Translate

مصنع الأوهام: التعليم الأزهري كأداة لتخريب العقل وتكريس التخلف (مقال)

.


.
مصنع الأوهام: التعليم الأزهري كأداة لتخريب العقل وتكريس التخلف



إن الحديث عن المؤسسات التعليمية في العصر الحديث يستوجب بالضرورة استحضار معايير المنهج العلمي القائم على التجربة والملاحظة والتحليل النقدي وصياغة الفرضيات القابلة للنقض والتدقيق. غير أن الوقوف أمام صرح مؤسسي كجامعة الأزهر يضعنا أمام مفارقة معرفية وتاريخية قل نظيرها في العالم المعاصر، حيث يتم استعارة "قشرة" الحداثة الأكاديمية ومسمياتها البراقة من درجات علمية وكليات متخصصة لتغليف لب قديم يتناقض جذرياً مع أبسط بديهيات العقل المادي. إننا أمام "مصنع أوهام" ضخم لا يكتفي بإعادة إنتاج التراث، بل يقوم بعملية هندسة اجتماعية ومعرفية تهدف إلى تطبيع الخرافة ومنحها "ختماً أكاديمياً" يشرعن وجودها في عقول مئات الآلاف من الخريجين سنوياً، مما يخلق جيوشاً من الكوادر التي تحمل في رؤوسها صراعاً وجودياً بين تقنيات القرن الحادي والعشرين وتصورات العصر البرونزي عن الكون والإنسان والمادة.
تبدأ إشكالية التعليم الأزهري من بنيته المؤسسية التي تحاول الجمع بين المتناقضات، فهي مؤسسة دعوية في جوهرها لكنها تتخفى تحت شعار الجامعة. والجامعة في المفهوم الكوني هي فضاء لإنتاج المعرفة وتفكيك السائد، بينما الجامعة في المفهوم الأزهري هي حصن لحماية "المقدس" ومنع العقل من الاقتراب منه بأدوات النقد. هذا التخفي المؤسسي يسمح بمرور "الدعوة" الدينية تحت ستار التعليم الأكاديمي، حيث يتحول الأستاذ الجامعي من باحث يطرح الأسئلة إلى "داعية" يلقن الإجابات النهائية والمطلقة. إن خطورة هذا النمط تكمن في أنه يسلب الطالب القدرة على الفصل بين الحقيقة الفيزيائية الملموسة والأسطورة الميتافيزيقية، بل إنه يدمجهما معاً في نسيج واحد يسمى "العلم الشرعي"، وهو مصطلح بحد ذاته يمثل اعتداءً على مفهوم العلم الذي يشترط القابلية للقياس والتفنيد.
عند تشريح المناهج التي تدرس في هذا المصنع، نجد أنها تقوم على تكريس خرافات بدائية ومنحها صفة الحقائق الكونية "المعلومة من الدين بالضرورة". خذ على سبيل المثال مادة العقيدة أو التفسير، حيث يُلقن الطالب أن هناك كائنات نارية تسمى الجن تسكن الأودية وتسمع الكلام وتتلبس الأجساد. يتم تدريس هذه الأمور ليس كفولكلور تاريخي أو مادة للدراسة الأنثروبولوجية، بل كحقائق بيولوجية وفيزيائية لا تقبل الجدل. إن هذا النوع من "التعليم" يمثل عملية تخريب متعمد للجهاز التحليلي في الدماغ البشري، إذ يُدرب الطالب منذ سنواته الأولى على ممارسة "تعليق المنطق" أمام النص. وبمرور الوقت، يفقد العقل قدرته على التمييز بين السبب والنتيجة، ويصبح مستعداً لتقبل أي خرافة ما دامت مغلفة بآية أو حديث، مما يفتح الباب على مصراعيه لسيادة الفكر الغيبي على حساب التفكير المادي المنتج.
إن الكارثة المعرفية الكبرى تظهر بوضوح في "الكليات العملية" التابعة لهذه المؤسسة، مثل الطب والهندسة والعلوم. هنا نجد أنفسنا أمام "العقل المشظى" في أبهى تجلياته، حيث يدرس الطالب تشريح الدماغ البشري وميكانيكا النيورونات والناقلات العصبية في الصباح، بينما يُطلب منه في المساء أن يؤمن بأن "المس الشيطاني" أو "الحسد" قد يكون سبباً في اختلال هذا الدماغ. هذا الانفصام ليس مجرد ترف فكري، بل هو تعطيل حقيقي للمنهج العلمي في ممارسة المهنة. الطبيب الذي تخرج من هذا المصنع قد يمتلك المهارة الجراحية، لكنه يفتقر إلى الإيمان المطلق بالسببية المادية، مما يجعله عرضة لدمج الشعوذة بالطب، أو على الأقل عدم الوقوف بحزم ضد الخرافات التي تفتك بصحة المجتمع النفسية والجسدية. إن تخريج طبيب يؤمن بالجن هو بمثابة قنبلة موقوتة في جسد النظام الصحي، لأنه يشرعن الوهم باسم العلم.
علاوة على ذلك، يلعب هذا النظام التعليمي دور الحارس الأمين لسلطة رجال الدين عبر احتكار حق تفسير الواقع. فمن خلال تخريج مئات الآلاف سنوياً، تضمن المؤسسة وجود "شرطة فكرية" في كل قرية ومدينة وجامعة. هؤلاء الخريجون يعملون كوسطاء بين الغيب والناس، مستغلين الجهل الذي رسخه التعليم نفسه لتعزيز مكانتهم الاجتماعية والمادية. إنهم يقتاتون على "بيزنس الغيب"، من خلال الرقية الشرعية أو الفتاوى التي تنظم تفاصيل الحياة البيولوجية للناس بناءً على نصوص كتبت قبل ألف عام. هذا الاستنزاف الاقتصادي والذهني للمجتمع هو نتاج مباشر لعملية التعليم التي لم تهدف يوماً لتحرير العقل، بل لربطه بسلاسل من الخوف والقداسة الزائفة التي لا تخدم إلا بقاء المؤسسة ورجالها.
إن استخدام شعار "الجامعة" لتمرير هذه الأجندة الدعوية يمثل أكبر عملية تضليل معرفي في العصر الحديث. فالدرجات العلمية التي يمنحها الأزهر توحي للمراقب الخارجي وللمجتمع بأن الحاصل عليها هو "عالم" يمتلك أدوات البحث، بينما الواقع يشير إلى أنه "ناقل" لنصوص محنطة. البحث العلمي في هذا السياق هو عملية اجترار مستمرة لآراء الفقهاء القدامى، دون أي إضافة معرفية حقيقية تتسق مع اكتشافات الفيزياء الكونية أو البيولوجيا الجزيئية. هذا "الجمود الأكاديمي" المشرعن بالشهادات الجامعية يخلق حالة من "الجهل المركب"، حيث يظن الشخص أنه يعلم بينما هو غارق في أوهام العصور الغابرة، والأدهى أنه يمتلك السلطة المعنوية لفرض هذا الجهل على الآخرين باسم التخصص والدرجة العلمية.
في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تتجاوز الآلات حدود الإدراك البشري التقليدي وتبني قراراتها على البيانات والمنطق الرياضي الصرف، يبدو التعليم الأزهري كأحفور حي ينتمي لزمن انقرض. إننا نعد أجيالاً للعيش في عالم تقوده الخوارزميات، بينما نحشو عقولهم بقصص عن الجن الذين يأكلون الروث والعظم. هذا التناقض الصارخ سيؤدي حتماً إلى "اغتراب حضاري" هائل، حيث يجد هؤلاء الخريجون أنفسهم عاجزين عن المنافسة في سوق العمل العالمي الذي يتطلب تفكيراً نقدياً وإبداعاً لا يحده سقف المقدس. النتيجة هي تحول هذه الكتلة البشرية الهائلة إلى قوة معطلة للتطور، تنظر بعين الريبة لكل كشف علمي جديد وتحاول "أسلمته" قسراً أو محاربته إذا تعارض مع خرافاتها المستقرة.
إن المسؤولية التاريخية تحتم علينا كشف هذا المصنع وتعريته أمام ضوء العلم المادي. إن الاستمرار في تمويل هذا النمط من "التعليم" من أموال الشعوب هو انتحار حضاري بامتياز. يجب أن ندرك أن "تخريب العقل" هو الجريمة الكبرى التي تُرتكب يومياً تحت قبة هذا الصرح، وأن حماية الهوية الثقافية لا يمكن أن تكون مبرراً لغسل أدمغة الشباب بالأوهام. الهوية التي تخشى التفكير المنطقي هي هوية هشة لا تستحق البقاء، والتعليم الذي لا يحرر الإنسان من الخوف من الأشباح هو مجرد تدجين قطيعي. إن بناء مجتمع مادي، عقلاني، ومنتج يتطلب بالضرورة تجفيف منابع الخرافة في المناهج التعليمية، وفك الارتباط بين "الأكاديمية" و"الدعوة"، وإعادة الاعتبار للعقل الفردي المستقل الذي يرى في "سورة الجن" وأخواتها مجرد نصوص تاريخية تنتمي لوعي طفولي للبشرية، لا مرجعاً علمياً يفسر طبيعة الوجود.
ختاماً، يظل التعليم الأزهري هو العائق الأكبر أمام النهضة الحقيقية، ليس لأنه يعلم الدين، بل لأنه يمنح "الوهم" صفة "العلم". إننا بحاجة إلى ثورة تعليمية تقتلع جذور الفكر الغيبي من المؤسسات الرسمية، وتضع العلم المادي في مكانه الصحيح كمرجع وحيد لفهم الواقع وتدبير شؤون الحياة. وبدون هذه الخطوة الجريئة، سنظل ندور في حلقة مفرغة من الجهل المشرعن، نخرج "دكاترة" يؤمنون بالعفاريت، و"مهندسين" يخشون العين، و"علماء" يبحثون عن الإعجاز في الأساطير، بينما يواصل العالم تقدمه المادي المذهل، تاركاً إيانا في "زاوية التاريخ" نرتل كلمات لا تسمن ولا تغني من جوع في مواجهة تحديات الوجود الحقيقية. إن إنقاذ العقل البشري من هذا المصنع هو المعركة الأولى والأخيرة في سبيل الحرية والكرامة والارتقاء الإنساني.



.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...