Translate

بروباغندا النفيسي وخلط الغيب بالاستراتيجية وتفكيك ظاهرة المحلل السياسي المتأسلم (مقال)

.

.
بروباغندا النفيسي وخلط الغيب بالاستراتيجية وتفكيك ظاهرة المحلل السياسي المتأسلم




تمثل ظاهرة عبد الله النفيسي في الفضاء الثقافي والسياسي العربي حالة نموذجية لما يمكن تسميته بـ "الأدلجة الاستراتيجية" حيث يتم تغليف الرؤى الغيبية والميتافيزيقية بلغة توحي بالعمق السياسي والخبرة الاستخباراتية بغرض صناعة وعي جمعي يعيش في حالة استنفار دائم ضد أشباح متخيلة إن نقد هذه الظاهرة ليس مجرد نقد لشخص بل هو تشريح لبنية عقلية كاملة تسيطر على قطاع واسع من "النخب" التي تدعي الحداثة في الأدوات والرجعية في المنطلقات فالنفيسي كنموذج للمحلل السياسي المتأسلم نجح في المزاوجة بين "نظرية المؤامرة" وبين "الرؤية القدرية" للتاريخ محولاً السياسة من فن إدارة الممكن المادي القائم على موازين القوى والمصالح الجيوسياسية إلى صراع درامي ملحمي بين معسكر "الإيمان" ومعسكر "الماسونية والصهيونية" وهو بهذا الصنيع يعطل التفكير المادي النقدي ويشل قدرة العقل العربي على فهم آليات الاشتغال الحقيقية للقوى الدولية مستبدلاً إياها ببروباغندا غيبية تنتظر "النصر الإلهي" كحل نهائي للمآزق الأرضية.
إن البنية التحتية لخطاب النفيسي تقوم على استدعاء دائم للعدو المتخفي الذي يحرك خيوط العالم من غرف مظلمة وهي الرؤية التي تتقاطع مع كلاسيكيات "بروتوكولات حكماء صهيون" وما تلاها من أدبيات المؤامرة الكبرى إذ يعمد هذا الخطاب إلى تبسيط التعقيدات السياسية الدولية عبر ردها إلى "إرادة شريرة" واحدة تتآمر على "الأمة" وهذا التبسيط المخل هو أولى خطوات تعطيل التفكير المادي فبدلاً من تحليل القوة بناءً على معطيات الاقتصاد والتقنية العسكرية والتحالفات البراغماتية يذهب المحلل المتأسلم إلى تتبع "الرموز الماسونية" أو "المخططات الصهيونية القديمة" وكأن التاريخ قدر محتوم رُسم في سراديب خفية وليس نتاج صراع مادي مكشوف الأوراق إن خطورة هذا المنطق تكمن في أنه يمنح "العدو" قوة خرافية تقترب من الألوهية مما يولد لدى المتلقي شعوراً بالعجز التام لا يمكن الخروج منه إلا باللجوء إلى "القوة الغيبية" المقابلة وبهذا تتحول التحليلات السياسية من محاولة للفهم إلى طقس من طقوس الاستقطاب الديني الذي لا يقدم حلولاً بل يراكم الأوهام.
ويظهر النفاق المعرفي في هذا الخطاب من خلال استخدامه لمفردات العلوم السياسية الحديثة ومصطلحات الاستراتيجية الدولية لشرعنة محتويات هي في جوهرها "خرافية" فالحديث عن "مراكز الفكر" (Think Tanks) و"صناع القرار" في واشنطن أو تل أبيب يتم دائماً في سياق يوحي بأن هذه المؤسسات ليست سوى أدوات في يد "القوى الخفية" التي تتحكم في مسار البشرية إن هذا الخلط المتعمد يهدف إلى إضفاء مسحة من "العلمية" على تصورات غيبية مسبقة فالنفيسي لا ينطلق من الواقع ليصل إلى النتيجة بل ينطلق من "النص الديني" أو "التصور الأيديولوجي" ليطوع الواقع ويجتزئ منه ما يخدم فكرته وهذا هو جوهر البروباغندا التي لا تبحث عن الحقيقة بل عن "الانتصار الذهني" للفكرة المسبقة إن تحويل السياسة إلى "صراع غيبي" ينزع عن الإنسان مسؤوليته المادية في التغيير فإذا كان العالم محكوماً بمؤامرة ماسونية كونية لا راد لها إلا بمعجزة إلهية فإن الفعل السياسي المادي يصبح عبثاً لا طائل منه وهو ما يخدم في النهاية قوى الاستبداد والجمود التي ترغب في بقاء الجماهير في حالة انتظار قدري بدلاً من الانخراط في صراع المصالح الحقيقي.
إن تعرية نفاق المثقف المتأسلم تتطلب فحصاً دقيقاً لكيفية توظيفه لـ "العدمية السياسية" المغلفة باليقين الديني فالنفيسي يطرح نفسه كخبير بالغرب وخفاياه ولكنه يقدم غرباً كرتونياً محكوماً برغبة وحيدة هي "تدمير الإسلام" وهذا التوصيف يغفل الحقيقة المادية التي تقول إن الغرب نفسه كتلة متصارعة من المصالح والشركات والأيديولوجيات وأن المحرك الأساسي لأفعاله هو "تراكم رأس المال" والبقاء في قمة الهرم المادي وليس الهواجس الدينية القروسطية إن المحلل الذي يصور الصراع كحرب صليبية دائمة إنما يهرب من استحقاق المنافسة المادية في المجالات العلمية والاقتصادية فمن الأسهل على الوعي المهزوم أن يقول "إنهم يتآمرون علينا لأننا مؤمنون" من أن يقول "إنهم يتفوقون علينا لأنهم يمتلكون المنهج العلمي والإنتاج المادي" وهنا تلعب بروباغندا النفيسي دور المخدر الذي يداوي جراح النرجسية المجروحة عبر تحويل الهزيمة المادية إلى "ابتلاء إلهي" أو "مؤامرة كونية" تزيد من قداسة "الضحية".
علاوة على ذلك فإن خلط الغيب بالاستراتيجية يؤدي إلى نشوء حالة من "البارانويا الثقافية" حيث يصبح كل حدث مهما كان صغيراً جزءاً من "المخطط الأكبر" فإذا وقعت ثورة أو اندلعت حرب أو تغيرت أسعار النفط يهرع المحلل المتأسلم للبحث عن "الأصابع الخفية" بدلاً من دراسة الديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية المحلية إن هذا المنهج "البوليسي" في قراءة السياسة يسقط بالضرورة في فخ التناقض فهو يدعي المعرفة المطلقة بخبايا "المؤامرة" وفي الوقت نفسه يبشر بـ "النصر الإلهي" الذي سيحققه "القطيع" المؤمن في نهاية الزمان وهذا الجمع بين "قمة المعرفة" و"قمة الغيبية" هو ما يمنح خطاب النفيسي جاذبيته لدى الغوغاء الذين يبحثون عن مبررات لقعودهم إن تعطيل التفكير المادي في موازين القوى يجعل الشعوب العربية تعيش في "زمن موازٍ" بعيداً عن قوانين الفيزياء السياسية التي تحكم العالم المعاصر حيث القوة لمن ينتج المعرفة والمادة وليس لمن يمتلك "التفسير التآمري" الأصح.
إن نفاق "الأكاديميا المتأسلمة" يتجلى بوضوح عندما نرى النفيسي وأقرانه يستشهدون بكتب ومؤلفين غربيين من "منكري الهولوكوست" أو "أصحاب نظريات المؤامرة" في الغرب ويقدمونهم للجمهور العربي كـ "مفكرين أحرار" كشفوا الحقيقة إنهم ينتقون من الفكر الغربي "نفاياته" الفكرية التي لفظها المنهج العلمي ليعيدوا تدويرها كحقائق استراتيجية لا يأتيها الباطل من بين يديها وهذا السلوك يثبت أن الهم الأول ليس "تنوير العقل" بل "تجييش العاطفة" ضد نموذج الحداثة المادي الذي يشكل التهديد الأكبر لسلطة الكهنوت الديني والسياسي إن "المحلل السياسي المتأسلم" هو في الحقيقة "داعية ديني" يرتدي ربطة عنق ويجلس خلف شاشات التحليل الاستراتيجي ليمارس نفس الدور القديم في "تغييب الوعي" وتأبيد الارتهان للخرافة تحت مسميات "الصحوة" و"المقاومة" و"الوعي الكوني".
إن الهدف من هذا التحليل هو كشف "الفخ المعرفي" الذي ينصبه النفيسي لجيل من الشباب الذين يطمحون لفهم العالم فبدلاً من تعليمهم كيفية قراءة التقارير الاقتصادية أو فهم الجغرافيا السياسية بناءً على الموارد والتقنية يتم حشو أدمغتهم بمصطلحات "الماسونية" و"النورانيين" و"حكومة العالم الخفية" وهي مصطلحات لا قيمة لها في المختبرات السياسية الحقيقية ولكنها فعالة جداً في صناعة "المغفل النافع" الذي يعتقد أنه يمتلك أسرار الكون بينما هو عاجز عن فهم ميزانية دولته إن تعرية هذا النفاق هي خطوة ضرورية لاستعادة "المادية السياسية" التي تؤمن بأن القوانين التي تسري على المادة في المختبر هي ذات القوانين التي تسري على القوى السياسية في الميدان وأن السماء لا تتدخل لتغيير موازين القوى لصالح من لا يمتلك أسباب القوة المادية على الأرض.
إن "بروباغندا النفيسي" تعتمد بشكل أساسي على "الكاريزما اللفظية" والقدرة على سرد الحكايات بأسلوب تشويقي يوحي بالاطلاع على أسرار لا يعرفها غيره وهذه "السلطة المعرفية" الوهمية هي التي تمنح الخرافة قداسة الاستراتيجية فالمستمع يشعر أنه أمام "راديكالي" يتحدى القوى الكبرى بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاج أكثر الأفكار محافظة ورجعية التي تحمي بنية "الأصنام" القديمة في العقل العربي إن تحويل السياسة إلى صراع غيبي هو إعدام للسياسة كفعل بشري وتجريد للفرد من حقه في المحاسبة والنقد فإذا كانت الأمور تدار بمؤامرات "ماسونية" صمدت لآلاف السنين فإن المطالبة بالديمقراطية أو العدالة المادية تصبح مجرد "لعب أطفال" أمام القدر المحتوم وهذا هو الجانب المظلم في خطاب المحللين المتأسلمين حيث ينتهي بهم الأمر كحراس لليأس والتبعية والانتظار السلبي.
علاوة على ذلك فإن هذا النوع من الخطاب يساهم في عزل العقل العربي عن التفاعلات الإنسانية العالمية فبدلاً من الانخراط في "الحضارة المادية" والمساهمة في قوانينها يتم التقوقع داخل "مظلومية تاريخية" ترى في كل تقدم عالمي مؤامرة موجهة ضده إنها "سيكولوجية المهزوم" التي تجد في "النفيسية" تعبيراً فكرياً عن عجزها فالمحلل المتأسلم لا يقدم طريقاً للخروج من التخلف المادي بل يقدم "تفسيراً مريحاً" للبقاء فيه إن النفاق يكمن في الادعاء بأن هذا الخطاب هو "وعي استراتيجي" بينما هو في الواقع "ردة عقلية" تستبدل التحليل السوسيولوجي والاقتصادي بالروايات الميثولوجية حول "الأعداء" الذين يخططون لإسقاط الأمة في كل لحظة وكأن العالم ليس لديه شغل شاغل سوى هذه البقعة الجغرافية الراكدة.
إن الحقيقة المادية التي يهرب منها النفيسي هي أن "السياسة الدولية" هي غابة من المصالح المادية الصرفة حيث لا صديق دائم ولا عدو دائم بل "منفعة دائمة" والقوى الكبرى تتحرك وفقاً لحسابات الربح والخسارة وتأمين منابع الطاقة وخطوط التجارة وليس وفقاً لعداء "مقدس" للأديان إن إقناع الجماهير بالعكس هو تزييف للواقع يهدف لإبقاء الشعوب في حالة "هياج عاطفي" يسهل انقياده خلف الشعارات الرنانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع مادي إن "المثقف المتأسلم" هو مهندس هذا الهياج وهو المستفيد الأول منه لأنه يحول نفسه إلى "وسيط شرعي" بين الغيب والواقع ويمنح نفسه سلطة تفسير "المقدس والسياسي" في آن واحد وهو ما يمثل ذروة الجمع بين السلطتين الدينية والزمنية في قالب "تحليل استراتيجي" مخادع.
في الختام يظل خطاب عبد الله النفيسي والظواهر المشابهة له صوتاً للماضي يتخفى في لغة المستقبل وسماً معرفياً يعطل قدرة الإنسان العربي على مواجهة واقعه المادي بصدق وشجاعة إن "إله الغرز" الذي يصنعه هؤلاء المحللون من خيوط المؤامرة والغيب هو إله صنمي يجب تحطيمه بمطرقة المنطق والعلم المادي إن السياسة ليست صراعاً غيبياً ينتظر معجزة بل هي بناء مادي يحتاج لعقول ترى الواقع كما هو لا كما تتمناه النصوص القديمة أو تخيله نظريات المؤامرة المريضة إن الطريق نحو القوة يبدأ من الاعتراف بأن "موازين القوى" هي قوانين مادية صارمة تسري على الجميع وأن البروباغندا الغيبية مهما بلغت درجة تعقيدها اللفظي لن تستطيع حماية أمة ترفض التفكير المادي وتصر على العيش في خيالات "المؤامرة الكبرى" بانتظار نصر لن يأتي إلا لمن يصنعه بيده وعقله في مختبرات الواقع المادي.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...