة حماس من جراء حماقة السنوار، وكما تبخرت قيادات الملالي واحداً تلو الآخر. الخرافة لا تصمد أمام الواقع، والسيف لا يصمد أمام الصاروخ، والحصان لا يصمد أمام الطائرة المسيرة، والمهدي المضمحل لا يصمد أمام أي شيء.
دولة الملالي هي التجسيد الحي لهذه الحماقة الجماعية. دولة بغال وحمير بكل معنى الكلمة. حكامها يصرفون ثروات الشعب على تمويل ميليشيات تنهار، وعلى بناء أنفاق تتحول إلى قبور، وعلى إطلاق تهديدات بالدقائق المعدودة ثم يكتشفون أن الخصم لا ينتظر الدقائق بل يضرب أولاً. وكل ذلك تحت شعار انتظار المهدي. كأن المهدي سيخرج يوماً ليصحح أخطاءهم كلها، ويعيد لهم الأعضاء التي نزعت، ويعيد لهم الزعماء الذين نُسفوا، ويعيد لهم الهيبة التي تبخرت. لكن المهدي مشغول. ربما يحاول في هذه اللحظة بالذات أن يستعيد شيئاً مما فقده من كثرة الإفراط، أو ربما استسلم تماماً للأمر الواقع وقرر أن الغيبة أفضل من مواجهة عالم لم يعد يؤمن بالسيوف والخيول.
الأكثر إثارة للسخرية هو الإصرار على أن حروب آخر الزمان ستكون بالطريقة القديمة. سيوف ورماح وخيول ودروع. في وقت يمتلك فيه العالم أسلحة تدمر مدناً بأكملها من مسافة آلاف الكيلومترات دون أن يرى الجندي وجه عدوه. الذكاء الاصطناعي يدير المعارك الآن، يحلل البيانات في أجزاء من الثانية، يوجه الصواريخ بدقة متناهية، ويقرر من يعيش ومن يموت دون عاطفة أو تردد. أين مكان المهدي وسيفه في هذا العالم؟ أين مكان جيش الخصيان؟ الجواب: لا مكان. سيكونون مجرد هدف سهل في شاشة رادار، مجرد إحداثيات تُضغط عليها زر فيطلق الصاروخ وينتهي كل شيء قبل أن يتمكن أحدهم من الصهيل أو التلويح بالسيف.
هذا هو جوهر الخرافة كلها: اعتقاد بأن الزمن توقف عند القرون الوسطى، وأن التكنولوجيا الحديثة مجرد وهم سيزول عند خروج الرجل المضمحل من سردابه. لكن الزمن لم يتوقف. العالم تغير، والأسلحة تغيرت، والحروب تغيرت، بينما المهدي لا يزال في مكانه يكمل هوايته التي أفقدته رجولته. وأتباعه لا يزالون ينتظرون، يبنون دولاً على الرمال، ويطلقون زمّارات تنفجر في وجوههم، ويحفرون أنفاقاً تتحول إلى قبور جماعية. كل ذلك لأن أدمغتهم، كما يبدو، مصنوعة من المادة نفسها التي تُصنع منها أدمغة البغال والحمير: مادة صلبة تقاوم المنطق، وتفضل الخرافة على الواقع، وتختار الانتظار الطويل على مواجهة الحقيقة المرة.
والحقيقة المرة واضحة كالشمس: المهدي إن خرج فسيخرج ضعيفاً متهالكاً فاقداً لأهم أدواته، يقود جيشاً من منزوعي الأعضاء، ويواجه عالماً يمتلك أسلحة تجعله يبدو كطفل يحمل عصا خشبية أمام دبابة. والنتيجة لن تكون ملء الأرض عدلاً، بل نسف سريع ونهاية كوميدية تليق بكل الخرافات التي سبقته. حسن زميرة نُسف، وقادة حماس طاروا، والخامنئي تبخر، والمحور انهار، والمهدي لا يزال في سردابه مشغولاً بما تبقى له من وقت. هذه هي بركات الانتظار الطويل: عضو مضمحل، وجيش خصيان، ودولة بغال، وخرافة لا تموت لأنها ترفض أن تواجه المرآة.
في النهاية يبقى المشهد معلقاً إلى الأبد. السرداب مغلق، والمهدي داخله يواصل ما بدأه منذ قرون، والخارج مليء بأنقاض المحاور المنهارة وبقايا الأجهزة المنفجرة وأصوات الناس الذين اكتشفوا متأخرين أن الانتظار كان عبثاً. والبغال والحمير لا يزالون يهتفون باسمه، ويعدون أنفسهم لجيشه، ويحلمون بيوم يخرج فيه ليقودهم إلى النصر الموعود. لكن النصر لن يأتي. لأن الرجل الذي ينتظرونه قد فقد ما يجعله رجلاً، والجيش الذي سيجدونه قد فقد ما يجعله جيشاً، والعالم الذي سيواجهونه قد تجاوز مرحلة السيوف والخيول منذ زمن بعيد. وهذه هي أكبر نكتة في تاريخ الخرافات كلها: انتظار طويل ينتهي بلا شيء، سوى المزيد من الضحك المر على من صدقوا الحكاية حتى النهاية.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire